التفسير الوجيز ـ تفسير سورة الأنعام
الدرس ( 50)
من الأية ( 54 ) حتى الآية ( 69 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد…
فكنا قد توقفنا عند تفسير قول الله تعإلى:
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)}
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أمر بالسلام عليهم {كَتَبَ} أي أوجب {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أوجبها على نفسه تفضلا منه عز وجل {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا} يعني ذنبا وهو سوء؛ لأنه يسوء الإنسان في حياته وفي آخرته {بِجَهَالَةٍ} ولم يقل بجهل، {بِجَهَالَةٍ} لأنه متعمد، فمن عصى الله فهو جاهل، {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} يعني وأصلح بالعمل، {فَأَنَّهُ} عز وجل {غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ} كما فصلنا هذا الأمر نفصل جميع الآيات، {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ} يعني نوضح ونبين {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ} لتظهر {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} يعني طرق المجرمين، وهذا يتعين على أهل العلم أن يبينوا العلم والحق؛ حتى تظهر ضلالات أهل الجهل وأهل الاهواء ولذلك قال {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}.
{قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)}
{قُلْ} يا محمد لهؤلاء {إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ} لهم {لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا} يعني لو اتبعت طريقتكم {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}.
{قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)}
{قُلْ} يا محمد لهم {إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} يعني على دلالة واضحة من ربي، ومن ذلك إنزال هذا القرآن {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} أي بهذا القرآن، وما جاء به من ذكر البعث، {وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} يعني من العذاب كما قال تعالى عن بعضهم {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} أي ما الحكم الا لله، ومن ذلك الحكم بعذابكم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ} يقصه ويقوله {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} خير العادلين {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}.
{قُلْ} لهم {لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي من العذاب {لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} وأنتم ظالمون {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ}.
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}
{وَعِنْدَهُ} أي عند الله عز وجل {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} وهي المذكورة في آخر سورة لقمان {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} وفي هذا إثبات صفة العلم لله عز وجل، وأنه أحاط بكل شيء علما، فلا يخفى عليه شيء، {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} {مَا فِي الْبَرِّ} مما يكون فيه {وَالْبَحْرِ} ما يكون فيه من حيوانات، وما شابه ذلك، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ} وكل هذا تفصيل بعد إجمال {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ} من أي شجره {إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ} يعني الحبوب والبذور، {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ} هنا أتى بالعموم بعد التفصيل، أتى بالعموم {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ} لأنه ما من شيء إلا وهو رطب، أو يابس {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ، فهو عز وجل عالم بكل شيء الدقيق وغير الدقيق، وقد كتب كل ذلك مما سيقع في الكون كتبه في اللوح المحفوظ عز وجل، وما يقع من شيء إلا وهو يشاؤه ويريده ويخلقه عز وجل، وهذه مراتب القدر: علم، وكتابة، ومشيئة، وخلق، {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.
{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)}
{وَهُوَ الَّذِي} من دلائل عظمة الله عز وجل التي تستوجب منكم أن تعبدوه وحده {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} أي النوم؛ لأن النوم وفاة، {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ} يعني ما كسبتم، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} يعني يحييكم من هذه الموتة الصغرى، وهي النومة {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} إلى مدة بقائكم في هذه الحياة، كل على حسبه، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ} يخبركم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)}
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} إثبات اسم القاهر لله عز وجل، وفي هذا إثبات صفة القهر لله عز وجل، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} أي ملائكة تحفظكم بالليل والنهار، حتى يأتي أمر الله بوفاة أحدكم {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} كما قال تعالى {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الموتة الكبرى {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} وهم ملائكة الموت، ملائكة الموت؛ لأن المسؤول عنهم ملك الموت {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} وله أعوان، وهم ملائكة الموت كما في هذه الآية، وأما قوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} لأنه هو الآمر يأمر ملك الموت، وهناك أعوان من الملائكة له {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} لا يضيعون أمر الله، بل ينفذون أمره عز وجل {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}.
{ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} الذي تولى أمورهم عز وجل في حياتهم، وبعد وفاتهم {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} له الحكم القدري فيما يتعلق بالناس من نعمة، من مصيبة، له الحكم الشرعي مما يأمر به وينهى عنه، وله الحكم الجزائي فيما يقضي به عز وجل على المخالفين للرسل بالعذاب في الدنيا، والحكم الجزائي في الآخرة بالجنة أو بالنار {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} فهو ليس كالمخلوق يحتاج الى تروي، وإلى نظر {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}.
{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)}
{قُلْ} يا محمد لكفار قريش {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} وأنتم تسيرون، ظلمة الليل، ظلمة السحاب، ظلمة ما يكون في هذه الأماكن {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ} إذا أتاكم ما يخيفكم من هذه الظلمات، {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا} أي تذللا تضرعا وخفيه في خفاء {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} من أجل أن ينجيكم {لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ} من هذه الكارثة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} لكنهم إذا نجاهم {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)} {لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ} يا محمد لهم {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} لكن مع ذلك {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}.
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)}
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} إثبات اسم القادر لله عز وجل، {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} حتى لو بعد أن نجاكم من هذه الظلمات، ووصلتم إلى البر وإلى النجاة {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} من السماء {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} يعني يخلطكم {شِيَعًا} يعني أحزابا، وإذا حصل التحزب يحصل ماذا؟ القتل، وما شابه ذلك، ولذلك قال بعدها {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} يعني عذاب بعض {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ} نظر تأمل وتعجب {كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ} نصرفها بالوعيد والترغيب والقصص {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} يفهمون، ومع ذلك {وَكَذَّبَ بِهِ} يعني بالقرآن من؟ {قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} الذي لا مرية فيه، {قُلْ} يا محمد لهم {قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أتولى أموركم، إنما أنا مبلغ {قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}.
{لِكُلِّ نَبَإٍ} أي لكل خبر {مُسْتَقَرٌّ} يعني ما أخبر به عز وجل سيحل، ومن ذلك عذابكم، {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} ولذلك قال {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعيد وتهديد لهم {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)}
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا} يعني بالأباطيل {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} واجتنب مجالسهم {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} ولذلك قال تعالى، هذه الآية، هذه الآية هي الآية التي توضحها سورة النساء {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} ما الذي نزل؟ هذة الآية التي معنا {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ} لأن سورة الأنعام قبل {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} فجلست معهم من باب النسيان، {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى} بعد التذكر {مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} لو مر بهم المتقون وسمعوا هذا الكلام فليس عليهم جناح؛ لأنه ليس جلوسا مقصودا، {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى} يعني على المتقين أن يذكروهم بالله عز وجل {وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الله عز عز وجل، ويرجعون إليه.
ونكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.