التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران
الدرس ( 13)
من الآية ( 33 ) حتى الآية ( 64 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)}
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ} يعني اختار {آَدَمَ} وذكر آدم؛ لأنه أبو البشر {آَدَمَ وَنُوحًا} وذلك لأن النسل أتى من بعد نوح، إنما هو من نسل نوح عليه السلام {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ} {وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ} يدخل في ذلك إبراهيم وعمران، وأيضا ما كان من نسلهما، ولذلك يدخل النبي محمد عليه الصلاة والسلام في آل إبراهيم، أما آل عمران، فالصحيح أن المقصود هنا عمران والد مريم المذكورة في هذه الآيات {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} يعني على جميع البشر.
{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} أي أولئك ذرية تناسلوا فيهما بينهم، وهم بعضهم من بعض من حيث النصرة، ومن حيث الاتفاق على الدين {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)}
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} يعني عتيقا، وكانت السنة عندهم من أن الإنسان له أن ينذر جنينه إذا كان ذكرا من أنه ينذره لخدمة بيت المقدس {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} وهذا في شريعتهم {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} تعتذر لأنه ليس ذكرا، وذلك؛ لأن الخدمة من الذكر، والقوة في الذكر، ليس كالأنثى {إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} فالله مطلع على ما وضعته {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} يحتمل أنه من قول الله عز وجل، الأقرب أنه من قولها؛ لأن السياق يتحدث عنها، وهذا يدل على ماذا؟ على أن المرأة بنفسها، وهي امرأة عمران وضحت وبينت أنه لا يمكن أن يتساوى الرجل مع المرأة، فهناك فرق كبير بشهادة امرأة من جنس النساء {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} وهذا يدل على ماذا؟ على أن الإنسان إذا كان قد حضَّر اسما لجنينه، فإن السنة أن يسميه، ولو لم يصل إلى اليوم السابع، يعني لو لم يأت اليوم السابع، وقد جاءت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الدلالة على ذلك، أما إذا كان الإنسان لم يحضر اسما من قبل، فإن السنة أن يؤخر تسميته إلى اليوم السابع، كما جاءت بذلك السنة {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} يعني من أني أعتصم بالله أن تجيرها وذريتها من الشيطان الرجيم.
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} وأكد ذلك فقال {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} لأنها لما قالت {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} ظن من أن هذه لا قيمة لها كقيمة الذكر، فقال عز وجل {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} بمعنى أنها نبتت من حيث الجسم نباتا حسنا {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} بمعنى أنها صارت تحت كفالة زكريا، وذلك كما ذكر المفسرون من أنها لما ولدت مريم من أنها أتت امرأة عمران إلى قومها، فاقترعوا من يكفل مريم، فاقترعوا على أن من وقف قلمه في الماء، فإنه يحظى بكفالتها، فوقف قلم زكريا عليه السلام كما سيأتي معنا {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} فقال الله عز وجل هنا {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} وهذا فيه منقبة لها، إذ إنها ستعيش تحت كنف نبي، إذ تكون في بيت نبوة وعلم {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} والمحراب هو المكان العالي الذي يتخذ للعبادة، فقال عز وجل {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} أكثر المفسرين على أن هذا الزق من أن فاكهة الصيف تأتي إليها في الشتاء والعكس، وهذا قول قوي، لم؟ لأن الله عز وجل قال بعدها {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} من أنه في كبر سنه، يعني لا يتوقع حصول الولد، كذلك هو تأسى بمريم، فقال الله عز وجل هنا {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} من أين لك هذا الرزق؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
{هُنَالِكَ} يعني في ذلك المكان، وحينها ماذا جرى؟ {هُنَالِكَ} تأسى زكريا بمريم {هُنَالِكَ} لما رأى أن الفاكهة، أو أن هذا الشيء يأتيها في غير موعده مع أنه قد كبر في السن {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً} وليست أي ذرية، وإنما قال {طَيِّبَةً} {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} فهو عز وجل يسمع الدعاء، ويستجيب الدعاء {فَنَادَتْهُ} وهذا يدل على أنه لما دعا استجيب له دون تأخر زمن {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} قيل جبريل، وقيل جمع من الملائكة، وعلى كل حال قيل بهذا، أو قيل بهذا {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} دل هذا على ماذا؟ على مزية ماذا؟ الصلاة {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ} يعني بأن الله {يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا} ولما تقرأ هذه الآيات اقرأ أوائل سورة مريم تجد التفصيل لهذه الدعوات، فقال الله هنا {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ} يعني أن يحيى يصدق بعيسى؛ لأن عيسى خلق من كلمة كن {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} فقال الله عز وجل مبينا أن يحيى يصدق بمن؟ بعيسى عليه السلام الذي خلق بكلمة {كُنْ} قال عز وجل {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} ومن صفاته {وَسَيِّدًا} جمع الخصال الطيبة التي بها يسود غيره {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} بمعنى أنه مع قدرته على الجماع، وهذا هو الصحيح؛ لأنه مأخوذ من اسم الفاعل، لا من اسم المفعول {وَحَصُورًا} من أنه يمنع نفسه مع الشهوة الموجودة فيه يمنع نفسه عن النساء {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}.
{قَالَ رَبِّ} قال زكريا {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} وليس هذا استبعادا من زكريا، أو شكا من زكريا في قدرة الله، ولكنه مجرد استعلام {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} يعني الكبر بلغه مما يدل على تأصل الكبر {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} يعني من أنها لا تلد {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} يعني مثل ما فعل هذا الأمر بك ورزقت الولد، كذلك يفعل الله ما يشاؤه.
{قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً} يعني علامة على هذا الأمر {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} يعني إلا إشارة، ولذلك في سورة مريم {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} {قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} يعني بلياليها لأن الله قال في سورة مريم عنه {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} فقال الله {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} الإبكار من طلوع الشمس إلى ماذا؟ إلى الضحى، وبالنسبة إلى العشي من الزوال إلى الغروب، ويدخل أيضا في التسبيح الصلاة {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}.
{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)}
{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} يعني اختارك، وهذا اختيار لذاتها؛ لأنه قال في نهاية الآية {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} من حيث الصفات التي أعطاها الله لمريم {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} والملائكة هنا قيل جمع، وقيل جبريل، والأقرب من أنه جبريل؛ لأن الله ذكر ذلك في سورة مريم {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}.
{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} طهرك من الصفات الذميمة {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} ولذلك يختار جمع من أهل العلم من أن مريم أفضل نساء الدنيا على وجه الإطلاق، ولنا تفصيل في هذا في غير هذا الموقف، التفصيل موجود في التفسير الشامل {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}.
{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي} يعني داومي على الطاعة {اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} يعني من جملة الراكعين، وقد قامت بهذا الأمر، قال تعالى {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)}
{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} يعني لما ذكر قصة مريم عليها السلام قال {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} يعني من أخبار الغيب {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} يعني نوحيه إليك يا محمد؛ لتعرف كفار قريش من أن ماذا؟ من أنك نبي حق {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} يعني يقترعون {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فيمن يكفل مريم.
{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)}
{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} لأن عيسى خلق بكلمة {كُنْ} {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ} له وجاهة في الدنيا، من حيث النبوة، ومن حيث المقام العالي، وهو وجيه في الآخرة إذ له من الدرجات العالية في الجنة {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}.
{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} يعني بالنبوة كما قال عز وجل في سورة مريم عنه {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} هذا وهو في المهد {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)}
{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} والكهل قيل من ثلاثين، وقيل من ثلاث وثلاثين سنة إلى خمسين سنة، وليس المقصود هو الطاعن في السن كما يتوهمه كثير من الناس، قال الله {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ}
{قَالَتْ رَبِّ} هي لا تشك في قدرة الله {قَالَتْ رَبِّ} من باب الاستعلام {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} لأن الولد إنما يكون من ماذا؟ من مسيس البشر إما عن طريق الزواج، أو عن طريق الزنا، ولذلك في سورة مريم {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}
{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} {قَالَ كَذَلِكِ} يعني مثل ما صار هذا الأمر بوجود الولد منك كذلك يخلق الله ما يشاء، ما يشاؤه مما أراد أن يخلقه، فإنه يخلقه، ليس هذا الأمر فقط، بل ما أراده، فإنه عز وجل يخلقه، ولذلك فارق بينهما في قصة زكريا {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} قال هنا {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من باب التأكيد على أن عيسى ليس ابنا لله، وليس إلها، وإنما هو مخلوق {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}.
{إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ولذلك قال عز وجل كن فكان عيسى عليه السلام من أم دون أب {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)}
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} الصحيح الكتابة {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} وهي الفهم العلم مع العمل {وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} وذكر الإنجيل؛ لأن الإنجيل متمم للتوراة، وناسخ لبعضها كما سيأتي في الآيات الآتية {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}.
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا} يعني ونجعله رسولا {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي} يعني بأني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني بعلامة من ربكم، ما هي هذه الآية؟ {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ} يعني كصورة {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} حصل أمران من عيسى عليه السلام، يصور ماذا؟ الطير، وينفخ فيه، لكن إحياءه لا يمكن أن يكون إلا من الله، ولذلك قال {فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} وجاء مفصلا أكثر في سورة المائدة في أواخرها.
{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} يعني أشفي الأكمه، الصحيح أنه هو الذي ولد وهو أعمى {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى} كل ذلك {بِإِذْنِ اللَّهِ} وعلامة أيضا أخرى {وَأُنَبِّئُكُمْ} يعني أخبركم {بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ} يعني علامة لكم {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} علامة على صدقي.
{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} يعني أني أصدق ما جاء في التوراة {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ} {بَعْضَ} على بابها، الصحيح أنها على بابها {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} دلائل وحجج قاطعة، إذن ما الذي يلزمكم {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} لم؟ {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي} ولذلك في آية في سورة الزخرف {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} إذًا ما الذي يلزمكم؟ أن توحدوا الله عز وجل الذي هو ربي وربكم، ولست ربا، ولست إلها، ولست ابنا لله {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} يعني التوحيد هو الصراط المستقيم {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} ولذلك في سورة مريم {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ}.
هنا ماذا قال عز وجل؟
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)}
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى} يعني وجد عيسى، دل هذا على أن العلامة وضحت عنده من أن هؤلاء من أنهم سيخالفونه {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} دل هذا على أن الأكثرية منهم أرادوا الكفر{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي} دل على أنه يطلب بعضهم من أجل أن يكون معه من أنصار الله {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يعني من أنصاري في الدعوة إلى الله، {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} والحواري هو الصفي والصديق الخالص للإنسان {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} {وَاشْهَدْ} يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
{رَبَّنَا} لجأوا إلى الله {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} {بِمَا أَنْزَلْتَ} من التوراة والإنجيل {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} وهو عيسى {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} الذين شهدوا لك بالوحدانية، وشهدوا لأنبيائك بالرسالة.
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} الكفار الذين كفروا بعيسى، وهم اليهود أرادوا أن يمكروا بعيسى عليه السلام بقتله كما بين عز وجل في أواخر سورة النساء {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} {وَمَكَرَ اللَّهُ} إذ ألقى الشبه على أحدهم ،وفي هذا إثبات صفة المكر لله بمن يمكر بأوليائه، أو يمكر بشرعه، وهذه الصفة صفة المكر تثبت على وجه التقييد، لا على وجه الإطلاق، يعني الله يمكر بمن يمكر بشرعه، أو يمكر بأوليائه، وهذا يدل على أن هذا المكر الذي يمكره عز وجل خير، وليس كمكر من يمكر مكر السوء كهؤلاء، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} ولذلك في ختام الآية {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} حتى لا يتوهم شخص من أنه مكر سيء.
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)}
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} يعني قابضك، وهذا فيه رد على من يقول من أن عيسى قد مات، وهو كما جاءت بذلك الأدلة الصريحة الكثيرة من أنه الآن حي، وسينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} يعني قابضك كما تقول استوفيت حقي من فلان يعني قبضت حقي من فلان {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} بعد التوفي {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ} يعني مخلصك ومنجيك {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} يعني من آمن بك، ثم أدرك النبي محمدا عليه الصلاة والسلام فإن النصر يكون له {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} لكن من آمن به، ثم أدرك النبي محمدا عليه الصلاة والسلام، وكفر به، فلا يدخل في هذه الآية {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} يحكم بين أهل الإيمان، وأهل الكفر، ولذلك ماذا قال بعدها مفصلا {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} ينصرونهم {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ} يعني يجازيهم {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}
{ذَلِكَ} يا محمد {ذَلِكَ نَتْلُوهُ} يعني ما مضى من قصة زكريا، من قصة مريم، من قصة عيسى {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ} يعني الحجج الواضحة {وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} يعني المحكم المتقن، وهو القرآن، وأيضا اشتمل على الأحكام المتقنة، وأيضا يحكم على غيره {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} كما قال عز وجل في سورة البقرة، {وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} يعني القرآن {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ} يعني ما أتيت به من قبل نفسك، وإنما هو من الله، فدل على صدقك يا محمد {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ}.
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)}
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ} خلق من؟ آدم {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وهذا تشبيه الغريب بالأغرب، يعني هؤلاء النصارى الذين انقدحت عندهم شبهة من أن عيسى خلق من أنثى دون أب، فجعلوه إلها، يقال لهم ما هو أغرب، آدم عليه السلام خلق من غير أنثى ومن غير ذكر، فإذا كان على زعمكم من أن الذي يكون إلها الذي يستحق ذلك على زعمكم هو آدم، فإذا بطلت ألوهية آدم إذًا من باب أولى أن تبطل ألوهية من؟ عيسى عليه السلام، ولذلك قال تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ} فلماذا تتخذونه إلها؟ {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} يعني يا محمد هذا هو الحق من ربك {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} يعني من الشاكين، وحاشاه عليه الصلاة والسلام أن يكون من الشاكين، وفيه خطاب لهذه الأمة {فَمَنْ حَاجَّكَ} من وفد نصارى نجران الذين حاججوا النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك من أول السورة إلى هنا نزلت في محاججة هؤلاء، فقال عز وجل {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} يا محمد فيما يتعلق بنبوة عيسى {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ} يعني نلتعن؛ لأن الابتهال هو اللعنة {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} قال لهؤلاء النصارى تعالوا إذًا لنبتهل ويلعن بعضنا بعضا، من كان على الباطل فإن الله يلعنه، ويأخذه، ويستأصله، لكنهم لم يباهلوا النبي عليه الصلاة والسلام، واتفقوا معه على الجزية، فقال عز وجل {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} ولم يذكر نفسه فقط، وإنما في الملاعنة ذكر أحب الناس إليه، وهم الأبناء والنساء {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} يعني ما بعد هذه الحجج التي سمعتموها إلا الابتهال، فتعالوا {فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}.
{إِنَّ هَذَا} يعني ما مضى {لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} يعني ما قص عليك يا محمد هو القصص الحق فيما يتعلق بعيسى عليه السلام {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} ولذلك ماذا قال بعدها؟ {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} أي لا معبود بحق إلا الله {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} يعني أعرضوا بعد تلك الدلائل {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} يعني هؤلاء مفسدون.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} قل يا محمد لهؤلاء {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} {كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} يعني مستوية وعدل يعني فيها إنصاف ويستوي بعضنا فيها ببعض {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} ما هي تلك الكلمة؟ {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} كمن يطيع أحدا في تحريم الحلال، أو تحليل الحرام {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا} عليكم أن تصدعوا بالحق {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} نحن مسلمون، أنتم إذن لستم بمسلمين، ولذلك هذه الآية فيها من الحجج الدامغة، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام إذا أرسل إلى الملوك كما أرسل إلى قيصر، قال له: (أسلم تسلم) ثم ذكر هذه الآية.