تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 109 ) حتى نهاية السورة الدرس(46)

تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 109 ) حتى نهاية السورة الدرس(46)

مشاهدات: 850

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة المائدة

الدرس ( 46)

من الآية ( 109) حتى آخر السورة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قول الله عز وجل:

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)}

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} {يَوْمَ} يعني اذكر {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} يعني في يوم القيامة، {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ} يعني للرسل {مَاذَا أُجِبْتُمْ} أي من قبل أقوامكم، وهذا من باب التبكيت لأقوامهم الذين كذبوهم، {قَالُوا} يعني قالت الرسل {لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} وهي الأمور التي تخفى على الخلق {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ} يعني اذكر {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى} إثبات صفة القول من الله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ} ونصَّ على الوالدة هنا؛ لأنهم قالوا إن الله ثالث ثلاثة، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} كما مر معنا {اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ} يعني قويتك، {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} وهي الروح المطهرة جبريل، {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ} هذا تعداد لنعم الله عليه، {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} {فِي الْمَهْدِ} يعني في الصغر {وَكَهْلًا} يعني بعد سن الشباب، {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} ولذلك قال عز وجل عنه في سورة مريم {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)} {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ} يعني الكتابة {وَالْحِكْمَةَ} وهي فهم الأمور، والإصابة في الشيء، {وَالتَّوْرَاةَ} التي أنزلت على موسى، {وَالْإِنْجِيلَ} الذي أنزل على عيسى عليه السلام، والإنجيل متمم للتوراة وموضح لها، ولذا قال تعالى {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ} يعني كصورة {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا} أي في هذه الصورة {فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} طيرا حيًّا حقيقيا {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} يعني وتشفي {الْأَكْمَهَ} يعني الأعمى، {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} من به داء البرص {بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ} يعني صرفت، {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} يعني بالدلائل الواضحة والمعجزات {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} أي سحر واضح.

{وَإِذْ أَوْحَيْتُ} ولاشك أن كف الشر عنك نعمة، ولذا قال {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}.

 {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} وحي إلهام وأمر بما جاء به عيسى عليه السلام، {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} وهم أصحاب عيسى عليه السلام، {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)}

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً} يعني الطعام {مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} وهنا قال بعض العلماء: إنهم شكوا في قدرة الله عز وجل، فليسوا بمؤمنين أصلا، لكن الصحيح أن السؤال هذا ليس عن شك، هم مؤمنون، ولذلك قال عز وجل آمرا أن يحتذى بهم في سورة الصف {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} فهنا سؤالهم من باب ماذا؟ أن يكونوا واصلين الى رؤية اليقين، إلى عين اليقين، فعندهم علم اليقين من أن هذا رسول من الله عز وجل، لكنهم أرادوا الدرجة الأعلى مثل حال إبراهيم {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} ويعلم بذلك علم اليقين، {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ} يعني أريد أن أشاهد {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فقال الله عز وجل هنا {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} وهذا كما تقول لإنسان: هل تستطيع أن تحمل ــ ولله المثل الأعلى ــ هل تستطيع أن تحمل هذا الشيء، وأنت تعرف أنه سيستطيع لا محالة، لو قلت لإنسان مثلا: هل تستطيع أن تحمل مثلا هذا القلم، أنت تعرف علم اليقين أنه سيحمله، {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} يعني هل يطيعك ربك، {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} حذرهم من أن يكون هذا السؤال عن تعنت {قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فأجابوه {قَالُوا} لنا غرض من ذلك {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} عين اليقين {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} يزداد صدقنا في ذلك، {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} يعني نشهد لك عند غيرنا بأنك رسول، ولذلك مما يدل على أن سؤالهم ليس عن تعنت أجابهم عيسى عليه السلام {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا} قال {اللَّهُمَّ رَبَّنَا} من باب الإلحاح {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا} يعني في عصرنا {وَآَخِرِنَا} يعني مَن يأتي بعدنا {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ} يعني علامة منك {وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ}.

 {قَالَ اللَّهُ} إثبات صفة القول لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} لكن من يرى الآيات بعد أن ينزلها الله عز وجل فلم يؤمن ينزل عليه العقاب كما فعل بالأمم السابقة، {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} بعد ما يرى، {فَإِنِّي} بعد ما يرى هذه المائدة {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}.

أما هذه المائدة، وما ورد فيها من آثار من أن هناك أنواعا معينة لها، أو أنها لما قال {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} من أنهم قالوا: لا نريد أن تنزل، فهذا ليس بصحيح، هي نزلت، هي نزلت، لكن ما نوعية هذا الطعام، فيه آثار لكنها غير صحيحة {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}.

{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)}

 {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} إثبات صفة القول لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته،  {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} هذا متى؟ في يوم القيامة، سأله هذا السؤال؛ لكي يكبت ويحقر مَن عبده، وعبد أمه التي هي مريم، {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وهو عز وجل عالم بأنه لم يقل هذا، لكن من باب تحقير النصارى الذين جعلوه إلها، {قَالَ سُبْحَانَكَ} تنزيه لك عما لا يليق بك، {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} هذا ليس بحق لي، التوحيد هو حق لك، {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} الأمور الخفية الدقيقة {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} وهو الدعوة إلى التوحيد {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} قدم نفسه فهو عبد لله، {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} في وقت حياتي {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} يعني قبضتني ورفعتني الى السماء، {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} إثبات اسم الرقيب له عز وجل، {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مطلع على كل شيء.

 {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} وهذا من باب تفويض الأمر لله عز وجل، وإلا فعيسى عليه السلام يعلم أن الله عز وجل لن يغفر للمشرك في ذلك الوقت، لكن هذا من باب تفويض الأمر له عز وجل، وله الأمر كله، يحكم بما يشاء، {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ولذلك لم يقل فإنك أنت الغفور الرحيم، من باب تفويض الأمر إليه، لأنه يعلم أن الله عز وجل لا يغفر للمشرك يوم القيامة {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ} القوي الغالب الذي لا ينال بسوء، {الْحَكِيمُ} الذي يضع الأمور في مواضعها المناسبة {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}

 {قَالَ اللَّهُ} إثبات صفة القول لله عز وجل بما يليق بجلاله وعظمته، {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ} في يوم القيامة {يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} ومن الصادقين عيسى وأمه، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} ثوابهم: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} إثبات صفة الرضا منه عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} وذلك بما أتوا به من الأعمال الصالحة، {وَرَضُوا عَنْهُ} بما أعطاهم من الثواب والنعيم الأبدي {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)} إثبات اسم القدير لله عز وجل.

 وهنا يتم التفسير الوجيز لسورة المائدة، أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.