التفسير الوجيز ـ تفسير سورة الأنعام
الدرس ( 54 )
من الأية ( 109 ) حتى الآية ( 124 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد…
فكنا قد توقفنا عند تفسير قول الله تعإلى:
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)}
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} لما ذكر عز وجل الدلائل على عظم الله عز وجل وأنهم لا يستطيعون أن ينكروا أنه هو العظيم الذي خلق هذه الأشياء قالوا حتى نؤمن حالفين بالله عز وجل جهد أيمانهم {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ} من الآيات التي أتت بها الرسل السابقون، كناقة صالح وعصى موسى {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ} يا محمد لهم {إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} يأتي بها إذا شاء، وليست من عندي {قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أي وما يعلمكم، وما يدريكم {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} لأنهم ما أرادوا الهداية، وإنما أرادوا التعنت، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} يعني قلوبهم {وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} لأن هؤلاء ما أرادوا أن يؤمنوا، فأغلقت قلوبهم عن الهداية، سواء أتتهم آية، أو لم تأت، {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ} نتركهم {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يعني يترددون حيارى.
{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَ} كما اقترحوا {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} يعني خرجوا من قبورهم من آبائهم وأجدادهم {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} أي جمعنا كل شيء مما اقترحوه، ومما أرادوه {قُبُلًا} يعني جماعات جماعات، أو أنهم كفلاء لك بأن ما قلت هو الصحيح، {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} وأيضا يبصرون ذلك بأم أعينهم {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} لأنهم ما أرادوا الهداية {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} من أراد الله هدايته فإنه يهتدي رغم أنفه {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} يجهلون خطورة لو أتتهم آية فلم يؤمنوا بها، إذ سيعاقبهم الله عز وجل، ويستأصلهم، وأيضا هم جهال لا يعرفون عظم هذا الدين فتركوه، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)}
{وَكَذَلِكَ} كما جعلنا هؤلاء أعداء لك يا محمد، لتعلم أن هناك أعداء للرسل الذين سبقوك، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} هؤلاء الأعداء {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ} يعني القول المزين {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} من أجل أن يغتروا به، فكل منهم يؤز الآخر، {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} من هذا الإيحاء الذي هو القول المزخرف المزين، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} يعني وما يأتون به من أعظم الكذب.
{وَلِتَصْغَى} أي لتميل إلى هذا القول المزخرف، {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ} وإذا صغت الأفئدة رضيت بالباطل، {وَلِيَرْضَوْهُ} وإذا ارتضوا الباطل فعلوه، {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} أي وليفعلوا ويعملوا ما هم مقترفون.
{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}
{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} إذ قالوا ليكن بيننا وبينك حكم {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} أي وضحت فيه كل الأشياء {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي} {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} وهم اليهود والنصارى {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أي من الشاكين، وهو لم يشك عليه الصلاة والسلام.
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} تمت كلمات الله عز وجل {صِدْقًا وَعَدْلًا} {صِدْقًا} في أخباره {وَعَدْلًا} في أحكامه، فكيف يبحثون عن حكم غير الله عز وجل، وما أنزله في هذا القرآن، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله، الكلمات الشرعية القرآن، والكلمات الكونية مما أراد أن يحدثه في هذا الكون، {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} هو السميع لأقوالهم، والعليم بأعمالهم، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} لم؟ {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي ما يتبعون إلا الظن، ما يتبعون العلم، وإلا فالعلم موجود في القرآن {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} أي ما هم إلا يخرصون يعني يكذبون.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} بمن اهتدى.
{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)}
{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} ولا تلتفت إلى ما حرمه هؤلاء، {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} إلى غير ذلك مما سيأتي مما أتوا به من أحكام على هذه البهائم، فقال الله عز وجل {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ} يعني بين لكم ما حرم عليكم، إذًا كلوا كل شيء مما أباحه عز وجل، لكنه فصل المحرم، المحرم لا يجوز أكله، {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} هذا المحرم لا يجوز أكله إلا حال الضرورة {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين، ومن المعتدين هؤلاء.
{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)}
{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ} {وَذَرُوا} يعني اتركوا {ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} يعني المعلن والخفي يلزم أن تتركوا كل الذنوب الصغيرة والكبيرة الخفية والمعلنة {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} يعني يعملون. {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} بأن تركت التسمية عليه، أو أنه ذكر اسم لغير الله، أو ذكر مع اسم الله على هذه البهيمة ذكر اسم آخر، {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي خروج عن طاعة الله عز وجل، فكيف يؤكل؟! {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} ممن اتبعوهم في الضلال، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} أي ليخاصموكم؛ لأنهم يقولون كيف تأكلون ما قتلتم بما أنكم ذبحتم، ولا تأكلوا الميتة التي قتلها الله؟! انظروا إلى الكلام الذي يراد منه الباطل، {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} فيما ذهبوا إليه طاعة الشرك {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}.
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)}
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا} هل يستوي المؤمن والكاف؟ لا، حال المؤمن وحال الكافر كما ذكره عز وجل {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا} في ظلمات الكفر{فَأَحْيَيْنَاهُ} بالإيمان {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} نور الهداية والعلم والخير {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} هو والآخر {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} ظلمات الكفر والجهل والشكوك {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} يعني كما جعلنا الأكابر في قومك من أنهم مجرمون فلتعلم أنه فيما مضى هناك أكابر مجرمون عادوا الرسل عليهم السلام {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} بالصد عن دين الله، وبنشر الكفر، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} لأن العذاب سيحل بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} وما يعلمون عقوبة ما فعلوه.
{وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ} مما اقترحوها؛ لأنه فيما مضى في أول الدرس {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} قال هنا {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} يعني من الرسالة، حتى نكون أنبياء، {حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} الرسالة لها خصيصة لا تصح لأي أحد {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} يختار من يشاء { للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} ومنهم قومك {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} {صَغَارٌ} يعني ذل وهوان، وذلك لأن الذليل يصغر نفسه، فيصبح ذليلا {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} السبب {بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}.
ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.