﷽
خطبة
فوائد عن الشتاء
فضيلة الشيخ زيد البحري بن مسفر البحري
_______________________
.أمّا بعدُ فَيا عِبادَ الله: نتحدّثُ في هذا اليوم عن بعض الفوائد المُتعلِّقة بِفَصل الشتاء
مِن الفوائد المُتعلِّقة بِفصل الشتاء
أنّ النّبيّ ﷺ كما في حديث أبي سعيد في مُسند الإمام أحمد وحسَّنه الهَيثَمِيُّ في مَجمَع الزوائد أنّه قال (( الشتاءُ رَبِيعُ المُؤمِن ))
قال ابن رجب -رحمه الله- كما في لطائف المَعارِف، قال: سمّاهُ ربيعًا، وذلك لأنّ البهائمَ تَرتَع في الربيع حتّى تَصِحَّ أبدانُها، فكذلك في فصل الشتاء هو ربيعٌ لِلمؤمن لِيَستَكثِر مِنهُ وفِيهِ مِن طاعة الله عزّ وجلّ.
ولذلك في زِيادةِ البَيهَقيّ قال (( طالَ لَيلُهُ فَقامَ، وقَصُرَ نهارُهُ فَصامَ ))
ومِن الفوائد المُتعلِّقة بِالشتاء
أنّه ﷺ قال كما في المُسنَد (( الصَّومُ في الشتاء الغَنِيمَةُ البارِدة )) سمّاهُ غَنيمَة
قال ابن رجب -رحِمه الله- في لطائف المَعارِف، قال: لأنّه يأتي مِن غَير كُلفَة ولا مَشَقَّة؛ لأنّ النهارَ قصير والجوَّ بارِد. فهو غَنيمَة يَغتَنِمُها، ولكن ليست غنيمة حارّة وإنّما هي غنيمةٌ بارِدَة
ومِن الفوائد
أنّه ربّما يُقال كيف يكونُ الشتاءُ ربيعًا وكيف يكونُ الصومُ فيه غَنيمة، وقد جاء عند ابن عَدِيّ في الكامِل أنّ عُمَرَ رضي الله عنه قال ” الشتاء عدوّ ” قال ” الشتاء عَدُوّ “
ولْيُعلَم أنّ هذا الحديث فيه سَوّار بن عبدالله اختُلِفَ فيه حتّى قال سُفيان الثورِيّ كما نَقَلَ ذلك الذّهبِيّ وابن حجر : ( ليس بِشيء ) وفيه مجهولان.
والغريب هُنا أنّ مِثل هذا الأثَر يَستَدِلُّ به بعضُ مَن يَنتسِب إلى عِلم الحديث في هذا الزمن مع ما فيه مِن هذا المَقال، وهو إذا أَتَى إلى بعض الأحاديث في صحيح مسلم أو في صحيح البخاريّ ولَم يَسبِقه أحدٌ مِمَّن استَدرَكَ على البخاريّ أو مُسلِم، لَم يَسبِقهُ أحدٌ إلى التَّكَلُّم فِيه إذا به يأتي بِمِثل هذه الأحاديث .
وأقول : سبحان الله !!
كيف يُطعَن في بعض الأحاديث التي في صحيح البخاريّ وفي صحيح مسلم مِمَّن ينتسبُ إلى عِلم الحديث في هذا الزمن، ويستدِلّ بِمِثلِ هذه الآثار التي بها ضَعف!
وهذا ولا شكّ أنّه مِن العجائب ومِن الغرائب
مِثلُ ما يُستدلّ مَثَلًا بِالحديث الذي عند الحاكِم ” لَن يَغلِبَ عُسرٌ يُسرَين ” يستدلّون به مع أنّه مُرسَل، مِن كلام الحَسَن، ومِن مُرسَل قَتادَة، ولَم يَصِحّ شيء في المرفوع كما قال ابنُ كثير في التفسير، وكما قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح وفي الإتحاف، وكما قال السخاوِيّ في المقاصِد
لكنّ العجب أن يأتيَ أمثالُ هؤلاء ويَطعَنون في أحاديث أو يتكلّمون في أحاديث دَرَجَ الناسُ على قَبولِها مِن قِبَل عُلَمائهم ومِن قِبَلِ عامَّتِهم
فَسُبحان الله؛ ما هذا التناقض !!
وأمّا ما جاء عند ابن المُبارك في الزُّهد أنّ عُمر رضي الله عنه أنّه إذا دَخَلَ الشتاء أَرسَل إلى أُمَرائه وقال: ” تَعَهَّدوا الرَّعِيَّةَ بِالصُّوف واجعَلُوه دِثارًا وشِعارًا، وقال: إنّ البَردَ سريعٌ دُخولُه بَطيءٌ خُروجُه ” فإنّ هذا أيضًا به انقِطاع .
ومع هذا كُلِّه لَو صَحَّت مِثلُ هذه الآثار فإنّ الشتاء لا يكونُ عَدُوًّا على وَجهِ العُمُوم، فإنّه ربّما يأتي الله عزّ وجلّ فيه بِبَردٍ شديد فَيَتَكاسَل المسلم فيه عن العِبادة. وإلّا في الأَصل كما جاءت به الأحاديث في بَيان فَضل هذا الشتاء
مِثل: الأولاد هُم زِينة الحياة الدُّنيا، ومع ذلك بِاعتِبارٍ آخَر بِتَصَرُّفٍ آخَر قَدَّرهُ اللهُ عزّ وجلّ جَعَلَهُم اللهُ عزّ وجلّ أعداءً كما في آيةٍ أُخرى
وأمّا ما جاءَ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال ” مَرحبًا بِالشتاء تَنزِلُ فيه البَرَكة ” فإنّه حديثٌ ضعيف لا يصحّ عن النبيّ ﷺ.
ومِن الفوائد المُتعلِّقة بِالشتاء
أنّ المسلمَ مأمورٌ بأن يَدفَعَ شِدَّة الحرِّ وشِدَّة البرد. قال عزّ وجلّ { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } وقال { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ}
أمّا الحَرّ والبَرد فَاللهُ عزّ وجلّ خلقَه لِحِكمة كما قال ابن رجب -رحمه الله- في لَطائف المعارِف ( فالحَرّ يُحَلِّل الأخلاط الّتي في البَدَن، والبَرد يُجَمِّدُها ) ولِذا ذَكَرَ أنّ بعضَ الأُمَراء كان لا يُصيبُه في حياتِه لا حَرّ ولا بَرد، كان يَتَّقي مِن الحرّ والبرد مُطلَقًا، سواء كان حرًّا وبردًا شاقَّيْن أَم لَم يَكُونَا، فَتَلِفَ بَطنُه بِسَبَب أنّه لَم يَتَعَرَّض لِلحرّ ولا لِلبَرد
وإنّما المشروع أن يَدفَعَ الإنسانُ عنه شِدَّة الحرّ و شِدَّة البَرد
ومِن الفوائد المُتعلِّقة بِفصل الشتاء
أنّه هَطَلَت ثُلوج فيما مَضَى، تِلك الثلوج لَو أرادَ الإنسانُ مثلًا أن يُصَلِّيَ عليها أَتَصِحُّ صلاتُه أَم لا ؟
الجواب عن هذا كما قال الفقهاء رحمهم الله قالوا: إن وَجَدَ حَجمَهُ فَتَصِحّ الصلاة وإلّا فَلا
مِثل القُطن المنفوش ومِثل الحشيش مثل الثَّيِّل إذا كان طويلًا. فَيقولون إذا وَجَدَ حَجمَهُ، بِمَعنَى أنّه إذا سَجَد وجدَ له حَجمًا تَستَقِرّ جَبهَتُه وأنفُه عليه.
أمّا إذا لَم يَجِد أصلًا لِهذا الثلج أو لِهذا الحشيش أو لِهذا القُطن المنفوش، إذا لَم يَجِد أصلًا وحَجمًا يَسجد عليه وتَتَمَكَّن جبهتُه وأنفُه مِنهُ فَإنّ صلاتَه لا تصحّ . لِمَ ؟
لأنّ مِن شروط السجود أن يكون على الأعضاء السبعة وأن يكون المكان الذي يَسجُدُ فيه مُستَقِرًّا بِحَيث تَتَمَكَّن جَبهَتُه وأنفُه منه
ولذا في صحيح البخاريّ صَلَّى ابنُ عُمَر رضي الله عنهما على الثلج .
فَنُزول الثلج ليس بِغَريبٍ حتّى فيما مضى
ومِن الفوائد المُتعلِّقة بِالشتاء
أنّ ابن رجب -رحمه الله- ذَكَرَ عن الأصمَعِيّ في لَطائف المعارِف أنّ العَرَب كانت تُسَمِّيه بِالفاضِح. لِمَ ؟
لأنّه يُبَيِّن ويُظهِر حالَ الفُقَراء وحالَ العَجَزَة.
ولِذلك مِسعَر بنُ كِدام مَرَّ على رَجُل ولَيست عليه ملابِس في فَصل الشتاء. ذَكَرَ هذه القِصّة أبو نُعَيم في حِلية الأولِياء:
أنّه مَرَّ على رَجُلٍ وكان يَنشُدُ بعضَ الأشعار يقول:
جاء الشتاءُ وليس عندِي دِرْهَمٌ … ولقد يُخصُّ بمثلِ ذاكَ المُسْلِمُ
قد قطع النَّاس الجبابَ وغيرَها … وكأَنني بِفِناءِ مكة مُحرِمُ
فنزع مِسْعَرٌ جبَّته فألبسَهُ إيَّاها.
مِسعَر بن كِدام مِن باب الفائدة؛ لأنّ في سيرَتِه فائدة نَستفيدُ منها هُنا
هوَ : مِسعَر بن كِدام كما قال الذهبيّ في سِيَر أعلام النُّبلاء شيخُ بَغداد، ثِقَة، كان أَحوَل، يَعني مِن شِدّة حُؤولَتِه أنّه إذا نَظَرَ -كما قالوا- إذا نَظَرَ إلى الإنسان كأنّه ينظر إلى الحائط
كان بَرًّا بأُمِّهِ كما في الطَّبَقات لابن سَعد، وكان يأتي معه بِلُبَّاد إلى المَسجِد وهي معه، وكانت عابِدَة. فكان يَفرُش اللبّاد وتُصَلِّي عَليه، ويَنصَرِف فَيُصلِّي ويأتي الناس إليه ويسألونَه، ثمّ إذا انصرفوا انصَرَفَ هو وأُمُّه
ومع هذا كُلِّهِ كما قال يحيى بن مَعين في السِّيَر قال: ما ارتَحَلَ في طَلَبِ العِلم. قال: ما ارتَحَلَ في طَلَبِ العِلم. ولذلك يقول الذهبيّ في السِّيَر قال: نَعَم . يقول: قلتُ نَعَم . وكان كما قالوا لا يَسمَعُ حديثًا إلّا في المسجد الجامع
هذا يُفيدُنا بفائدة وهي: أنّ المقصود -وإن كانت الرِّحلة إلى طَلَبِ العِلم موجودة في عَصر السَّلَف- المقصود مِن طالب العِلم أن يَتَعَلَّمَ عِلمًا يَنفَعُه، ليست العِبرة بِكَثرَة الِارتِحال والذَّهاب والإياب في طَلَبِ العِلم. لا
انظُر إلى هذا الرَّجُل جَلَس ولَم يَرتَحِل، وأخَذَ العِلمَ مِن أَهْل بَلدَتِه فقط، ولَم يَتَعَنَّ في الذهابِ إلى مساجِد أُخرى، ممّا يَدلّ على أنّ المقصود – لأنّ بعض مِن الناس ربّما أنّه يُعَظَّم بِكَثرَةِ ما يُقال فيه أنّه رَحَلَ في طَلَبِ العِلم، وأنّه دَرَسَ على فُلان أو فُلان أو فلان، ويُعَدِّد مئات وآلاف المشايخ
العِبرة
العِبرةُ بِالإتقان، العِبرة بِأَنْ تَظفرَ بِعِلمٍ نافِع
ومع هذا كان هذا الرَّجُل، كان عابِدًا وَرِعًا رحمه الله. حتّى قال سُفيان الثَّورِيّ -سفيان الثوريّ مِن الثِّقات مِن الجِبال- يقول كُنّا إذا اختلفنا في شيءٍ أتَينا إليه فوجدنا عنده عِلمًا، ممّا يدلّ على أنّ حِفظ الوقت مِن طالِب العِلم ومِن العالِم هو خَيرٌ له
وهذا فائدة وعِبرة لِمَن هو طالِبٌ لِلعِلم
ومع هذا كلّه -وإن كانوا قد نَسَبوا إليه الإرجاء- ولذلك قال الإمام أحمد في مَوسوعَة أقواله في الرِّجال قال رحمه الله لَم أسمَع مِن مِسعَر أنّه كان مُرجِئًا. ولكنّهم كانوا يقولون: لا يَستَثني. يعني مسألة أن تقول لِلإنسان ( أنا مؤمن إن شاء الله ) وهذه فيها تفصيل كما في محلّه
وكان هذا الرَّجُل كما قلتُ وَرِعًا؛ حتّى كان يُنشِدُ أشعارًا مثل الأبيات المشهورة التي يُقال فيها
نَهارُك يا مَغرُورُ سَهوٌ وغَفلَةٌ
ولَيلُكَ نَومٌ، والرَّدَىٰ لك لازِمٌ
وتَكدَحُ فيما سوف تُنكِرُ غِبَّهُ
كذلك في الدُّنيا تَعيشُ البهائمُ
فهذه فائدة مِن سِيَر هؤلاء رحمهم الله
.
ومِن الفوائد المُتعلِّقة بِالشتاء
أنّ النبيّ ﷺ قال كما في حديث أبي هُرَيرَة رضي الله في الصحيحَين قال (( اشتَكَتِ النارُ إلى رَبِّها، قالتْ يا رَبِّ أَكَلَ بَعضي بعضًا، فَنَفِّسْني. فأَذِنَ لها بِنَفَسَين، نَفَسٌ في الصَّيف ونَفَسٌ في الشتاء، فَأَشَدُّ ما تَجِدُون مِن الحَرِّ مِن سَمُومِها، وأشدُّ ما تَجِدُون مِن البَرد مِن زَمهرِيرِها ))
حتّى في رواية البزّار عن أبي هريرة وقال الهَيثميّ في المَجمَع وقال: رِجالُه رِجال الصحيح (( قالت نَفِّسني أَكَلَ بَعضي بعضًا فإنّي أخافُ أن أَقبِضَ علىٰ خَلْقِك ))
( اشتَكَت ) اشتَكَت بِلِسان الحال، أَم بِلِسان المَقال ؟ هل نَطَقَت حقيقةً أَم أنّه لِكثرةِ أجرامها وازدِحام أجرامِها وما فيها مِن العذاب اشتكَت بِلِسان الحال ولَم تَنطُق ؟
الصحيح: أنّها نَطَقَت، ولا إشكال في ذلك. فَاللهُ جلّ وعلا قادِرٌ على ذلك، فإنّه أنطَقَها فاشتكت. وقد قال بِذلك النّوَوِيّ والقُرطُبِيّ وغَيرهُما رحمهما الله
فَنَعوذُ باللهِ عزّ وجلّ مِن زَمهَرِيرِها ومِن سَمُومِها.
وقد قال ابنُ عَبدالبَّرِّ في التمهيد وهي فائدة هنا لِكُلِّ إشكال فيما يخصّ هذا الحديث في قَضِيّة نفَس الشتاء ونفَس الصيف. قال ويُبَيِّن هذا رِواية الحَسَن (( فأشَدُّ ما تَجِدُون مِن البَرد مِمّا يُهلِكُ شيئًا، أو مِن الحَرّ مِمّا يُهلِكُ شيئًا )) قال: وهذه الرِّواية تُفسِّر الإشكال الذي قد يَرِد على هذا الحديث.
ولْيُعلَم: أنّه كما في النار زَمهرِير وهو شِدّة البَرد، هناك غَسّاق وهو شِدّة البَرد. قيل إنّ الغَسّاق هو ما يَسِيلُ مِنهم مِن النَّتَن، وقيل هو شِدّة البَرد.
قال ابنُ حَجَر -رحمه الله- في الفَتح، قال: وبذلك تَجتَمِعُ الأقوال، فَالغَسّاق مُنتِن الرائحة والطَّعم، مع شِدّة البُرُودَة.
ومِن الفوائد المُتعلِّقة بِالشتاء
أنّ شِدّة البرد قد تَمنَع الإنسان مِن إسباغ الوضوء. ولكن لِتَستَحضِر عبدَالله ما قالَه النبيّ ﷺ في صحيح مُسلِم مِن حديثِ أبي هُرَيرة (( ألَا أَدُلُّكُم علىٰ ما يَمحُو اللهُ بِه الخَطايا ويَرفَع به الدَّرَجات؟ قُلنا: بلىٰ يا رسولَ الله. قال ﷺ: إسباغُ الوضوء على المَكارِه ( ومِن المكارِه شِدّة البَرد ) وكَثرَةُ الخُطَا إلى المساجِد، وانتِظارُ الصلاة بَعدَ الصلاة، فَذَلِكُم الرِّباط ))
سمّاهُ رِباطًا، لأنّه نوع مِن أنواع الرِّباط أَمام العدوّ، وقيل هو مِن أَيسَر أنواع الرِّباط، وقيل لأنّه يربط صاحبه عن الوقوع في المعصية.
وهُنا فائدة لِمَن كَثُرَت ذُنُوبُه، عَليه بِفِعل هذه الأشياء الثلاثة.
قال (فَذلكم الرّباط ) لأنّها تَربُطُك ( جُلُوسُك لانتِظار الصلاة، كَثرَةُ خُطاك إلى المساجد، إسباغ الوُضوء على المَكارِه) كُلّ هذا بإذن الله سَبَب في مَنعِكَ مِن الوُقوع في الذَّنب.
ولِذلك عند الطَّبَرانيّ قال (( وأمّا الكَفّارات.. )) إذًا مع ذلك هو كَفّارَة. قال (( إسباغُ الوضوء على السَّبَرات )) السَّبَرَة: هي شِدّة البرد.
أمّا جاء مِن حديثٍ عند الطَّبَرانيّ وهو حديثُ عليٍّ رضي الله عنه مِن أنّ ( مَن أَسبَغَ الوضوء على المكارِه فَلَهُ أَجْران ) فإنّه حديث ضعيف جِدًّا
وما وَرَد عند أحمد في الزُّهد مِن ( أنّ موسى قال: يا رَبِّ مَن أَهلُك الذين تُظِلُّهم في عَرشِك؟ فَذَكَرَ منهم الذين يُسبِغون الوضوء على المكارِه ) هذا عن عَطاء بن يَسار، أنّه قال: بَلَغَنا. ولكنّه حديث مُقطوع لا يصحّ عن النبيّ ﷺ.
ومِن الفوائد المُتَعَلِّقَة بِالشتاء
أنّ أوراق الشجر تَتَساقط فيه، ولذلك وَرَدَ حديث عن النبيّ ﷺ مِن (( أنّ المسلم إذا لَقَى أخاهُ فأَخَذَ بِيَدِه فَصافَحَه، تَناثرَت خَطاياهُما مِن أصابعهما كما تَتَناثَرُ أوراقُ الشَّجَر في الشتاء )) وهذا حديثٌ حَسَن، ممّا يدلّ على عظيم المصافحة.
حديث أنّ النبيّ ﷺ قال ” لا تَقُومُ الساعةُ حتّى يُجعَلَ كِتابُ الله عارًا، والشتاء قَيظًا، والوَلَدُ غَيظًا، وحتّى يَحزَنَ أصحابُ الأولاد، ويفرَح العَواقِر ( يعني العَقيمات).. ” إلى آخره
هذا الحديث الألبانيّ -رحمه الله- يرى أنّه ضعيف، لكنّ السيوطيّ رحمه الله- يقول: هو إسنادُه لا بأسَ به، وقال الهيثميّ في مجمع الزوائد قال رِجالُه ثِقات وفي بعضهم خِلاف، وسَكَتَ عنه ابنُ حجر في الفتح
يعني هُنا لَو صحّ هذا الحديث ،فإنّه لَو رأىٰ الإنسان مثلًا القَيظ في الشتاء، أو مثلًا أنّه أصبحَ الوَلَدُ عنده غَيظًا ( يَغيظُه وَلَدُهُ ) أو أنّ بعضًا مِن الناس قَد يَكرَه أنّه وُلِدَ له أولاد وأنّ مَن كان عقيمًا يفرحُ بذلك، أو أنّ مَن يُنسَب إلى اتّباع الكِتاب والسُّنَّة يكونُ عارًا عليه؛ لأنّه مع قِلّة العِلم وبُعد الناس عن الخَير ربّما مَن يَتكلّم بِكتاب الله عزّ وجلّ وبِسُّنَّة النبيّ ﷺ لِقِلَّة هؤلاء يكونُ الكلامُ عارًا.
فهذا.. لَو جَرَى مِثل هذا، فيَكُونُ هذا الحديث دالًّا عَلَيه.
وهُنا فيما يتعلّق بِالثلوج التي سَقَطَت، هُنا أُمور
أوّلًا: بعض المحلّات التجاريّة كَتَبَت ( وهذا يشمَل الشتاء والصيف ) كلامي هُنا يشمَل الشتاء والصيف. بعضُهم يقول ( التَّحَكُّم بِالأَجواء ) يعني هو عَمِلَ دِعايات وأُرسِلَت في وسائل التواصِل.
( التحكّم بِالأجواء )
{ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ }
الذي يَتصرّف ويَتحكّم في الأجواء هو الله عزّ وجلّ
{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }، { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ }
فَلْيُتَنَبَّه
قد تَصدُر مِن هؤلاء مِن غَير قَصد
وقد جاءني مَقطع صَوتيّ ( عِبارة عن نُكتة مُسجَّلة ) هُم يظنّون أنّها نُكتَة
لكنّها في الحقيقة فيها شِرك، فيها إخلال بِالعقيدة
يَعني مِثلُ بَعضِهم ..!! وأنا أَقولُها لأنّها قَد تَصدُر في فصل الشتاء وفي فصل الصيف
يعني مثلًا بعضهم يقول: نحن شتاء بن مطر بن بَرد، أَمَرنا بما يأتي: إقالة الثلّاجة وتَعيين السخّانة
ونكتٌ ( هُم يَظُنّون أنّ الأمْرَ يَسِيرٌ في مِثل هذا الأمْر )
وهذا خطير، هذا خطير. الأَمْر خطير.
النبيُّ ﷺ قال كما في صحيح البخارِيّ مِن حديثِ أبي هُرَيرَة (( إنّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمة لا يُلقِي لَها بالًا، يَهوِي بِها في جهنّم ))
وعند الترمذيّ وأحمد عن بلال بن الحارِث أنّ النبيّ ﷺ قال (( إنّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّم بِالكلمة مِن سَخَطِ الله ما يَظُنُّ أنّها تَبلُغُ ما بَلَغَت -ما يظنّ أنّها تَبلُغ ما بَلَغَت- يَكتُبُ اللهُ بها سَخَطَهُ ))
نسأل الله السلامة والعافية
فَلْيُتَنَبَّه
حتّى إنّ بعضهم-نسأل الله السلامة والعافية- في تصوير فيديو وصلَني: سيّارات مِن الحطب ..-وهذا كَمِثال، وقد يَصدُق على أمثلةٍ أُخرى في الشتاء وأمثلةٍ في الصيف، الكُلّ واحِد- سيّارات مِن الحَطَب ويَتَحَدّى الرِّيح الباردة، يقول: نحنُ لكِ بِالمِرصاد نَتَحَدّاكِ، ويَسُبُّ ويَشتمُ فيها
النبيّ ﷺ ماذا قال كما في حديث أبي هريرة في الصحيحَين (( يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ! يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ ))
الّذي يُصَرِّف الأيّام والأجواء هو الله عزّ وجلّ
النبيّ ﷺ كما عند أحمد وابن ماجه قال (( لا تَسُبُّوا الرِّيح فإنّها مِن رَوح الله تَأتي بِالرَّحمَة وتأتي بِالعذاب )) وهؤلاء يَظُنُّون أنّها نُكَت
يَعني هذا مِن كَثرة الفَراغ وأيضًا مِن قِلَّة العِلم، ويظنّون أنّهم يَبلُغون بهذا مَبلغًا عظيمًا عند الناس
واللهِ، إنّ مَن سَقَطَ مِن عَين الله أرادَ بذلك أنْ يَتقرّبَ إلى الناس فإنّ الله سَيُسقِطُه حتّىٰ مِن أَعيُنِ الناس
وكلمة ( مَن سَقَطَ مِن عَين الله ) وَرَدَت في حديث وإنْ كان فيه ما فيه ولَكِن أَتَى بِها السَّلَف، يعني مِن باب التنبيه
مِن الفَراغ أنّ الإنسان يُمسِك بِجوّالِه في أيّ مكان ثُمّ يَتحدّث
يعني نحنُ بَينَ بَلِيَّتَين: إمّا أن يتحدّث مِن باب التنكيت كما يُقال وإذا به يَأتي بِالطَّوامّ، أو أُناس نَصَّبُوا أنفسَهم علماءَ أو طلّابَ عِلمٍ ويَتكلّمون في أحاديثَ مَوضُوعةٍ وفي آثارٍ مُختَلَقةٍ وإذا بِهم يُرسِلونَها إلى الناس
ولذلك مِسعَر بن كِدام الذي تحدَّثتُ عنه فيما مضىٰ، ماذا يقول؟
يقول ابن الأثير عنه يقول ( واللهِ، إنّ مِسعَر لَيَتَمنَّىٰ أنّ ضِرسَهُ قد قُلِعَت وأنّه لا يُسأَل عن حديثٍ )
يريد الفِكاك، حتّى قال الذّهبيّ عنه في سِيَر أعلام النُّبَلاء أنّه كان يقول ( وَدِدتُ -وَدِدتُ مِن المَوَدّة مِن خالِص الحُبّ- وَدِدتُ أنّ الأحاديث قَوارير علىٰ رأسي، فَسَقَطَت فَتَكَسَّرَت حتّىٰ لا أُسأَلَ ) ولكنّه يَخشَى مِن كِتمان العِلم.
ومع هذا كُلِّه بعضُ الناس يَفعَل هذه الأفاعيل، فَلْنَتَّقِ اللهَ عزّ وجلّ ولا تَكُن هذه الوسائل أبوابَ شُرورٍ علينا. وفِيمَ ؟! في العقيدة
ومِمّا جَرَى من ما جرىٰ في هذه الثلوج أنّ بعضَهم صَوَّر له تماثيل وأشكال مُنَوَّعة ومُشَكَّلة مِن هذا الثلج. وهذا تصوير
بل أَعظَم أنواع التَّصوير هذه المُجَسَّمات ( مِن ثلج، مِن طِين، .. قُل ما تشاء ) إلّا إن وُضِعَت مِن غَير رَأسٍ؛ لأنّ النبيّ ﷺ مِن حديث ابن عبّاس عند الإسماعيليّ قال (( الرَّأْسُ هو الصُّورَة، فإذا قُطِعَ الرَّأْسُ فلا صُورَة ))
ويُؤَيِّدُه حديث أبي هُرَيرَة في السُّنَن أنّ النبيّ ﷺ قال (( مُرْ بِرَأْسِ التِّمثال فَلْيُقطَع حتّىٰ يَصِيرَ كَهَيئَة الشَّجَرَة ))
أمّا أنْ يُصَوَّرَ تِمثالٌ مِن ثَلج أو نَحوِ ذلك وبِهِ رأس، ويُشَكَّل، بل تُوضَع عَلَيه الألبِسَة، بعضُهم وَضَعَ عليه قُبَّعة، بعضُهم وَضَعَ عليه لِباسًا. فهذا مِن أَعظَم.. أَعظَم أنواع التصوير
انتبِه
التصوير أنواع. مِن أَعظَم أنواع التصوير أنْ تُصَوِّرَ تِمثالًا، وهذا ما وَقَعَ فيهِ أَهْلُ الجاهِليّة
════════════