تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 13 ) حتى الآية ( 36 )الدرس(48)

تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 13 ) حتى الآية ( 36 )الدرس(48)

مشاهدات: 1160

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة الأنعام

الدرس ( 48)

من الأية ( 13 ) حتى الآية ( 36 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد…

فكنا قد توقفنا عند تفسير قول الله عز وجل:

{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)}

{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} {وَلَهُ مَا سَكَنَ} أي ما استقر، وأيضا وما تحرك، فكل شيء ملكه عز وجل، {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} {السَّمِيعُ} لأقوال الخلق {الْعَلِيمُ} بأحوالهم {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

{قُلْ} يا محمد لكفار قريش تنديدا بحالهم {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} يعني وليا ينصرني، ويدفع عني الشر، {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يعني مبدع وخالق السماوات على غير مثال سابق، {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وغيره لا يفطر، ما فطر السماوات والأرض، {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} وهو يطعم خلقه، {وَلَا يُطْعَمُ} {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} فقال هنا تنديدا بأنهم اتخذوا أولياء يحتاجون إلى الطعام، فليسوا بآلهة، {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ} لهم قل {إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} من هذه الأمة، وأيضا هو أكمل إسلاما من الخلق كلهم {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

{قُلْ} وكما قلت لكم كلمة {قُلْ} تكررت كثيرا في سورة الأنعام {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني أخشى من عذابه العظيم {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ} يعني عن عذاب الله {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} يعني الواضح.

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)}

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} {بِضُرٍّ} من مرض وما شابه ذلك، {فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} من نعمة وصحة وما شابه ذلك، {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وليست تلك الآلهة التي اتخذتموها أولياء، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} إثبات اسم القاهر له عز وجل، وله صفة القهر {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} {الْحَكِيمُ} الذي يضع الأمور في مواضعها اللائقة {الْخَبِير} العالم بخفايا وبواطن الأمور.

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}

{قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} يعني ما هو أكبر من يشهد بصدقي؟ {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} أجاب {قُلِ اللَّهُ} {قُلِ اللَّهُ} ولا ينكرون ذلك، فالله يشهد بصدقي، {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} وظيفتي {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ} أي لأحذركم {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} يعني ومَن بلغه هذا القرآن {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ} مخاطبا لهم {لَا أَشْهَدُ} هذا هو التبرؤ من الشرك، {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}.

{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)}

{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} لأن صفاته عليه الصلاة والسلام مكتوبة عندهم {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} بمخالفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعرضوها لعذاب الله {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}

{وَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ} الشرعية القرآن، والخلقية الكونية من شمس وقمر وما شابه ذلك، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.

 {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} يعني واذكر أي واذكر يوم نحشرهم {جَمِيعًا} فلا يغيب منهم أحد، {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} من الآلهة {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} تزعمون أنها تنفعكم وتنصركم.

 {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} أي اختبارهم، ومن اختبر أجاب {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ} أقسموا كذبا، {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} يعني في الدنيا، {انْظُرْ} تأمل إلى حال هؤلاء، وتعجب {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} لأن الله هو عالم بكل شيء، {وَضَلَّ عَنْهُمْ} يعني غاب عنهم {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من تلك الآلهة التي يقولون ستنصرنا، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}

 {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} لكنه لا يريد أن يهتدي، إنما يستمع ليشكك،  {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} ولذلك بسبب هذا القصد منهم {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} يعني أغطية {أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه، لئلا يفهموا هذا القرآن، {وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا} يعني ثقلا، {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ} تدل على صدقك {لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ} {جَاءُوكَ} من أجل ماذا؟ ليس من أجل هداية، وإنما من أجل مجادلة {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا} أي ما هذا {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} يعني قصص الأولين التي لا مستند لها.

 {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} ينهون عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} يعني يبعدون أنفسهم عنه فلهم يهتدوا، ولا يدعون غيرهم يهتدون، {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} بهذا الصنيع؛ لأن مصيرهم إلى النار، {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}.

{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)}

{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا} تمنوا {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} إلى الدنيا {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

{بَلْ بَدَا لَهُمْ} يعني ظهر لهم {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} يعني في الدنيا ما كانوا يخفونه من الشرك، وما شابه ذلك، {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الشرك {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.

{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} كثير من المفسرين يقولون: إن هذه متعلقة بالتي قبلها يعني لو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه، ولقالوا في الدنيا هذه الجملة {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}.

{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} يعني في يوم القيامة، {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ} إثبات صفة القول لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} أقسموا يظنون أنهم سينجون {قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}.

{قَدْ} للتحقيق {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} يعني فجأة {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا} ينادون الحسرة {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} يعني على ما فرطنا في الدنيا بالطاعات {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} يعني ذنوبهم {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاء} ذم {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)}

{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)}

{قَدْ نَعْلَمُ} إثبات صفة العلم لله عز وجل، {قَدْ نَعْلَمُ} يا محمد {إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} من تكذيبك ومن قول إنك ساحر، {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} يعلمون صدقك {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}.

 {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ} تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} يدل على كثرة الذين كذبوا، {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا} فاصبر أنت {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ} أي لا مغير {لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} كلمات الله التي هي القرآن، لا أحد يستطيع أن يغيرها، وكذلك آيات الله عز وجل الكونية الخلقية، ما أحد يستطيع أن يغيرها {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ} يعني من خبر {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ}.

{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)}

 {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ} يعني عظم {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ} أن تطلب {أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ} من أجل أن تأتيهم بها فافعل، {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ} ولو أتيتهم بأي آية ما آمنوا، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} لكن الله عز وجل لم يشأ ذلك؛ لأنهم ما أرادوا الهداية، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}.

 {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ} لك يا محمد {الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} سماع انتفاع، وهم أهل الإيمان، {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} الموتى من قبورهم يبعثهم الله، وأيضا هؤلاء الكفار؛ لأنهم موتى، ولو كانوا أحياء؛ لأنهم لم يستفيدوا من حواسهم، {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}.

 ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.