بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ زيد البحري
تقريب شرح السنة لعامة الأمة
ـ صحيح البخاري ـ حديث (53) ـ
الدرس التاسع عشر
19/4/1446 هـ
40 -بَابٌ: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
(53 – حَدَّثَنَا عِلي بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُني عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: “مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ”. قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: “مَرْحَبًا بالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى”. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا في الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِالله وَحْدَهُ. قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ”. قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: “شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ”. وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنتمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيِر وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: “احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ”)
ثم ذكر رحمه الله بابًا فقال:
40 -(بَابٌ: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ) بعضهم ضبطها [بابٌ أَدَاءُ الْخَمْسِ مِنَ الإِيمَانِ] يقصد أركان الإسلام الخمسة، ليس هذا ليس بصواب، وإنما المقصود الْخُمُسِ بدلالة الحديث الذي بعده فهذا أمر، ولأن كثيرًا من أركان الإسلام الخمسة ذُكرت سابقًا، فذكر رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال البخاري رحمه الله:(حَدَّثَنَا عِلي بْنُ الْجَعْدِ) البغدادي من الثقات الأثبات
(أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) مر معنا شعبة بن الحجاج البصري الثقة الحافظ، وليُعلم أنه من الموالي فخير الله من علم أو عبادة ما يحصر على حسب ولا نسب ولا مال ولا غيره، فالتوفيق من الله.
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) جمرة هو نصر بن عمران الضُّبَعِي البصري، ثقة ثبت هو راو عمن؟ أبو جمرة يروي عن ابن عباس، لكن لم يبين هنا شعبة قال: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) أطلق، ليُعلم أن شعبة يروي عن سبعة كنيتهم أبو حمزة عن ابن عباس، فإذا روى عن أحد منهم صرح باسمه، لكن هنا لم يصرح، لأنه لا يروي إلا عن أبي جمرة واحد، بل ليُعلم أنه ليس في الصحيحين ولا في موطأ الإمام مالك من هو أبو جمرة إلا هذا
(قَالَ) طبعا هو -أبو جمرة- ثقة ثبت كما قلنا
(قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ثم قال: (يُجْلِسُني عَلَى سَرِيرِهِ) السرير هو المتكأ المعروف الذي به ارتفاع، ولذلك لعل كلمة كنت أقعد مع ابن عباس، ثم قال: يجلسني لأن القعود قد يطلق منه الملازمة {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق:17] ملازم، {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} [النور:60] يعني التي لزمت الجلوس والقعود، ولا يلزم من ذلك القعود المعروف، يعني قَعُدت عن الزواج، وقَعُدت عن الخروج من المنزل.
(قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ثم بين أن من بين ملازمته لابن عباس يجلسه
(يُجْلِسُني عَلَى سَرِيرِهِ) وهذا إن دل يدل على مكانة أبي جمرة عند ابن عباس ما مكانته؟ ما السبب؟ سيأتي معنا
فابن عباس يرى التمتع وجوبًا، بأن تأتي بالعمرة، ثم بعد ذلك تتحلل منها، ثم الحج، حتى لو ما نويت، تكون قد تحللت حكمًا عندهم إلزامًا، فالشاهد أن أبا جمرة أتى متمتعًا فأُنكر عليه،” قال فَرَأَيْتُ فِي المنَامِ قَائِلًَا يَقُولُ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ مَبْرُورٌ” وفي رواية: “مُتْعَةٌ” فأخبر برؤياه ابن عباس رضي الله عنهما ففرح بها لأنها وافقت ما يراه، ولذلك انظروا لفرحهم بما يأتي من دليل يؤكد المسألة العلمية عندهم
(فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالي) السهم هذا الذي يعطيه من أجل الرؤيا، ولذلك لو أن الإنسان مثلا قال له إنسان آخر يا فلان والله رأيت فيك رؤيا طيبة وهو -هذا الإنسان- ينتظر أن يقع له هذا الشيء، فأُخبر من أن ما كان يؤمله أنه رآه قد وقع، فيكافئه، فمن رأى فيك رؤيا طيبة فكافئه
قال: (يُجْلِسُني عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي) ولذلك كلمة (أَقِمْ عِنْدِي) ترتبط بكلمة (كُنْتُ أَقْعُدُ) يعني الملازمة
ولذلك قال: أقم عندي العندية تدل على القرب
(أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا) يعني نصيبًا
(مِنْ مَالي) وهذا يدل على أن الإنسان لو كوفئ بناء على خبر سارٍّ في اليقظة أو في المنام -إذا رأى رؤيا كحاله- فليقبل هذه الهدية، لأنها من البشرى، لأنها من البشرى، وهذا يدل على أن ابن عباس رضي الله عنهما لما أُخبر بهذه الرؤيا فرح واستبشر بها، فأعظم ما يُبشَّر به المسلم أن يُبشَّر فيما يتعلق بدينه، ففيه استحباب مكافأة من بشرك، وكذلك كعب بن مالك رضي الله عنهما لما بُشر بالتوبة، وأتى من يبشره قال: “فلمَّا جاءَني الذي سمعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ فكَسَوْتُهما إيَّاه بِبَشَارَتِه، والله ما أمْلكُ غيرَهُما يومَئذٍ “.
قال: (فَأَقَمْتُ مَعَهُ) كم؟ شَهْرَيْنِ
(فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ) وفي هذا بيان فضيلة ملازمة الطالب لشيخه لكي يستفيد من العلم، والملازمة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، فما كان سابقًا فهو يختلف في مثل هذا الزمن، فلا أقل في الملازمة في هذا الزمن أن يحرص على حضور درسه على وجه الاستمرار، وألا يُفَوِّت ذلك، لا سيما أن استدراك ما لم يحصل الحضور له من الدروس يكون عبر ما يسجل، فكان السلف رحمهم الله يحرصون أشد الحرص على العلم، بل كانوا يسافرون ويتركون الأوطان، ويقللون من الرقاد، ويتركون الأحباب، والموفق من وفقه الله.
(ثُمَّ قَالَ: إِن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -) هنا ما مناسبة ذكر وفد عبد القيس؟
السبب: أن امرأة أتت إلى ابن عباس رضي الله عنهما تسأله عن النبيذ في الجرار، والنبيذ سابقًا هو أن يوضع بعض الفواكه من تمر أو زبيب في ماء حتى يكون حلوا، وهذا يجوز بشرط ألا يتوصل إلى الإسكار، فإن توصل إلى الإسكار يحرم، “كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ” كما قال عليه الصلاة والسلام، فنهاها ابن عباس، وابن عباس رضي الله عنهما إما أنه يرى أن النبيذ في الجرار ممنوعة، فيكون هذا مذهبًا له، أو أنه لم يبلغه النسخ، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: “نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَسْقِيَةِ فاشْرَبُوا في الأسْقِيَةِ كُلِّها، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا” يعنى النبيذ في أي إناء لا إشكال في ذلك في الجرار أو في غيرها، بشرط ألا يكون مسكرًا.
فقال أبو جمرة: ” إنِّي أَنْتَبِذْ فِي جَرَّةٍ خَضْرَاءَ نَبِيذًا حُلْوًا فَأَشْرَبُ مِنْهُ ” ثم قال: ” فَإِذَا أَطَلْتُ الْجُلُوسَ مَعَ الْقَوْمِ خَشِيتُ أَنْ أُفْتَضَحَ ” يعني أن يكون عنده نوع من ذهاب العقل أو فتور له، فابن عباس رضي الله عنهما لم ينهه، ما نهاه، وإنما ذكر الدليل وهذا يدل على أن العالم إذا سئل عن شيء، وهو يعلم أن السائل يفهم المقصود من الدليل، فيُكتَفَى بالاقتصار على الدليل كما هنا، ولذلك مر معنا لما سئل أبو وائل عن المرجئة ما أجاب إلا بقوله من أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ” لكن من لا يفهم لا بد أن يوضح له، هذا هو سبب ذكر وفد عبد القيس هنا.
(ثُمَّ قَالَ: إِن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) هذا دليل لسؤال من؟
أبي جمرة، لكن لم يُذكر هنا، لكن في رواية أخرى ذُكِر
(قَالَ: إِن وَفْدَ) والوفد هم الجماعة الذين يقدمون ولهم شأن، ولذلك ماذا قال عز وجل؟
{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم:85] أي: ركبانًا مكرمين، لأنهم ذو شرف بخلاف أولئك {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102]، وأيضًا {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم:86].
(إِن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ-صلى الله عليه وسلم -قَالَ: “مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ”) الشك والله أعلم من شعبة، وفي هذا استحباب التعارف، ولذلك لما مر عليه الصلاة والسلام بقوم في صحيح مسلم في وقت حجه قال: ” مَنِ القَوْمُ؟» قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنتَ؟ قَالَ: «رَسُول الله»، فرفعت إِلَيْه امرأةٌ صبيًا، فَقَالَتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ ” فهو سألهم عليه الصلاة والسلام فهنا استحباب التعارف، فمن لقي أخاه المسلم أو إخوانه المسلمين، فليسأله أو ليسألهم من هم، إبقاء للمودة هذا أمر، الأمر الآخر أنه يُعطى كل إنسان منزلته، لماذا أتوا؟ وما سبب إتيانهم؟
هم أسلموا قديما ممن أسلم من القبائل القديمة، ولذلك ذكر النووي في صحيح مسلم من أن رجلًا من عبد القيس أتى المدينة بتجارة له، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام عن عبد القيس وعن قبائلهم، فأسلم هذا الرجل وتعلم الفاتحة وشيئًا من القرآن، وأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام كتابًا لعبد القيس فذهب راجعًا إلى قومه، زوجته استنكرت منه أمرًا ليس كالمعتاد فأخبرت أباها، أبوها من؟
الأشج عبد القيس الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: “إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ” فَقَالَتْ أَنْكَرْتُ بَعْلِي مُنْذُ قَدِمَ مِنْ يَثْرِبَ إِنَّهُ يَغْسِلُ أَطْرَافَهُ وَيَسْتَقْبِلُ الْجِهَةَ تَعْنِي الْقِبْلَةَ فَيَحْنِي ظَهْرَهُ مَرَّةً وَيَضَعُ جَبِينَهُ مَرَّةً ذَلِكَ دَيْدَنُهُ مُنْذُ قَدِمَ فأتاه الأشج، وكان ذو منزلة في قومه، الأشج ذو منزلة، لكن سبحان الله هذا يدل أنه لحلمه وأناته لم يكن كغيره ممن يتعصب، فالحلم والأناة بهما خير فأتى إليه وسأله، فلما استبان منه ما استبان أسلم الأشج، لأن الحلم والاناة تجعل الإنسان يفكر بعقلانية، ثم أخذ الكتاب الذي معه وأتى به إلى قومه، فأسلموا.
(قَالَ: “مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ” قَالُوا: رَبِيعَةُ) هم ليسوا ربيعة، هم جزء من ربيعة، حي من أحياء ربيعة، قبيلة من قبائل ربيعة، وفي هذا إطلاق الكل على البعض، ولذلك في رواية قالوا:” إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ” هذا يدل على التبعيض.
(قَالُوا: رَبِيعَةُ قَالَ: “مَرْحَبًا بالْقَوْمِ) لإيناسهم وإدخال السرور عليهم، ولذلك هذه الكلمة أتت من ضمن أحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: “مَرْحَبًا بأُمِّ هَانِئٍ” لما أتت تشكو أخاها عليًا في شخص أجارته، ولما أتته ابنته فاطمة قال: “مَرْحَبًا بِابْنَتِي” فهذه الكلمة تدخل السرور على النفس، هي منصوبة بفعل يعني صادفت رُحْبًا ما هو الرُّحْب؟
السعة، ولذلك ماذا قال عز وجل؟
{وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة:25] مع اتساعها، ولذلك يضاف إليها وأهلا يعني صادفت رُحْبًا، ونزلت على أهلك.
(قَالَ: “مَرْحَبًا بالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ-) ثم مدحهم ولهذا يجوز المدح بالوجه لمن لم يخشَ عليه فتنة إذا وُجِدَت المصلحة، لأن الأصل المنع، قال عليه الصلاة والسلام: ” قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ” لما مدحه في وجهه، لكن هو عليه الصلاة والسلام مدح هؤلاء، ومدح غيرهم من الصحابة متى؟
إذا وجدت المصلحة، ولم يُخشَ على الممدوح أن يغتر أو أن يفتتن، وإلا فالأصل المنع قال عليه الصلاة والسلام عند مسلم: “احثوا في وجوهِ المدَّاحين التُّرابَ”.
قال: (غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى”) مدحهم لسبق إسلامهم، فهم أسلموا من غير أن يكون بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام حرب، فلا سبي وقع عليهم ولا قتل حصل لأحد منهم، وهذا يدل على ماذا؟
يدل على أن الدخول في الإسلام عز، وكرم
قال: (غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى”) فالخزي هو العار والعيب
قال: (وَلَا نَدَامَى”) يعني هنا بشرهم بما يسرهم في حاضرهم، وفي مستقبلهم غير خزايا ولا ندامى، والندم وإن كان قد يقع على ما مضى، إلا أنه يكون في المستقبل يعني أنكم لن تندموا على سبقكم للإسلام
قال: (غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى”) وهذا يدل على أن الإنسان من أسعد ما يكون لقلبه ولحاله ألا يصيبه خزي، وألا يقع منه ندم، فمن أراد أن يذهب عنه الخزي والندم فعليه بالإسلام، فهذا الدين حافظ للإنسان
قال: (غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى”) فالإشكال هنا أن ندامى جمع نادم، والنادم هو الصاحب الذي يكون مع صاحب له في لهو وفي مرح، فالجواب عن هذا من أن هذا يسمى في اللغة الإتباع أتبع ندامى من حيث اللفظ والنطق مثل خزايا؛ لأنها أتت بعد خزايا
ولذلك جاء في رواية النسائي: ” لَيْسَ بِالْخَزَايَا وَلَا النَّادِمِينَ ” ولم يقل ندامى، مع أن بعض أهل اللغة يقول: إن ندامى يصح أن تطلق على النديم وعلى النادم الذي مأخوذ من الندم.
قال: (غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى” فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) ومما يدل على سبقهم للإسلام ما ثبت: ” إن أوّل جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول اللَّه ﷺ في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى من البحرين” وجواثى قرية من قرى عبد قيس.
(نَدَامَى) جمع نديم الذي يكون مع صاحبه في فرح وفي لهو.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا في الشَّهْرِ الْحَرَامِ) والمراد هنا الجنس الأشهر الحرم لوجود رواية: ” إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَرَمِ” ومعلوم أن الأشهر الحرم حتى عند العرب معظمة، لا يقاتلون فيها، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب.
وذلك لما بينهم وبين مضر(قالوا: وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ)
(وقولهم: مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) يدل على أنهم مسلمون، وأن مضر كفار فيعتدون عليهم، ومما يؤكد ذلك أنه جاءت رواية: ” إِلَّا فِي شهر رَجَب” لأن شهر رجب شهر من؟ مضر يعظمونه أكثر من غيره
(إِنّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا في الشَّهْرِ الْحَرَامِ قالوا: وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) الحي يعني القبيلة سميت القبيلة بالحي، لأن بعضهم يحيا ببعض من حيث المؤانسة والمساكنة والأكل والشرب.
(إِنّا لَا نَسْتَطِيعُ) وهذا يدل أنه لا واجب مع العجز، فالمعول عليه في الأحكام الشرعية الاستطاعة {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]
( فَمُرْنَا ) وهذا يدل على ماذا؟
يدل على حرصهم على تعلم هذا الدين، فهم موفقون في السابق وفي الحاضر وفي اللاحق، في السابق أسلموا من غير قتال، وفي الحاضر واللاحق سألوا عما ينفعهم في هذا الدين وهذا يدل على ماذا؟
لما قالوا: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) يدل على أن الدين يُحفظ ويزداد بالعلم، لماذا قالوا: فمرنا؟
من أجل أن ينتفعوا فيعرفوا ما هو محرم فيجتنبوه، وما هو واجب فيفعلوه
(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) الفصل يطلق على البيِّن، ويطلق على المحكم المتقن، ويطلق على العادل، فأرادوا بذلك أن يكون ما يأمرهم به واضحًا حَكَمًا مُفَصَّلًا، بحيث يعملون به ويتحاكمون إليه
(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) سبحان الله موفقون يريدون أن يتعلموا، وأن يعلموا غيرهم، ولذلك قالوا: (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) من هنا موصولية يعني الذين وراءنا ( بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) وهذا يدل على أن المسلم مأمور بماذا؟
بالعلم وإذا تعلم عمل وعلم غيره
(نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) وضُبِطَت [مِن وراءِنا] على [مِن] أنها جارة،
أما هنا (مَنْ) إسمية، ومن هم الذين وراءهم؟
يشمل المكان والزمان: أما المكان الذين تركوهم في ديارهم من وراءهم ويعيشون معهم من حيث المكان؛ يعني من تركوهم في ديارهم، ومن حيث الزمان ممن حدث منهم من أطفال.
فانظروا أرادوا بذلك أن ينفعوا
ما قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى هكذا موفقون سبحان الله، فهم أرادوا أن يتعلموا، وأرادوا أن يعلموا من هو حادث فيمن تركوه في ديارهم، وأيضًا أن يبقى هذا العلم يتوارثه الأجيال.
والمقصود من العلم والدعوة إليه؛ العمل الذي يوصل إلى الجنة، ولذلك ماذا قالوا؟
(وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ) ولا دخول للجنة إلا بالعمل بهذا العلم، وانظروا سبحان الله جمعوا ما ذكره الله عز وجل في سورة العصر {وَالْعَصْرِ- إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3].
(نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ) والباء هنا سببية، لأن العمل لا يمكن أن يكون عوضا للجنة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ”
لكن هو سبب {جَزاءً بِما كانوا يَعمَلونَ} [الأحقاف: ١٤]
(وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ) ثم (وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ) لماذا سألوه عن الأشربة؟
لأنهم كانوا أصحاب شُرْبٍ؛ يكثرون منه فأرادوا بذلك -انظروا يعني مع ما أرادوا به من العلم والتعلم والتعليم، والتواصي بهذا العلم ليتوارثه جيل بعد جيل- أرادوا ما يتعلق بالورع ما هو الذي يجتنب
(وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ) وهذا الحديث يدل كما سبق في سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسلام من أن العلم سؤال وجواب، فمن طرق تحصيل العلم السؤال، ثم الجواب عنه كما في حديث جبريل، هنا أيضًا سألوه فأجابهم هذا علم، وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل كَيْفَ أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: “بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ” (وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) لماذا أتى التنصيص بالعدد؟
هنا هو وغيره من الأحاديث كقاعدة أولًا: لما يُذكر العدد في أول الحديث هذا إبهام حتى تشتاق النفوس إلى معرفة ما هو هذا المبهم من العدد هذا جانب
الأمر الآخر فيه ضبط للعلم لأنه إذا ذَكر العدد، وأراد الإنسان أن يستذكر ما ذُكِر له من هذا المعدود فنسي شيئًا، يقول: إذن تُرِك شيئا
(فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ) بأربع أيش؟ ليُعلم أن كلمة أيش عربية وورد في بعض الآثار.
(بِأَرْبَعٍ) ورد في رواية: ” حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الْأَمْرِ” (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) دل هذا على ماذا؟
على أن الدين فيه أوامر، وفيه نواهي
(أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِالله وَحْدَهُ) كيف يأمرهم بالإيمان بالله وحده وهم مؤمنون؟ إما أن يكون المقصود من ذلك التبرك بذكر الشهادتين، أو الاستمرار، وهذا ظاهر أظهر ما يكون لدي مما قاله كثير من العلماء، ولم يذكروا هذا فيما أعلم.
لكن لما (قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ”) ليعلم أن التوحيد لا غنى للموحد عن ذكره والدعوة إليه، ولذلك سبحان الله عبارة الإمام المجدد قول من يقول: إن التوحيد قد عرفناه أو فهمناه فهذا من أجهل الناس، لأنه لا يمكن أن تستغني عن التوحيد، فأمرهم بالإيمان مع أنهم مؤمنين ليبقوا عليه وليحرصوا عليه علمًا وتعليمًا وتبليغًا وتطبيقًا.
(“أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ”) وهذا السؤال إبهام، ولذلك هو يعلم عليه الصلاة والسلام أنهم مؤمنون، فأراد بذلك أن يوضح لهم تفاصيل الإيمان أيضًا كما هو إرشاد إلى التمسك بالتوحيد والدعوة إليه أن يبين لهم تفاصيل هذا الإيمان، وهذا يدل على ماذا؟
يدل على أن أعظم الأمور التي هي بيان وحُكْم وحكمة وعدل، من أن أعظمها هو التوحيد ألم يقولوا: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) أول ما قدَّم في التوحيد
إذًا التوحيد هو الأمر الفصل
قال: (“أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ”) سبحان الله حتى عندهم تواضع يعني عجب هذا القول عجيب (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) لم يتقولوا وهذا يدل على ماذا؟
يدل على أنهم أصحاب ورع، أمرهم بالإيمان بالله وحده.
(“أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ” قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) إذا جُمِع إسناد العلم إلى الله وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام هذا فيما يتعلق بالعلوم الشرعية، أما الأمور الكونية فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فالله أعلم بما يتعلق بالأمور الكونية القدرية، فَهُم قالوا: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) هذا قالوه في حياته عليه الصلاة والسلام، ولذلك لو أن الإنسان سئل في مثل هذا الزمن عن مسألة شرعية، فلم يعلم جوابها فالأفضل أن يقول الله أعلم، ولذلك لما سأل عمر رضي الله عنه بعضُ الصحابة عن آية فقالوا: لا نعلم، فقال رضي الله عنه: قولوا الله أعلم ولم يأتِ بكلمة ورسوله بعد وفاته.
ثم قال مفسرا للإيمان: (“شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ”) هذا يخالف حديث سؤال جبريل لما سأله عن الإسلام ذكر الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولما سأله عن الإيمان ذكر له الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
فهنا لما قال مفسرًا للإيمان -وهذا يؤيد مذهب الإمام البخاري من أن الإسلام والإيمان مترادفان- لأنه فسر الإيمان هنا بماذا؟
بأركان الإسلام والذي يظهر لي من أنه فسر ذلك بأركان الإسلام، ليبين أنه لا إيمان حقيقي إلا بالعمل كما أنه يلزم في الإسلام أن يكون في القلب إيمان يصحح هذا الإسلام وإلا كان منافقا، فكذلك هنا، فلا يقل أحد إن الإيمان في قلبي وهو لا يعمل، فلا غنى إذن عن العمل
ولذلك هم أتوا وفي أول الأمر أسلموا فقط، فأراد أن يبين عليه الصلاة والسلام أنه مع ما هو إسلام لا بد من الإيمان.
ولذلك قال: (“شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ”) إشكال هنا، هنا خَمْس قال: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ) وجاءت رواية قال: وشهادة أن لا إله إلا الله أتى بالواو إذن كم؟
ست، وفي رواية الحج عند أحمد سبع، أما بالنسبة إلى رواية الحج فهي شاذة، وكذلك الواو شاذة.
إذًا تبقى معنا الخُمُس، (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ) ما هي الأربع؟
الشهادتان، والصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، ثم زادهم ما يحتاجون إليه، فالمقصود بالأربع هي الأصول، لكن زادهم ما يحتاجون إليه لماذا هذه بالذات؟
لأنهم قالوا فيما مضى قالوا: (إِنّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا في الشَّهْرِ الْحَرَامِ) لِما بَيْنهُم وبين كفار مضر من العدواة، فيكون هناك قتال، فلو حصل قتال ما الذي يلزمكم مما هو طارئ، لأن هذه الأركان مستمرة يجب أن يؤتى بها على وجه الاستمرار، لكن مما هو طارئ (وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ) إذا غنمتم {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41] وهذا من فقهه عليه الصلاة والسلام، زادهم ما يحتاجون إليه مع ما لم يسألوا عنه، ولو افترضنا أن الواو في الشهادة ليست شاذة، وأن الحج ليست شاذة مع أن شذوذها واضح باعتبار ماذا؟
باعتبار أنهم أسلموا قبل أن يُفرض الحج في أول الإسلام، فنقول: بيَّن لهم هذه الأربع، وبين لهم ما هو زائد على ذلك.
لماذا الحج؟
لأن الحج جهاد، فكما أن الحج جهاد، لكن جهاد ليس عليهم هم، هو فيما يتعلق في الحرب (وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ) لكن فيما يتعلق بنسائكم هل على النساء جهاد؟
قال: نعم جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة، وذكر الواو وشهادة أن لا إله إلا الله توضح أنه لا بد مع الإيمان الإسلام، ولذلك في رواية لما ذكر الإيمان والإسلام عقد واحدة، دل على أنهما مترابطان الإسلام والإيمان.
(وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنتمِ) لأنهم سألوا عن الأشربة، لكن لماذا نهاهم عن الحنتم؟
سبحان الله لما سألوه عن الأشربة ما كان عليه الصلاة والسلام يضيره أن يشربوا أي شراب حلال، فلم يأتِ بالجواب عن الشراب أتى بالآنية، أتى بالآنية التي يُشرب فيها هذا النبيذ، لأنها تسارع إلى السكر.
فقال: (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنتمِ) الحنتم فسره ابن عمر بالجِرار: جمع جرة، وفسره أبو هريرة رضي الله عنه بالجرار الخضر، فكون الحنتم هو الجرة هو تفسير الصحابي أولى من غيره، يعني عن النبيذ في الجرار.
(وَالدُّبَّاءِ) القرع يُيَبَّس فيكون كآنية ويضعون فيه النبيذ، فهذا يسارع فيه السكر.
(وَالنَّقِيِر) كما جاء في صحيح مسلم هو الجذع، جذع النخل ينقرونه فيضعون فيه الشراب (وَالْمُزَفَّتِ) يعني المطلي بالزفت (وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ) المقير المطلي بالقار، لا تنظر إليه ترى القوم ليس عندهم من الآنية مثل ما عندنا ربما تستغرب كيف يضعون هذه، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام في أول الإسلام عن هذه لأن السكر يسارع فيها، ولذلك جاء النسخ قال عليه الصلاة والسلام: “اشربوا في كل إناء ما لم تشربوا مسكرا”
(وَقَالَ: “احْفَظُوهُنَّ) يدل على أن الحفظ للعلم مأمور به شرعا
(وَقَالَ: “احْفَظُوهُنَّ) مع الحفظ التبليغ
(وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ) من وراءكم من حيث الزمان والمكان كما سبق
وهذا الحديث سيأتي له أيضًا حديث فيما يستقبل بإذن الله تعالى، وبهذا ينتهي هذا الحديث.