تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز ) من الآية( 65)حتى( 80 ) الدرس (14)

تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز ) من الآية( 65)حتى( 80 ) الدرس (14)

مشاهدات: 768

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران

الدرس ( 14)

من الآية ( 65 ) حتى الآية ( 80 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخزيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} وذلك لأنهم كانوا يقولون إن إبراهيم على ملة اليهودية والنصرانية، فقال الله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} يعني بعده بسنين {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}  فأين عقولكم؟! فإن إبراهيم قد تقدم على نزول التوراة والإنجيل بسنوات.

{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يعني جادلتم فيما لكم به علم مما ذكر في التوراة من ذكر موسى، وما ذكر في الإنجيل من ذكر عيسى عليه السلام {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} وذلك في شأن إبراهيم عليه السلام {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

ثم رد عليهم برد حاسم {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا} يعني كان مائلا عن الأديان الشركية إلى الإسلام، إلى التوحيد 0 {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وفي هذا دلالة على ماذا؟ على أن أولى الناس بإبراهيم عليه السلام هو محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو الذي اتبع إبراهيم {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ} أولى الناس بالانتساب إلى إبراهيم، والسير على طريقته لستم أنتم {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} يعني في زمنه {وَهَذَا النَّبِيُّ} وهو محمد عليه الصلاة والسلام {وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا} يعني  الصحابة {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} الولاية الخاصة التي تقتضي النصرة والتأييد والتسديد.

{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)}

{وَدَّتْ طَائِفَةٌ} يعني أحبت طائفة من هؤلاء {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} يعني عن الصراط المستقيم {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} لأنهم أرادوا بذلك اتخاذ سبل الشيطان {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}  وما يشعرون أن هذا الضلال يعود عليهم.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ} عز وجل، ومن ذلك ما جاء في بيان صفة محمد عليه الصلاة والسلام {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} ماذا؟ أن تلك الآيات حق، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام حق.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} يعني لم تخلطون الحق بالباطل {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} وهذا يدل على أن أهل الضلال هم بين أمرين، إما أن يلبسوا الحق بالباطل حتى يظهروا الباطل في صورة الحق، وإما أن يكتموا الحق، ومن صنع مثل هذا الصنيع في هذه لأمة ففيه شبه بهؤلاء اليهود والنصارى، فقال تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لستم على جهل، بل إن من كتم الحق، أو لبس الحق بالباطل، ولو كان جاهلا فهو مذموم، فما ظنك بمن هو على علم وعلى دراية؟! فجنايته أعظم.

{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)}

{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ} وانظر إلى كيد هؤلاء فإنهم يريدون التلبيس على الصحابة، أو على بعض الصحابة، فقال الله عن هؤلاء {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} يعني أول النهار {وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ} يعني آخر النهار {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وذلك لأنه قبل مجيء النبي عليه الصلاة والسلام كانت العرب ترى اليهود من أنهم أصحاب علم، فإذا دخلوا في هذا الدين في أول النهار، ثم خرجوا منه آخر النهار سيقال ما خرجوا منه وهم أصحاب علم إلا لأنه ليس بدين حق، أرادوا التضليل، وأرادوا التلبيس، فقال الله عن هؤلاء {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

{وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} يقول بعضهم لبعض {وَلَا تُؤْمِنُوا} يعني لا تصدقوا، ولا تعترفوا بأن أحدا سيكون مثلكم {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} فلا تأمنوا أحدا، ولا تصدقوا أحدا {إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ}، ورد الله عليهم قائلا للنبي عليه الصلاة والسلام {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} ليس ما أنتم عليه، بل إن الهدى هدى الله، يوفق الله إليه من يشاء، ولذلك أتت هذه الجملة معترضة من باب الرد على هؤلاء {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} ثم أتت التكملة لكلامهم {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ} يعني هم يقولون لا تعترفوا، ولا تصدقوا لأحد إلا لمن تبع دينكم من أجل أن غيركم لا يحظى بمثل ما حظيتم به فقال عنهم {أَنْ يُؤْتَى} يعني يقولون لأن لا يؤتى {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} يعني من هذا العلم {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} يعني حتى لا يخاصموكم يوم القيامة عند ربكم من أنكم أظهرتم لهم الحق {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} وفي هذا إثبات صفة اليد لله عز وجل {قُلْ} يا محمد {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} ليس لكم في ذلك سبيل، بل هو يعطيه عز وجل من يشاء {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} واسع المغفرة، واسع العطاء والرزق، وعليم بمن يستحق الهداية ممن لا يستحقها؛ ولذلك ماذا قال بعدها؟ {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} ومن ذلك أنه خص  محمدا عليه الصلاة والسلام بالنبوة، وخص العرب من أن النبي محمدا عليه الصلاة والسلام هو منهم، وهو مبعوث لهم، ومبعوث لجميع البشرية، فقال الله {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} صاحب العطاء العظيم.

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)}

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} وذلك كمن آمن مثل عبد الله بن سلام، ومن آمن من أهل الكتاب {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} يعني تعطيه وديعة، وتأمنه على قنطار، والقنطار هو المال الكثير دون التحديد على الصحيح، لكنه مال كثير {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} لأمانته {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} ولو كان دينارا قليلا {لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يعني لا يعطيك هذا الدينار {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} يعني ملازما له كما يلازم الغريم غريمه {ذَلِكَ} ما سبب هذا الأمر؟ من أنهم يجحدون أموال العرب {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ} يعني في العرب {سَبِيلٌ} يعني لا جناح علينا في أخذ أموال العرب {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} هذا كذب وافتراء من هؤلاء {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن هذا كذب، وليس في شرع الله {بَلَى} يعني {بَلَى}  من أنهم سيحاسبون، ومن أنه لا سبيل وجناح عليهم {بَلَى} ثم استأنف {مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ}  من أوفى بعهد الله، وقام بعهده عز وجل من الإيمان به، ووفى بالعهود التي بينه وبين الناس {مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وفي هذا إثبات صفة المحبة لله، ولما قال {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} دل على ماذا؟ على أنه سيجزي هؤلاء  المتقين أحسن الجزاء مع إثبات صفة المحبة لله بما يليق بجلاله وعظمته.

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)}

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} وردت أحاديث في شأن من؟ في شأن من يحلف وهو كاذب؛ ليقتطع مال مسلم، ويدخل فيها هؤلاء اليهود، لم؟ لأن هؤلاء اليهود باعوا دين الله، وحلفوا على ذلك، واشتروا به ثمنا قليلا من هذه الدنيا {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} أي بما عهد إليهم من الإيمان والقيام بحقه {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} يعني أنهم يحلفون كذبا {ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ} لا نصيب لهم في الآخرة {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} وفي هذا إثبات صفة الكلام لله بما يليق بجلاله وبعظمته؛ لأنه يكلم أولياءه تكليم تشريف، لكن هؤلاء لا يكلمهم الله تكليم تشريف، بل تكليم توبيخ، ولذلك ماذا قال تعالى {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}  {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني من أنه عز وجل لا ينظر إليهم نظر رحمة، وإلا فهو عز وجل عالم بكل شيء، بحال هؤلاء، وبحال غيرهم، فهو عز وجل سميع وبصير وعليم {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} لا يطهرهم من ذنوبهم التي عملوها بالمغفرة يوم القيامة {وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا} يعني من أهل الكتاب، وليس كل أهل الكتاب، وهذا يدل على أن القرآن بين أن هناك صنفا ليسوا كهؤلاء {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} {يَلْوُونَ} يعني يحرفون ويميلون بألسنتهم إذ إنهم ينطقون الكلمة حتى يشعر بأنها كلمة حق، وهي في الحقيقة كلمة باطل، كما مر معنا في سورة البقرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} ولذلك كانوا يقولون يعني اليهود للنبي عليه الصلاة والسلام {رَاعِنَا} وهم لا يريدون المراعاة التي يريدها الصحابة، وإنما هي مسبة عند اليهود، ولذلك إذا دخلوا على النبي عليه الصلاة والسلام يقولون ” السام عليكم” من يسمعها يظن أنهم يقولون: السلام، وإنما يقولون السام، يعني الموت عليكم، فقال الله عز وجل {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} ليس من كتاب الله عز وجل، ولذلك انظر هذا حال صنف من أنهم يحرفون كتاب الله بألسنتهم، صنف آخر كما مر معنا في سورة البقرة هم يكتبون التحريف بأيديهم ليس نطقا، ولذلك ماذا قال تعالى {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)}

فقال الله عز وجل {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ} يعني لتظنوا أنه من الكتاب {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} ولم يقل وما هو فيه، من باب التبيين والتأكيد {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ}

{وَيَقُولُونَ} انظر مع الفعل الشنيع الذي كان على ألسنتهم وصرحوا بذلك هنا أيضا تقولوا على الله عز وجل وقالوا على الله بلا علم {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} صرح هنا {وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كذبة ويعلمون مغبة من كذب على الله، {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يعني هذا افتراء وكذب على الله عز وجل، وهم أصحاب علم، ليسوا أصحاب جهل.

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ}  {مَا كَانَ} يعني ما ينبغي، ولا يمكن أن يصدر هذا من بشر أعطاه الله هذه المزايا أن يأمر الناس بأن يعبدوه؛ لأن هؤلاء أهل الكتاب قالوا يا محمد إنما تريد أن نعبدك كما عبدت النصارى المسيح، فقال الله عز وجل {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} {الْكِتَابَ} الذي نزله عليك {وَالْحُكْمَ} وهو ما يتعلق بالعلم النافع مع العمل الصالح {وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ} ماذا يقول؟ {وَلَكِنْ كُونُوا}  يقول لهم {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} يعني يأمرهم بأن يكونوا ربانيين بمعنى أنهم يتعلمون العلم النافع، ويعملون به، ويدعون إليه، ويصبرون على تحمل الأذى في سبيل الدعوة إلى هذا العلم {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ} يعني بسبب {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} غيركم {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} يعني تتعلمون.

{وَلَا يَأْمُرَكُمْ} هذه معطوفة على قوله {ثُمَّ يَقُولَ} يعني ما كان لهذا البشر الذي أعطاه الله هذه المزايا أن يأمركم بهذا الأمر، وهو الشرك بالله، ولذا قال تعالى {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} يعني هذا البشر {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} يعني شركاء ونظراء مع الله، وفي هذه الآية بيان أن من صرف عبادة لغير الله لنبي، أو لملك حتى لو كان ملكا مقربا، أو نبيا مرسلا، فإنه قد أشرك بالله، والدليل هنا {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني بعد ما كنتم مسلمين أيأمركم بالكفر؟! فإنه لا يمكن أن يكون هذا صادرا من نبي.