التفسير الوجيز ـ تفسير سورة النساء
الدرس ( 30)
من الآية ( 114 ) حتى الآية ( 126 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)}
{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} أي التناجي، {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} وهو ما تعرف على حسنه شرعا، وعرفا، {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} فهذه فيها خيرٌ عظيم، {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي ما مضى من تلك الأعمال الصالحة {ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} أي طلبًا لثواب الله، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)}
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} يعني يخالف الرسول، {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} اتضح عنده العلم والدلائل، {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني غير طريق المؤمنين، وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآيه الدليل على أن إجماع علماء المسلمين على حكم شرعي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن هذا الإجماع يكون أصل من أصول التشريع، فقال الله عز وجل هنا {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني غير طريقة المؤمنين {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} يعني نكله إلى ما اتخذه وليًا له، {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} نعذبه بجهنم {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ساءت، يعني ذم لجهنم {وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)}
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ومرت معنا هذه الآية في نفس السورة، وتكررت من باب التحذير من الشرك، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} يعني ضلالا عظيما؛ لأن أعظم الذنوب هو الشرك بالله عز وجل.
{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} يعني أصناما، {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} يعني عاتيا.
{لَعَنَهُ اللَّهُ} طرد الله عز وجل هذا الشيطان من رحمة الله، {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ} الشيطان {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا} يعني جزءاً منهم {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} وقد صدق في ظنه كما قال تعالى {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بل إن هذا النصيب هو الأكثر كما قال تعالى {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} يعني عن الطريق المستقيم {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} الأماني التي تلهيهم عن طاعة الله وتحببهم في الدنيا، {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ} التبكيت يعني القطع، {فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ} يعني كانوا يأتون إلى بهيمة الأنعام، ويقطعون آذانها، ويقولون هذه للآلهة، {وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} يعني يغيّرون خلق الله بوصل الشعر بوشم؛ لتغيير خلقة الله عز وجل، ويدخل في ذلك من أنهم يغيّرون الفطرة، وفطرة التوحيد كما قال تعالى {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} {وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ} هذا تهديد، {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا} يتولاه ويطيعه {وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} العاقبة {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} يعني خسرانا واضحا.
{يَعِدُهُمْ} بالأماني، وبما يكون من زخارف وزينة الدنيا، {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} فهو يغرُّهم، لم؟ لأن هذه الدنيا زائلة، وإنما هي تفنى، ومصير من أطاعه يكون في هلاك.
{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يعني مصيرهم جهنم، {وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} ليس هناك مهرب من جهنم، {وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا}.
{وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)}
{وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لما ذكر عز وجل الصنف الذي هو الصنف الخبيث ذكر الصنف الطيب، {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} يعني وعد الله عز وجل ووعده حق، فهو لا يخلف المعاد، {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} من أصدق من الله قولاً؟ الجواب: لا أحد، {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}.
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)}
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} ليس لأحد أن يتمنى، ولا لأهل الكتاب أن يتمنى أن يكون له الخير في الآخرة، {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} لكن المؤمن يصيبه ما يصيبه في هذه الدنيا من الأمراض والبلايا فيكفر الله عز وجل عنه سيئاته {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا} يعني يأتي له بالخير {وَلَا نَصِيرًا} يعني يدفع عنه الشر.
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} ونص على الذكر والأنثى؛ لأن من عمل صالحًا فله الأجر العظيم، حتى لو فاقت الأنثى الرجل فلها، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ} من الثواب {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} والنقير كما قلنا النقرة التي تكون خلف نواة التمر، {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}.
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)}
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا} من هذا الدين {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} هنا الإخلاص، يعني أخلص لله عز وجل، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} هذا يدل على الإخلاص {وَهُوَ مُحْسِنٌ} يعني وهو متبع لطريقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصح العمل إلا أن يكون خالصا لوجهه، وأن يكون على وفق شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} يعني دين إبراهيم{مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} يعني هو مائل عن الشرك، يعني ملته هي ملة التوحيد، {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ولذلك مدح إبراهيم بعد ذلك مما يدل على عظيم ملته {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} والخلة هي أعظم درجات المحبة، وكما اتخذ الله عز وجل إبراهيم خليلا، فقد اتخذ الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خليلاً {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}.
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)}
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} فقد أحاط علمه بكل شيء، ولا يقف عليه شيء، وللحديث إن شاء الله تتمة، وصلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد.