بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ زيد البحري
تقريب شرح السنة لعامة الأمة
ـ صحيح البخاري ـ حديث (51 ـ 52) ـ
الدرس الثامن عشر
18/4/1446 هـ
(٣٨) – بَابٌ
٥١ – حَدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزِةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، أَنّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تخالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ)
ثم ذكر رحمه الله بابًا فقال: بَابٌ، باب ماذا؟
ما ذكر شيئًا، البخاري رحمه الله من يروي الصحيح عن البخاري كثر، من بينهم من لم يأتِ بهذا، فجعل الحديث حديث ابن عباس من ضمن الباب السابق، ما هو الباب السابق؟
سؤال جبريل النبي عن الإيمان، لكن إثباتها مثبتة، فيكون ذكر البخاري لكلمة باب ولم يأتِ بما بعدها بشيء على أنه فاصل لكنه متعلق بماذا؟ بالباب السابق، فإذا كان متعلقًا بالباب السابق، ولو من بعض الوجوه، فما مناسبة ذكر ما جرى بين هرقل وأبي سفيان في الباب السابق؟
البخاري لما قال في الترجمة السابقة: جعل ذلك كله دينًا؛ أنه سمى الدين إيمانًا في حديث هرقل، سمى الدين إيمانًا في حديث هرقل، فيكون إذن ما بين البابين صلة، نأتي إلى وجه الشاهد -والحديث هذا مر معنا وشرحناه –
شيخ البخاري في الحديث السابق هو أبو اليمان الحكم بن نافع، أما شيخه هنا قال:
(حَدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزِةَ) المدني صدوق
(قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) مر معنا وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، الصحابي الجليل، وهو ثقة حجة ولا عبرة بمن قدح فيه
(عَنْ صَالِح) وهو صالح بن كيسان المدني من الموالي، لكنه ثقة ثبت فقيه
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) مر معنا محمد بن مسلم بن شهاب الحافظ الفقيه المتفق على جلالته وإتقانه، سبحان الله صالح بن كيسان كثيرًا ما يروي عن ابن شهاب، مع أنه أكبر منه سنًا، فلم يمنعه كبر سنه من أن يأخذ العلم ممن هو أصغر منه، فمن أراد الله والدار الآخرة ما نظر إلى مثل هذه الأمور، مع أنه سمع من عبد الله بن عمر، وسمع من عبد الله بن الزبير أعظم من ابن شهاب، لكن لما رأى أن عند ابن شهاب، لما رأى أنه عنده علما لم يأنف من ذلك
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله) بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ثقة، فقيه، ثبت، أعمى، لكن العمى عمى البصيرة
(أَنّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما
(أَخْبَرَهُ) طبعا الحديث مر معنا يعني لن نستفيض فيه كثيرًا
(قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ) وهو صخر بن حرب
(أَنّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ) يزيدون في ماذا؟
في الدخول في الدين، لم ينقصوا، محل الشاهد الذي أراده البخاري
قال: (وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ) وكلمة هنا (حَتَّى يَتِمَّ) هذا من قول هرقل، لكن كيف نعتد بكلام كافر؟ لأنه أخذه من الكتب السابقة، وأبو سفيان صحابي أقره بعد أن أسلم وأخبر به أبو سفيان ابن عباس، وله من المكانة العلمية ما له، فدل هذا على ثبوت الاحتجاج به وأنه ثابت
(وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ) كلمة حتى يتم يدل على أن الإيمان يزيد وينقص
(وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ) ابن حجر هو الذي ذكر المناسبة قال: جعل ذلك كله دينًا، فقال: مناسبة الحديث لما ذكره البخاري، والذي استبان لي الآن من أن بين الحديثين ارتباطًا، من أن بين الحديثين ارتباطًا كيف؟
جبريل سأل وهو يعلم، وهرقل سأل وهو يعلم
فإذًا فالتبويب السابق باب سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسلام، هنا لما لم يكن هرقل مسلمًا، فكأنه أشار إلى باب بيان سؤال هرقل لأبي سفيان من أجل توضيح أو معرفة دين النبي عليه الصلاة والسلام، ثم سبحان الله ظهر لي في قوله: (هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ) وفي قوله: (وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ) البخاري رحمه الله ذكر باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، ومر معنا باب آخر ما هو؟
باب زيادة الإيمان ونقصانه، هاتان الجملتان تدلان على ذلك، على أن الزيادة والنقصان بحسب العامل، وبحسب العمل، هل يزيدون أم ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم
(هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) سبحان الله جملة (هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ) قد تكون كافية، فالزيادة وعدم النقصان من حيث العدد دالة على صدق هذا الدين، لكن لا يلزم من ذلك أنه لا يرتد أحد نعم
ولذلك قال: (هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) وقال: بعد أن يدخل فيه
(فَزَعَمْتَ أَنْ لَا) لأن من دخل في هذا الدين دخولًا صحيحًا، فوجد لذته لن يتركه، لكن من دخل وهو مدخول القلب مغشوش القلب، هنا يحصل منه الردة
(فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تخالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ) سبحان الله، البشاشة هي الفرح والأُنس والسعادة، كما لو قدم إنسان فبشبشت فرحًا بقدومه، سبحان الله وردت في رواية حين يخالط بشاشة القلوب يعني الإيمان يخالط فرح القلوب، القلوب مستعدة لهذا الإيمان، فتأنس به، لكن هنا أن يوصف الإيمان بأنه هو الذي يفرح، هذا من باب المبالغة كيف؟
يعني هؤلاء هم أهل الإيمان، فكما أن قلوبهم بَشَّةً به، فالإيمان يبُشُّ بهم، ولذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟
“الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ” الإيمان في الجنة كأنهم هم الإيمان، لعظم تمسكهم به، ولذلك ماذا قال عز وجل؟
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ} [الحشر:9] هم الأنصار رضي الله عنهم {وَالإِيمَانَ} [الحشر:9] تبوءوا يعني سكنوا الدار يعني المدينة، فهم كأنهم سكنوا المدينة من حيث الحس، وسكنوا الإيمان من حيث المعنى؛ فقال: (وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تخالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ) فاشترط هنا في عدم الرِّدَّة البشاشة، بعضهم قد يقبل الإيمان لكن قلبه لا يَبَشّ، وإنما لأمر ما، لغرض ما، إما خوفا، وإما رغبةَ حظٍ لنفس
(٣٩) – بَابُ: فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
(٥٢ – حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: “الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنّ حِمَى الله في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ. أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”)
ثم قال رحمه الله: وما أحسن ما قال من تبويب
قال: (39 – بَابُ: فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ)
ما سبق ذكره من الإيمان، قال: من الإيمان كذا، ومن الإسلام كذا وكذا، فليس معنى ذلك أن تدع نفسك من الورع، فمن مكملات الإيمان أن تكون ورعًا حتى يبقى لك ما عملته، ولذلك أورد حديث النعمان (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ) ولذلك في رواية لا يدري كثير من الناس أهي من الحلال أم من الحرام، فالورع يحفظ لك دينك بعد الله، فلم يقل من الإيمان كذا وكذا، من الإسلام كذا وكذا في الأبواب السابقة، فعملت بتلك التي هي من علامات الإسلام والإيمان أتريد أن تحفظها؟
عليك بالورع فيما هو مشتبه به، أما البين بين
(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) هذه كنيته، وهو الفضل بن دُكَيْن مولى طلحة بن عبيد الله ثقة، ثبت
(حَدَّثَنَا زَكرِيَّاءُ) وهو ابن أبي زائدة الكوفي ثقة، لكنه مدلس، وهنا عنعن قال: عن عامر لكن وردت رواية التصريح منه، فأُمِن من تدليسه
(عَنْ عَامِرٍ) مر معنا عامر بن شراحيل الشعبي الكوفي، ثقة، فقيه، حافظ، ولذلك يقول مكحول: ما رأيت أفقه منه -والله يمن على من يشاء بعلم وبفقه وبعمل-
(قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) الصحابي رضي الله عنه، وأبواه صحابيان لقد مات النبي عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، هم يقولون: إن النعمان لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام قال بعضهم كذا، وهذا خطأ، لأنه جاء في رواية:
” قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُولُ، وَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:”
لكن متى سمعه؟ وهو صغير، النبي عليه الصلاة والسلام مات وعمره ثمان سنوات، دل هذا على أنه إذا تحمل الصغير المميز الحديث في عصر النبي عليه الصلاة والسلام، فبلغه بعد أن كبر يقبل منه، لأنه قُبِل من النعمان
(قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) وهنا أيضًا صرح
قال: (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ) الحديث هذا عظيم، الحديث هذا عظيم، بل إن بعضهم قال: هو الدين، لأنه قال: الحلال بين لأن الدين حلال، وحرام وبينهما مشبهات، ولعظم هذا الحديث فقد خطب به النعمان وهو أمير للكوفة وهو أمير لحمص، خطب به مرتين
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ “الْحَلَالُ بَيِّنٌ) بَيِّنٌ: من حيث أصله وذاته وعينه
(وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) أي واضح من حيث ذاته ووصفه، طبعا وأدلته أصلا، لأن ما بان إلا لأنه استفيض من حيث الدليل عند المجتهدين، ومن حيث تبليغ أهل العلم لعامة الناس من أن هذا حرام، ومن أن هذا حلال، فالحجة قائمة
(الْحَلَالُ بَيِّنٌ) فمن فعل الحلال فلا إثم عليه ولا حرج
(وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) واضح ومن فعل الحرام هو آثم، والحرام يتضمن أمرين:
الأمر الأول وهو واضح هو فعل المحرم، والأمر الثاني ترك الواجب، فترك الواجب محرم
قال: (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا) هذا هو مقام الورع
(وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ) أي غير واضحات، ولذلك في رواية الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور لا يدري كثير من الناس أهي من الحلال أم هي من الحرام، فكيف تكون النجاة من هذا المشتبه؟
بالترك
قال: (وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ) في رواية: “وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ” وفي رواية: “الشُّبُهَاتِ” وفي رواية: “مُتَشَابِهَاتٌ” وهو عدم الوضوح على ما ذكر من روايات
(لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) الذي يعلمها القليل، وقد يكون من ضمن الكثير من الناس بعض العلماء يخفى عليهم لعدم وضوح الدليل عندهم
قال: (لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) يعني الذي يعلمها قليل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية: “اجْعَلوا بينَكُمْ وبينَ الحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الحَلالِ” يعني المقصود من ذلك أنك الشيء الذي تشتبه أنه حلال أو أنه حرام اجتنبه، إنما عليك في دائرة الحلال
ثم قال: (فَمَنِ اتَّقَى) والوقاية هي الحاجز بين الإنسان وبين الشيء، ويستلزم من ذلك الترك
(فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) فمن اتقى المشبهات استبرأ يعني البراءة لدينه وعرضه، وهذا يدل على أن الإنسان مأمور بحفظ عرضه من أن يقال فيه كما هو مأمور بحفظ دينه، وهذا يدل على أهمية المروءة وحفظها
(اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) والبراءة هي الخلوص، فيكون دينه خالصًا من العيب، ويكون عرضه خالصًا من العيب
(وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ) السابقة: (الْمُشَبَّهَاتِ) وهذه وردت وهذه وردت، وكلها تفنن في العبارة، لأن الكل بمعنى واحد، وذكرنا الروايات فيما مضى، فهي بمعنى واحد، فالمعنى واحد والألفاظ مختلفة من أجل أهمية هذا الأمر فلا يغفل الإنسان عنه، لأنه إذا مر بلفظ غير اللفظ الآخر، تيقظ ذهنه من أن الأمر يحتاج فيه إلى مراعاة أكثر، وإن كان بعضها، يعني إذا زيدت الحروف في بعض الكلمة زيادة المبنى زيادة في المعنى، لكن من حيث الجملة المعنى واحد
(وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ) هذا التمثيل ليس مدرجا كما ذكره بعض العلماء من أنه مدرج من الشعبي راوي الحديث عن النعمان لا، هذا مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ودلت الطرق الأخرى على ذلك، فشبيه من يقع في الشبهات يشبه من؟ الراعي
(كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى) قال: (كَرَاع) ومراعاة الشيء -يعني أتى بهذا التمثيل- لأن الراعي والرعاية يقصد منها الحفظ، فكما أن الراعي حريص على أن يحفظ ما يفترس أو يؤذي بهائمه التي هي مصدر رزقه في دنياه، فليحرص المسلم على أن يحفظ دينه الذي هو مصدر خيره في دنياه وفي آخرته
قال: (كَرَاع) ونَكَّرَه من باب التحذير، وتعظيم شأن هذا المثل
(كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى) الذي يقع في الشبهات أليس مقصوده أن يتلذذ؟
بلى، بأكل وشرب ونحو ذلك، فينتفع بذلك الجسم، والراعي إذا رعى حول الحمى حمى الملوك، فإن بها من النبات ما ليس بغيرها.
فإذًا يتلذذ هو لما تتلذذ بهائمه فتسمن، فتعود لذتها عليه، وذِكْرُ الراعي أيضًا استبان لي الآن أن ذِكْرَ الراعي هنا، لأن البهائم لما تصل إلى ما يحميه ملوك العرب سابقًا قال: (حَوْلَ الْحِمَى)، الحمى يعني المحمي لأن ملوك العرب قديمًا إذا وضعوا مكانا قد حموه، فيا ويل من رعى فيه، فمعلوم أن هذا الحمى به من أنواع النباتات المختلفة ما تكون به اللذة للبهائم التي تعود هذه اللذة على صاحبها.
كذلك الذي يقع في الشبهات يتلذذ، لكن هذا الذي يرعى حول حمى الملك يعرض نفسه للخطر، كذلك الذي لا يتورع عن الشبهات يعرض دينه للخطر، وخطر من؟
خطر من ملك الأملاك عز وجل، وليس من ملك من ملوك الدنيا.
قال: (كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ) يعني قريب، قريب من الحمى، الحمى يعني المحمي المكان المحمي، والمحمي هو الحرام الذي حرَّمه الملك الذي وضعه، يعني من التحريم يعني الممنوع.
قال: (كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ) أي: يقرب.
(أَنْ يُوَاقِعَهُ) فمن قرب من شيء أوشك أن يقع فيه.
(كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) كيف؟
ربما في غفلة منه إذا ببهمة تذهب إلى هذا المحمي، ثم إذا بالعقوبة تنزل عليه من الملك، أو لما يرى قلة النباتات التي هو فيها، لم يتمالك نفسه، فإذا به يذهب ويقول: لعل أحدًا لا يراني
(كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) وهذا يدل على أن الإنسان يحرص على الورع، ولذلك من قواعد الشرع باب سد الذرائع المفضية إلى المحرم.
(كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) ولذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟
قال عليه الصلاة والسلام في رواية: “فمَن تَرَكَ ما شُبِّهَ عليه مِنَ الإثْمِ، كانَ لِما اسْتَبانَ أتْرَكَ” ثم قال: “ومَنِ اجْتَرَأَ علَى ما يَشُكُّ فيه مِنَ الإثْمِ، أوْشَكَ أنْ يُواقِعَ ما اسْتَبانَ” أي ما اتضح سبحان الله هذه الرواية التي ذكرتها تبين ماذا؟
تبين ما صُدِّر به الحديث: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ)
وبينت هذه الرواية وبينهما أمور “مُشَبَّهَاتٌ” أو” مُشْتَبِهَاتٌ” أو “مُتَشَابِهَاتٌ” بينت أن معنى التشبيه هنا هو الشك
قال: ومن ترك ما يُشك فيه يعني يُشك هل هي من الحلال أم من الحرام
ثم قال: (أَلَا) أداة تنبيه وتأكيد، لتأكيد ما بعدها لعظم ما بعدها
(أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى) يعني كانت ملوك العرب تجعل مكانًا معينًا محميًا من أتى إليه عوقب، فهو عليه الصلاة والسلام أتى بالمثل الذي يعرفونه، لأنه في واقعهم، ولذلك تقريب الشيء المعقول يكون بالشيء المحسوس، فالمحسوس لديهم أن لكل ملك حمى.
قال: وهذا يدل على ماذا؟
يدل على أهمية ضرب الأمثال في توضيح ما يمكن أن يكون في المسائل من إشكال
(أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى) يعني المحرم
ثم قال: (أَلَا) تأكيد آخر
(أَلَا وَإِنّ حِمَى الله في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ) المحارم ما هي؟
ما حرم الله، المعاصي، ولذلك في رواية: ” المعاصي حمى الله” فالمحارم موضحة بالرواية الأخرى وهذا يدل على ماذا؟
يدل على أن من وقع في الشبهات من أنه يوشك أن يقع في المعصية، ثم لما كان تأثير الذنوب على القلب، لما كان تأثيرها من الخطورة بمكان أتى بأداة التوكيد
(أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ) ما هي المضغة؟
فسرت في الحديث القلب
(أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً) فدل هذا على أن للمعاصي تأثيرًا على هذا القلب، لتحفظه أكثر اجتنب ما يُشتبه به حتى لا تقع في المعاصي التي هي كما سبق مؤثرة على هذا القلب
(أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً) المضغة هي القطعة من اللحم التي هي صغيرة بقدر ما تمضغ، سبحان الله قلب بهذا الحجم، وهذا يدل على عظم خلق الله عز وجل، فليس الأمر منوطا بكبر الشيء أو بصغره، فجعل الله عز وجل آية على عظمته عز وجل بأن جعل هذا القلب الذي هو ملك الأعضاء، جعل له من التأثير ما له، وسبحان الله قال: القلب لأن الحديث تحدث عن الملوك، فكما أنه يُحذَّر من أن يُعتدى على حمى الملك بالقرب من الرعي حوله، فلتحمِ ملك جسمك الذي هو القلب بما يُعتدى عليه بماذا؟
بالذنوب أو بالمشتبهات
(أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً) ولذلك قال: الجسد لم يقل الجسم لمَ؟
لأن الإنسان إذا خلا من القلب، فهو جسد هامد، ففرق بين الجسم والجسد، ولذلك لما ذكر عز وجل عن الأنبياء قال: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء:8] فدل على أنك لست بإنسان إلا بهذا القلب، وإلا فأنت تكون جمادًا لا يمكن أن تأكل ولا تشرب {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8] إي نعم
ولذلك العجل الذي صنعه السامري {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا} [الأعراف:148] يعني هو جماد
(أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً) اللهم صل على محمد، سبحان الله يعني تناسب في الجمل، يعني ما ذكر ما يتعلق بالملوك الحسيين، وذكر الملك المعنوي الذي هو القلب، وذكر ملك الأملاك المتصرف في كل الأملاك: (أَلَا وَإِنّ حِمَى الله في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ)
(أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ) التأثير؟
(صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) إذا صلحت صلح الجسد كله بفتح اللام: (إِذَا صَلَحَتْ) لم يقل [إذا صَلُحَت] انظروا إلى عظم اللغة العربية بمجرد حركة يتغير الوضع، فرق بين أن تقول: صَلَحَ أو صَلُحَ، لو قلت: صَلَحَ يعني أنه في صلاح مبتدأه في صلاح، لكن لو قلت: صَلُحَ يعني أصبح الصلاح سمة وعلامة له، وهنا ليس سمة يعني احرص على أن تبدأ في صلاح قلبك
(إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ)، سبحان الله يعني هو عليه الصلاة والسلام أتى بلفظ الصلاح، لأن الصلاح يدل على خلوص الشيء، لذلك أتى بما هو ضده الفساد، لأن الفساد هو ما يشوب الشيء
فإذًا (إِذَا صَلَحَتْ) كيف يصلح؟
أن تنقيه من الذنوب ومن الشبهات هذا هو صلاحه
(صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) لأنه هو ملك الأعضاء
(إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) وهذا يدل على أن الصحيح -وهو خلاف قديم- وهو الصحيح أن العقل في القلب، وليس في الدماغ، الدماغ له تأثير، يعني قد نقول بعبارة أنه هو همزة الوصل بين الأعضاء وبين القلب، يعني مثل ما يقولون في هذا الزمن سكرتير الدماغ، ففي تعطله يتعطل المدير لمَ؟
لأنه قال مفسرا في هذه المضغة القلب، فنسبة الصلاح والفساد إلى القلب يدل على الفهم إيجابًا بالصلاح، أو سلبًا بالفساد، ومما يدل على ذلك قوله عز وجل: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج:46] قال: يعقلون بها والعقل هو الفهم بدليل آيات أُخر {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف:179]، ومما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:37] أي: عقل.
قد يقول قائل: لماذا فسرتم القلب العقل؟
لأن الذكرى إنما تكون لمن يعقلها، بدليل المجنون له قلب أليس كذلك؟ بلى له قلب، لكن هل يفهم؟ لكن لما قال: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:37] أي لمن له فهم وعقل، فجعل في الآية كلمة القلب مقصودًا بها ماذا؟
العقل
(إِذَا صَلَحَتْ) سبحان الله ولذلك أتى بإذا الدالة على الاستقبال، يعني ليكن مستقبلك حريصًا في صلاح قلبك
(إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) سبحان الله الجزاء من جنس العمل، تصلح هذه المضغة يصلح الجسد
(وَإِذَا فَسَدَتْ) يعني تلك المضغة
(فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ) وأتى بكلمة كله في الجملتين، ليبين من أن الصلاح مقطوع به في الجملة الأولى، وأن الفساد مقطوع به في الجملة الثانية، ولذلك ما أحسن تعبيره عليه الصلاة والسلام يعني أبهم ألا وإن في الجسد مضغة، ثم بين عظم هذه المضغة من حيث التأثير، ولم يوضحها إلى الآن من أجل أن النفوس تُقبِل وتَحضُر، فبين أن لها تأثيرا وأثرا، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
إذًا من يسمع هذه العبارة سيقول ما هي هذه من الصحابة رضي الله عنهم، ثم فسر ذلك بتأكيد آخر
(أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) ولماذا القلب؟
لأنه لا يكون لك على طريقة واحدة، صعب، فما هو الحل؟
ألم يقل عليه الصلاة والسلام “مَثَلُ هَذَا الْقلَبِ مَثلُ ريشَةٍ بفَلاةٍ مِنَ الأرْض، تُقَلَبهَا الرِّياحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ” انظروا كريشة في أرض فلاة صحراء تقلبها الريح ظهرا لبطن، مرة هكذا ومرة هكذا، فهو لا يستقيم لك على ما تريد، وليس بقدرتك الكاملة أن تسيطر عليه، لك إرادة نعم
إذًا إذا لم أستطع كيف النجاة؟
الجأ إلى مالكه عز وجل أن يثبتني، ولذلك في الأحاديث الكثيرة كان من أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام “يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ” تريد هذا القلب أن يسلم، أن تنتفع منه دنيا وأُخرى، أن يصلح جسدك، أن وأن وأن، الجأ إلى الله، فلا حول لك ولا قوة إلا به عز وجل، نعم المضغة هي قطعة اللحم التي بإمكان الإنسان أن يمضغها، فدل هذا على أنها رقيقة ولينة، فتأثيرها كبير نعم، تأثيرها كبير،
ولذلك لعل والعلم عند الله، من أنه قال: مضغة تحذيرا من أن يأكل الإنسان مضغته أكلًا معنويًا، لأن الأكل هو إتلاف، فأكلها وإتلافها أي القلب هو الفساد في الذنوب! -الله المستعان- نسأل الله يرحمنا، ابن آدم ضعيف جدا، {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]
وخلق الإنسان ضعيفًا، لكن الإنسان يرجو رحمة ربه، ولا يفتر من كثرة الدعاء، ما قال عليه الصلاة والسلام “الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ” إلا لأهميته، كذلك يعني منبع صلاح الإنسان من باطنه، من القلب، من القلب، ولذلك لما قال: (إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) يعني لا يقل أحد والله أنا سأفعل ما أشاء من الذنوب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما عند مسلم: “التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ” لو أن تقوى ما في صدرك كاملًا، لظهرت على الجوارح، وهذا الحديث من أوضح ما يكون مع الحديث الذي في صحيح مسلم (إِذَا صَلَحَتْ) أي القلب (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ) نعم وفيه رد على المرجئة، وعلى الجهمية؛ الجهمية الذين يقولون: أن الإيمان هو التصديق أو معرفة القلب، فلو كان أن الأمر محصورًا فقط بما في الباطن كما قالت الجهمية والمرجئة، ما كان لقوله عليه الصلاة والسلام (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) معنىً في زيادة الإيمان، ولا ما كان (إِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ) ما كان لها تأثير في نقصان الإيمان، وهذا أيضًا من هاتين الجملتين نستفيد من أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بصلاح القلب، وفساده بفساد القلب
ومن أعظم ما يصلح القلب التوحيد: من خشية الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه… ومن أفسد ما يكون للقلب الشرك وما يتبعه من بدع، ولذلك تجدون الأحاديث التي أتت بذكر فضل لا إله إلا الله:من قال: لا إله إلا الله صدقا من قلبه، خالصًا من قلبه.
الحديث هذا عظيم بعض العلماء قال: هو رابع أربعة من الأحاديث تدور عليها أحكام الدين، بل قال بعضهم هو الدين كله، لأنه ذكر الحرام، والحلال، والمشتبهات، وذكر أعمال القلوب، وذكر أعمال الجوارح، وذكر الورع، وذكر أيضًا فيما يتعلق بالورع المسائل التي تعارضت الأدلة وقويت بين القولين أو بين الأقوال، فيأخذ الإنسان بالأحوط، ولذلك ما خطب به النعمان مرتين إلا لأهميته.
قد يقال هناك حديث عند الترمذي وهو قوله عليه الصلاة والسلام: “إذا أصبحَ ابنُ آدمَ، فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ، فتقولُ: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنَّما نحنُ بكَ، فإن استقمْتَ استقَمْنا، وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا.”
أولا قال: “إذا أصبحَ ابنُ آدمَ” أصبح ابن آدم يعني في الصباح، وفي الصباح وفي النهار هو يختلط بالناس، وإذا اختلط بالناس تحرك اللسان وكثر، ولذلك أتى بكلمة “إذا أصبحَ ابنُ آدمَ، فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ” يعني تخضع له وتلين لأنه المتحكم فيها
“فتقولُ: اتَّقِ اللهَ فينا” دل على خطورة اللسان
“فإن استقمْتَ استقَمْنا، وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا” لا تعارض بينه وبين الحديث الذي معنا لمَ؟
لأن اللسان هو عبارة عن نائب للقلب فيما يتعلق بالظاهر أي بالجوارح
فإذًا الأصل من حيث الاستقامة، والاعوجاج في القلب، النائب الذي ينقل الوسيط الذي ينقل الفساد والصلاح إلى الأعضاء اللسان، ولذلك عبارة شيخ الإسلام في الفتاوى -وغيره ممن سبقه- يقول: إن اللسان مغراف لما في القلب.
فالقلب بئر، والدلو الذي ينزل إلى البئر ثم يُرفع إلى الظاهر هو اللسان، فلا تعارض بينهما، وهذا يدل على خطورة اللسان، وكلاهما مضغة، ولذلك يقولون: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، سبحان الله هذا يدل على ماذا؟ يدل عظم الله عز وجل إذ جعل في اللسان والقلب آية تدل على عظمته في خلقه مع صغرهما هذا باطن، وهذا ظاهر وظهوره ليس ظهورًا كاملا، لأنه بين الفكين والشفتين، إلا أن لهما تأثيرا، فكلاهما له خطر، نسأل الله أن يحفظ قلوبنا وألسنتنا وجميع جوارحنا.