تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 1 ) حتى الآية ( 12 ) الدرس (47)

تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 1 ) حتى الآية ( 12 ) الدرس (47)

مشاهدات: 869

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة الأنعام

الدرس ( 47)

من الأية ( 1 ) حتى الآية ( 12 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين، أما بعد فنشرع بعون من الله عز وجل وتوفيق منه في تفسير التفسير الوجيز، في تفسير سورة الأنعام.

 قال تعالى:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)}

{الْحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه عز وجل {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ} يعني وخلق، هنا جعل بمعنى خلق، {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ} وهي ظلمات الشرك والذنوب والظلمات الحسية من ظلمة الليل والسحاب، {وَالنُّورَ} نور الطاعة ونور الحس من الأنوار التي في النجوم والأنوار الأخرى، وقال هنا {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ} ولم يقل وخلق الظلمات؛ لأن جعل تدل على الاستمرار، {الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} يعني إنشاء بعد إنشاء، لكن السماوات والأرض قد خلقت وفرغ منهما، {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ} عممها؛ لأنها متشعبة، لكن طريق الحق واحد، وهو النور فأفرده {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بعد هذه الآيات {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يعني أنهم يشركون، فيساونه عز وجل بغيره، {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ} من دلائل عظمته عز وجل، وهذا يوجب أن يوحد، وأن يعبد وحده عز وجل، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} وهو أصل أبينا آدم، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} {أَجَلًا} وهو الزمن {أَجَلًا} لكل إنسان في هذه الحياة {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني ما بين القبر إلى قيام الساعة، ولذلك قال {عِنْدَهُ} لأنه لا يعلم بقيام الساعة إلا هو، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ} مع ذلك كله {تَمْتَرُونَ} يعني تشكون، {وَهُوَ} يعني المعبود عز وجل المعبود بحق هو الله عز وجل وحده {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} ليس معنى ذلك أن الله في الأرض، لا، الله في العلو، الله في العلو، وفوق السماوات، لكن هنا {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} يعني هو المعبود يعبده أهل السماوات وأهل الأرض، ولذلك حتى ينتفي هذا الوهم لدى البعض ماذا قال؟ {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} مع أنه في العلو {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} وأنتم في الأرض {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} أي ما تخفون، {وَجَهْرَكُمْ} أي ما تعلنون، {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} من الطاعات ومن غيرها.

{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)}

{وَمَا تَأْتِيهِمْ} مع تلك الدلائل، كفار قريش، {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي منصرفين سواء كانت تلك الآيات آيات شرعية، أو آيات حسية، ومن المعجزات التي أتى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} الحق الذي أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القرآن، {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ} تهديد لهم {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ} يعني أخبار {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فهم لم يكذبوا فقط، مع التكذيب استهزؤا، {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.

{أَلَمْ يَرَوْا} وهم يسيرون في سفرهم إلى آثار الأمم السالفة {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} من جماعة {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} الأمم السابقة {مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} يعني لم يمكن لكفار قريش من القوة ومن الأموال مثل ما مكن الأمم السابقة، ومع ذلك أهلك الله عز وجل الأمم السابقة، أفيظن كفار قريش أنهم يَسْلَمون؟! {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ} يعني الأمم السابقة، {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} يعني المطر {مِدْرَارًا} يعني متصببا، {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} هذا من فوق، {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} مع تلك القوة {فَأَهْلَكْنَاهُمْ} بسبب {بِذُنُوبِهِمْ} {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} يعني جماعات آخرين، فإنه لما أهلك قوم نوح أتى بقوم عاد، وهكذا.

{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)}

{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ} يعني يا محمد، فهم لا يريدون طلب الآيات للإيمان، إنما يريدون طلب الآيات تعنتا، تعنتا، {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} القرطاس الذي يكتب فيه، {فَلَمَسُوهُ} اللمس يكون باليد، ومع ذلك مع اليقين، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا} أي ما هذا {إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} أي سحر واضح.

 {وَقَالُوا لَوْلَا} يعني هلا، {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} ملك ليعينه على الرسالة، وليشهد له بصدقه، طلبوا هذا الشيء تعنتا، {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} بهلاكهم، لأن الله إذا أنزل آية اقترحوها، فلم يؤمنوا أهلكهم كالأمم السابقة، لكنه رحمهم؛ لأن هذه أمة محمد، فأراد الله أن يخرج من أصلابها من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئا، {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} بهلاكهم {ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} أي لا يُمْهَلون، {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} فإنهم لا يقدرون على رؤية الملك، {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} لأنه يناسبهم، حتى يخاطبهم، {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} يعني إذا خلطنا عليهم ما يخلطون فسيقعون في اللبس؛ لأنه لو كان ملكا، ثم صار في صورة البشر حصل اللبس مره أخرى، وقالوا أين الملك؟

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}

 {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} يا محمد فلست الوحيد، فقد سبقك رسل استهزئ بهم، {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ} أي وجب، {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ} وليس الجميع، وهذا من عدله عز وجل، {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ} يا محمد لكفار قريش {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} لتعتبروا، ولتنظروا إلى ديار ثمود وعاد وديار قوم لوط، {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)} {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا} ليس نظرا مجردا، وإنما نظر اعتبار، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا} يا كفار قريش {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ما عاقبة من كذب الرسل السابقين؟ الهلاك، {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.

{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)}

{قُلْ} يا محمد لهم من باب بيان الدلائل على عظمة الله عز وجل، ويقرون بهذا الشيء، {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أجب أنت؛ لأن الجواب يقرون به، ولا يمكن أن ينكروه، ولذلك تجدون في سورة الأنعام كلمة {قُلْ} كلها دلائل على عظمة الله، وتبكيت لكفار قريش، {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ} يعني أوجب على نفسه تفضلا منه عز وجل، {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي والله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} ليحاسبكم {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه، ولذلك قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} إذ عرضوها لعقوبة الله لما كفروا {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.

 نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.