التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران
الدرس ( 17)
من الآية ( 159 ) حتى الآية ( 180 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} {فَبِمَا} يعني بسبب {رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} يعني سهلت لهم {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} يعني في أفعالك، وفي أقوالك معهم {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}
{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} يعني إن تخلى عنكم، وخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)}
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} وذلك لأن هناك قطيفة في غزوة أحد فقدت، فقيل إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد أخذها، فقال الله عز وجل {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ} يعني ما كان يصلح ولا يستقيم لنبي {أَنْ يَغُلَّ} والغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، ويندرج تحته الأخذ من بيت مال المسلمين من غير وجه حق {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني يحمله كما جاءت بذلك الأحاديث موضحة لذلك، وهو حمل حقيقي على الصحيح عند الجمهور خلافا لمن قال من أنه يحمل الإثم {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى} يعني ما أخذه من بعير، من مال، من ذهب، من فضة، يحمله يوم القيامة {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.
{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)}
{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ} يعني كمن رجع بسخط من الله لا يستويان {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} مصيره جهنم {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} بئس االمرجع.
{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} الصحيح أن هذا يعود إلى الفريقين أهل الإيمان وأهل الكفر {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} فأهل الإيمان في درجات عالية، وأهل النار في درجات {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} يعني دركات في أسفل سافلين {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} يعني من أن النبي محمدا عليه الصلاة والسلام بعث فيهم، وبلغتهم، وأيضا هو عليه الصلاة والسلام رسول للبشر كلهم {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ} تلاوة قراءة {وَيُزَكِّيهِمْ} يعني يطهرهم بما أتى به من الوحي {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} وذلك بفهم معانيه {الْكِتَابَ} القرآن {وَالْحِكْمَةَ} يعني السنة {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ} قبل مجيئه عليه الصلاة والسلام {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)}
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} وذلك ما جرى لكم في غزوة أحد لما جرى لكم ما جرى {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} بمعنى أنكم في غزوة بدر قد قتلتم سبعين، وأسرتم سبعين {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} يعني تستبعدون ذلك {قُلْ هُوَ} يا محمد {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} يعني ما أمركم عليه الصلاة والسلام بأن يبقى الرماة على الجبل هنا لما خالفتم {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)}
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} في غزوة أحد {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} كل ذلك بتقدير من الله، وهنا فيه حكم له عز وجل، {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ} يعني المنافقين؛ لأن عبد الله بن أبي بن سلول ذهب بثلث الجيش، ورجع إلى المدينة {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} من أجل رفع راية التوحيد وراية الإسلام {أَوِ ادْفَعُوا} يعني كثروا سواد المسلمين {أَوِ ادْفَعُوا} وذلك لأن بعض الصحابة ذهب إلى هؤلاء المنافقين، وقال لهم هذا القول {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} يعني لو نعلم أن هناك قتالا يجدي ويفيد لاتبعناكم، ويدخل في ذلك قول من يقول أيضا من أننا لو أننا نحسن القتال لقاتلنا معكم، وهذا كله كذب من هؤلاء 0 {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} هم منافقون من حيث الأصل، هم كفار، لكن من حيث الظاهر ظهرت علامات نفاقهم أكثر{هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}.
{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا} هم قعدوا عن الجهاد {لَوْ أَطَاعُونَا} فبقوا معنا في المدينة كما بقيت هذه الطائفة من المنافقين {مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا} قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون هذا القول {قُلْ فَادْرَءُوا} يعني ادفعوا {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أينما تكونون، فالموت إذا أتى سيأتي ولن تستطيعوا أن تدفعوه.
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}
{وَلَا تَحْسَبَنَّ} أي لا تظن {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} {أَحْيَاءٌ} يعني حياة لا نعلم كنهها، لكنها حياة كما وضحنا ذلك أكثر في سورة البقرة {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} {يُرْزَقُونَ} وليس هم يرزقون كمن يستغيث بهؤلاء الموتى {يُرْزَقُونَ} يعني أنهم بحاجة إلى رزق من الله، فمن طلب الرزق ليطلبه من الله عز وجل.
{فَرِحِينَ} هؤلاء الذين ماتوا في سبيل الله {فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ} يبشر بعضهم بعضا بحال إخوانهم الذين يجاهدون، وكانوا في الحياة من أنهم سيلقون مثل ما يلقون من هذا النعيم {فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} يعني في الدنيا {أَلَّا خَوْفٌ} يعني بألا خوف {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ} يعني وبأن الله {لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}.
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا} الأظهر من أنه استئناف جديد؛ لأن أبا سفيان قال كيف ندع محمدا وأصحابه وقد فعلنا بهم؟ لماذا لم نجهز عليهم؟ فأراد الرجوع، فعلم عليه الصلاة والسلام، فقال: (من خرج معي، فليخرج معي، ولا يخرج معي غير من خرج معي في تلك الغزوة) وقد أصيبوا بالجراحات وبالتعب، فقال الله مبينا فضل هؤلاء {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} من جراحات وآلام {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} لأن أبا سفيان بعث نعيم بن مسعود، وقال خوف محمدا من أني آت، ومعي جمع عظيم، فقال الله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} وهو نعيم بن مسعود أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام {إِنَّ النَّاسَ} يعني من أن من؟ من أن أبا سفيان {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} يعني زادهم هذا القول زاد النبي محمدا عليه الصلاة والسلام، ومن معه زادهم إيمانا، وتوكلا على الله، ولذلك في حال الشدائد كلما تعظم المصيبة والشدائد والآلام اهرع إلى الله، وفوض أمرك إلى الله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية كما هو معتقد أهل السنة والجماعة {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} يعني يكفينا الله {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} يعني المتوكل والمتولي لأمورنا {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ولذلك يقول شيخ الإسلام: إن قول “حسبي الله ونعم الوكيل” كما أن من خاف من شيء، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل دفع الله عنه ذلك، كذلك من طمع في أن يحصل له شيء، أو يؤمل في شيء، فليقل حسبي الله ونعم الوكيل، كما قال تعالى {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}
{فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
{فَانْقَلَبُوا} يعني رجعوا {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} مع هذا كله لهم رضوان من الله {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} لأنهم ابتعوا رضوان الله {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} لأنهم لما ذهبوا لم يلقوا أبا سفيان؛ لأن أبا سفيان ألقى الله في قلبه ومن معه الرعب، فرجعوا، فرجع النبي عليه الصلاة والسلام، ومروا بتجار، واشتروا، وربحوا، فقال الله {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} يعني يخوفكم بأوليائه مما قالوه في ما قالوه {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}
{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ} يا محمد لا يحزنك الذين يسارعون {فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا} يعني نصيبا {فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} يعني أخذوا الكفر، ودفعوا الثمن الذي هو الإيمان وبئست البيعة {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فلا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي.
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} {نُمْلِي لَهُمْ} يعني من أننا نعطيهم من هذه الدنيا ونؤخرهم {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}.
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} يعني في غزوة أحد لما جرى ما جرى تميز من؟ أهل النفاق من أهل الإيمان {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} ما كنتم تستطيعون أن تعرفوا أن هذا منافق، وهذا مؤمن، إلا بإطلاعه عز وجل، وبمثل هذه المحن، وكذلك فيما يطلعه الله لرسوله عليه الصلاة والسلام {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ولذلك قال الله عز وجل {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي} يعني يختار {مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} فيخبرونكم بما أراد الله {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وهذه الأرجح من أنها فيما يتعلق بالمال بدلالة الحديث قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له ذبيبتان، يأخذه بلهزمتيه) يعني بشدقيه (ويقول أنا كنزك، أنا مالك)
{سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ويدخل في ذلك أيضا قول من يقول من أن من كتم العلم، فإنه يطوق، بمعنى أنه يحمل الآثام {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إن بخلتم، فإنكم ستفنون وستتركون هذه الأموال {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.