تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 137 ) حتى الآية (144 ) الدرس (56)

تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 137 ) حتى الآية (144 ) الدرس (56)

مشاهدات:

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة الأنعام

الدرس ( 56 )

من الأية ( 137 ) حتى الآية ( 144 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد…

فكنا قد توقفنا عند تفسير قول الله تعإلى:

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)}

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} {وَكَذَلِكَ} أي كما فيما مضى ذكره من آيات إذ إنهم جعلوا لله نصيبا من الحرث والأنعام، وكذلك للأصنام {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ} وليس للكل {لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ} يعني أنهم يقدمون على قتل الأبناء خوفا من الفقر، وقتل البنات خوفا من الفقر والعار، {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ} من المزين؟ الشركاء {شُرَكَاؤُهُمْ} من الشياطين، ومن شابههم من شياطين الإنس {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ} أي ليهلكوهم، ومن الردى أن يقدم الإنسان على قتل أبنائه وبناته {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} أي وليخلطوا عليهم دينهم مما تبقى لهم من دين إسماعيل {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} لأن الأمر كله له عز وجل، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ} أي اتركهم وهذا تهديد {وَمَا يَفْتَرُونَ} يعني أنهم يكذبون أشد الكذب في هذا الفعل.

{وَقَالُوا} من تلقاء أنفسهم {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ} أي بهيمة الأنعام {وَحَرْثٌ} يعني زرع أي زرع {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} يعني ممنوعة {لَا يَطْعَمُهَا} أي لا يأكلها {إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} أي هو زعم وافتراء {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} أنعام يقولون لا تركب، محرم أن تركب على ظهرها، وهو الحام البعير إذا خرج من صلبه عشرة، قالوا حمى ظهره، {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} يعني ما شرع الله كما افتروا {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)}

{وَقَالُوا} من تلقاء أنفسهم {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ} من الأجنة التي بها، وقيل يدخل فيها الألبان، لكن السياق على الأجنة أوضح من ذلك، {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا} يعني خاصة بذكورنا، والمقصود من ذلك إذا خرجت حية، {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ} أي ممنوعة {عَلَى أَزْوَاجِنَا} يعني على الإناث، لكن لو خرجت ميتة، {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} من الذكور والإناث {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي بوصفهم، أو جزاء وصفهم الكاذب {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)}

{قَدْ خَسِرَ} أي تحقق خسران من صنع الصنائع الذميمة السابقة، ومن ذلك قتل الأولاد البنين والبنات، {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا} بسوء التصرف {سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} من الأنعام والزروع وما شابه ذلك فيما مضى {افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} أي كذبا على الله، قد تحقق ضلالهم كما تحقق سفههم، {قَدْ ضَلُّوا} عن الحق {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)}

 {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ} يعني خلق، وهذا من دلائل عظمة الله التي تستوجب منهم أن يعبدوا الله وحده، وألا يفتروا على الله الأكاذيب {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ} يعني بساتين {مَعْرُوشَاتٍ} يعني تحتاج إلى رفع مثل العنب، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} لا تحتاج إلى رفع مثل النخل، {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ} يعني وأنشا النخل {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ} أي الحبوب {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} ثمر هذه ليست كتلك، والأرض واحدة، والتربة واحدة، والماء واحد، من الذي جعلها مختلفة هذا الاختلاف؟ هو الله، إذًا يجب أن يوحد الله عز وجل، {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} متشابه في أوراقه، لكن من حيث الطعم والثمرة يختلف، بل ربما في الشجرة الواحدة تخرج ثمار، ومن عذق واحد، وإذا بهذه الثمرة تختلف عن تلك التي هي بجوارها، {مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر} تفضلا منه عز وجل، لكن لا تنسوا حق الفقراء، {وَآَتُوا حَقَّهُ} من الزكاة {يَوْمَ حَصَادِهِ}، ما يكون هناك حول يتم عليه كالأموال الأخرى، لا، الحبوب والثمار في المزارع من حين ما تثمر هذا هو حولها، لو ظلت ستة أشهر، أو خمسة أشهر فنضجت فهنا تجب الزكاة {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا} في أي شيء، عمم، {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

{وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}

{وَمِنَ الْأَنْعَامِ} لما ذكر الزروع والحبوب والثمار، لأن الإنسان محتاج إلى أن يكون له قوت، الحبوب، وأن تكون له ثمار وفاكهة، ذكر الأنعام {وَمِنَ الْأَنْعَامِ} أي وأنشأ من الأنعام {حَمُولَةً وَفَرْشًا} {حَمُولَةً} مثل الإبل يحمل عليها، {وَفَرْشًا} يعني مثل الغنم؛ لأنها قريبة من الأرض ما تستطيع أن تحمل شيئا، {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ} أي طرق {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} كما صنعتم في تحريم زروع، وفي تحريم أنعام، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} العلة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي ظاهر العداوة.

{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)}

 {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} كم عددها؟ {ثَمَانِيَةَ}؛ لأنها بدل من {وَمِنَ الْأَنْعَامِ} وقيل وأنشا ثمانية،  {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} يعني أصناف {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} الذكر والأنثى {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} والذكر يسمى عندنا بالخروف، والأنثى بالنعجة، {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} يعني الذكر والأنثى التيس والماعز {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ} يا محمد لهؤلاء أنتم صنفتم هذه الأنعام منها ما هو حلال، ومنها ما هو حرام، {قُلْ} يا محمد {قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ} يعني التحريم هذا الحاصل منكم هل هو علة لكونها ذكرا، أو لكونها أنثى، {أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} أو العلة على ما اشتملت عليه الأرحام من ذكورية، ومن أنوثة، فإن كانت العلة في تحريمكم لبعض الأشياء الأنوثة، أو الذكورة أو ما اشتملت عليه أرحام الانثيين، فلماذا أبحتم أشياء منها، وحرمتم أشياء؟! إذًا العلة عندكم مضطربة، {قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} إن كان لديكم حكم من الله {نَبِّئُونِي} أي أخبروني {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

 {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ} الذكر والأنثى {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} الذكر والأنثى {قُلْ} يا محمد لهم {آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} فليس عندكم علم من الله إذًا ما تبقى إلا أمر {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} على هذه الأحكام {إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} لم يوصكم بذلك، إنما هو ظلم ولذلك قال بعدها {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

 ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.