التفسير الوجيز ـ تفسير سورة البقرة
الدرس ( 5)
من الآية ( 106 ) حتى الآية ( 141 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)}
هذه الآية فيها رد على اليهود الذين ينكرون النسخ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في الآيات القادمات بإذن الله تعالى من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي تجاه بيت المقدس، ثم حول إلى الكعبة، فأنكرت اليهود النسخ، فقال الله عز وجل {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ} والنسخ هنا هو رفع الحكم {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} أي نأمركم بنسيانها، وهذا يعتبر نوعا من أنواع النسخ {أَوْ نُنْسِهَا} أي نأمركم بنسيانها حتى تكون بمثابة المنسوخ {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أي نأتي بخير من تلك الآية التي نسخت أو نأتي بمثلها {أَلَمْ تَعْلَمْ} الاستفهام للتقرير يعني تعلم {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن ذلك ما يتعلق بالنسخ.
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)}
{أَلَمْ تَعْلَمْ} استفهام للتقرير تعلم {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فلا أحد يعترض على الله في ملكه وفي شرعه {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ} يعني يأتي إليكم بالخير {وَلَا نَصِيرٍ} النصير هو الذي يدفع عنكم الضر.
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} هذا هنا استفهام إنكاري يعني ينكر على أن يقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم كما اقترحت اليهود على موسى في تلك الآيات التي أرادوا بها التعنت {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى} مِنْ قَبْلُ} إذ قالوا {أَرِنَا اللَّهَ جَ وإلى غير ذلك من الآيات التي طلبوها {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} يعني من يأخذ الكفر، ويدفع الثمن وهو الإيمان {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي تاه عن الصراط المستقيم.
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} من أجل ماذا؟ {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} لأن قلوبهم تأصلت بالحسد {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} من بعد ما تبين أن هذا الدين هو دين الحق {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} العفو هو التجاوز، والصفح هو ترك المؤاخذة على الذنب، ولذلك قال تعالى هنا {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} أمر المسلمين بأن يعفوا، وأن يصفحوا مع هؤلاء اليهود حتى يأتي أمر الله، وذلك بقتالهم وهذه الآية على الصحيح ليست منسوخة، وإنما هي تصدق على أي زمن يكون أهل الإسلام فيه ضعفاء، فإن الواجب عليهم أن يتريثوا حتى يتقووا فقال الله {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قادر على أن يبيدهم من غير أن يعطي أمره بالجهاد.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)}
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} إذن في مثل هذه الحال إذا ضعف المسلمون ما الذي يلزمهم؟ يلزمهم أن يقدموا على الله، ولذا قال هنا {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} يعني من أعمال خيرة {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ولذا هو عز وجل عالم وبصير بما نعمل إذن المؤمن لا يخاف أن يفوته شيء من الأجر.
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)}
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} {أَوْ} هنا للتنويع يعني اليهود تقول لن يدخل الجنة إلا اليهود، والنصارى تقول لن يدخل الجنة إلا النصارى {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} {تِلْكَ} أي ما مضى {أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا} قل يامحمد لهؤلاء {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} يعني الدليل على ما ذكرتموه {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما زعمتموه.
{بَلَى} يعني سيدخل الجنة غيركم {بَلَى} لكن {مَنْ} ماذا؟ {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يعني خلص العبادة لله {وَهُوَ مُحْسِنٌ} يعني اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الرد على المبتدعة، فدل هذا على أن الإسلام المراد الإخلاص والمحسن يعني يكون متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يتحقق عمل صالح إلا بهذين الشرطين {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ} يعني الثواب {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} لا في الدنيا ولا في الآخرة.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)}
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ} وهنا دل هذا على ماذا؟ على أن اليهود كفرت النصارى، والنصارى كفرت اليهود، فدل هذا على أن التكفير كان موجودا في الأمم السابقة {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ} يعني من الدين {وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} يعني أنهم يتلون الكتاب، ويعلمون ما في ذلك، ومع ذلك يكفر بعضهم بعضا يعني ليسوا بجهال {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} يعني الذين {لَا يَعْلَمُونَ} من كفار قريش، وما يشابههم {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)}
{وَمَنْ أَظْلَمُ} يعني لا أحد أظلم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} سعى في خرابها إما بتدميرها التدمير الحسي، أو سعى في خرابها بمعنى أنه منع أن يذكر اسم الله فيها {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} يعني أنهم خوفون حتى ماذا؟ حتى يعظم دين الله، ولذلك كفار قريش لما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية مكنه الله منهم، ولذلك في السنة التاسعة قال: (لا يحج بعد هذا العام مشرك) فقال الله عز وجل {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} يعني كان من المتعين أنهم لا يدخلونها إلا وهم خائفون، وفيه أمر للمسلمين بأن يخوفوا هؤلاء حتى لا يدخلوا هذه الأماكن {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} يعني هوان {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)}
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} يعني له عز وجل ملك المشرق والمغرب يعني جميع الجهات، ولذلك ختم الآية بقوله {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وفي هذه الآية إثبات صفة الوجه لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته على رأي جماهير السلف مما يتعلق بهذه الآية، والسلف رحمهم الله في جميع الآيات التي جاء فيها ذكر الوجه أثبتوا أن لله وجها يليق بجلاله وبعظمته إلا في هذه الآية فيها خلاف يسير، لكن الصحيح ما ذكرناه، فقال الله {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)}
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} من اليهود {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} وكذلك النصارى {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} وكذلك قريش قالوا إن الملائكة بنات الله، {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فمن يملك السموات والأرض هؤلاء ملك له عز وجل، فكيف يكونون أبناء له أو أولادا له عز وجل، {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ} يعني جميع الخلق {قَانِتُونَ} يعني خاضعون ذليلون.
{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يعني منشيء السموات والأرض على غير مثقال سابق {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إذا أراد شيئا فإنما يقول لهذا الشيء كن فإنه سيكون.
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)}
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} يشمل اليهود والنصارى وكفار قريش {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} يعني تشبهوا بمن؟ بأسلافهم {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} ما الذي جمعهم على هذا القول مع أن الزمان بينهم بعيد؟ {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} على الكفر {قَدْ بَيَّنَّا} يعني وضحنا {قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} من عندهم علم تام هذا العلم التام يستلزم العلم.
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {بِالْحَقِّ بَشِيرًا} لمن أطاع الله {وَنَذِيرًا} لمن عصى الله {بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} ما عليك إلا البلاغ.
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)}
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ} يا محمد {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} إذن ما سوى هدى الله، فإنه ليس بهدى، إنما هو ضلال، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} مع أنه عليه الصلاة والسلام لن يتبع هؤلاء، ولكن هذا على سبيل الفرض، فإنه إذا خوطب عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، وحاشاه أن يفعل إذن فلتحذر الأمة أن تتبع هؤلاء اليهود والنصارى، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} دل على أن ما هم عليه هو ماذا؟ هوى، أما الذي معك فهو العلم {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ} يعني من أنه ياتي إليك بالخير {وَلَا نَصِيرٍ} يدفع عنك الضر.
{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)}
{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} هذا يشمل اليهود والنصارى، ويشمل هذه الأمة {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} التلاوة هنا الاتباع {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} كما قال تعالى {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)} يعني إذا تبعها {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} بهذا الكتاب {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)}
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122)} ومر تفسيرها فيما مضى، {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)} ومر أيضا تفسير هذه الآية.
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} {وَإِذِ ابْتَلَى} يعني اختبر الله إبراهيم {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} هذه الكلمات هي الكلمات القدرية، والكلمات الشرعية، الكلمات القدرية مثالها أنه لما أمر بذبح ابنه، الكلمات الشرعية مثل خصال الفطرة ومثل أمره ببناء البيت {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قام بهن على أتم ما يكون كما قال تعالى {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} فقال عز وجل {فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} يعني تكون إماما يقتدى بك في الخير {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} ولم يقل ذريتي، ولذا قال تعالى {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)}
{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} {مَثَابَةً} يعني يثوبون إليه، فإذا ذهبوا، فإنهم يثوبون ويرجعون إليه، وأيضا يتضمن أنهم يتحصلون على الثواب العظيم في هذا البيت {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف المقام {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وقال بعض المفسرين {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} {مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ} جميع المشاعر، ولكن معنى {مُصَلًّى} على هذا القول معناه يعني متعبدا على حسب ما جاء به الشرع، وإلا لو تعبد في تلك المشاعر بما لم يشرعه الله، ولم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون ابتداعا {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا} يعني أمرنا ووصينا {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} ماذا عهد إليهم؟ {أَنْ} {أَنْ} تفسيرية هنا {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} طهراه من الأقذار الحسية والأقذار المعنوية من الشرك والبدع {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} الذين يطوفون حوله {وَالْعَاكِفِينَ} الذين يلازمون المسجد ابتغاء الأجر من الله {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} يعني المصلين.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)}
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} دعا الله عز وجل أن يجعل هذا البلد آمنا، وأن يزرق أهله من الثمرات حتى يفيء إليه الناس، كما قال عز وجل في سورة إبراهيم {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}
{قَالَ} يعني الله {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ} لأن إبراهيم خصص الرزق لأهل الإيمان فقال الله {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ} سأرزقه أيضا {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} يعني في هذه الدنيا {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} يعني ألجئه {إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} يعني ذم لهذه النار التي هي المصير لهؤلاء وهو المرجع.
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)}
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} يعني أسس البيت لبناء هذا البيت كما أمره الله بذلك {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} يعني يساعده إسماعيل حال الرفع يدعوان الله {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} يعني خاضعين لك {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} يعني منقادة مخلصة لك {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} يعني أماكن العبادة ومن ذلك أماكن ومشاعر الحج {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} مع ذلك العمل يطلبون من الله التوبة والمغفرة؛ لأن الإنسان مهما عمل، فإن عمله يشوبه ما يشوبه من التقصير {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
{رَبَّنَا} دعوا الله أن يجعل في هذه الذرية، أو في هذه الأمة رسولا {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ} {يَتْلُو عَلَيْهِمْ} يعني يقرأ مجرد قراءة؛ لأن ما بعد القراءة التعليم، ولذلك قال {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} يعني القرآن {وَالْحِكْمَةَ} يعني السنة، ولتعلم أن الحكمة إذا جاءت مع الكتاب، فالمقصود منها السنة، أما إذا أطلقت كما في قوله تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} فالمقصود من ذلك فهم الآيات الشرعية من ناسخ ومنسوخ وما شابه ذلك إلا إذا كانت مفردة وسيقت في سياق ذكر نبي، فإن المقصود من ذلك النبوة، فقال الله عز وجل {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} بعد التعلم ما الذي يحصل؟ التطهير، {وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)}
{وَمَنْ يَرْغَبُ} يعني لا يرغب {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} يعني أهانها وأذلها وسفهها وحقر نفسه {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} ودل هذا على ماذا؟ على عظم التوحيد {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} يعني اخترناه في الدنيا {وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}
{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)}
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)}
{وَوَصَّى بِهَا} سبحان الله، إبراهيم لما أمر بذلك دعا إلى التوحيد {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} يعني أن يعقوب أيضا وصى أبناءه بالتوحيد
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} يعني اختار {لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني اثبتوا على دين الإسلام حتى يأتيكم الموت {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} لأن اليهود يقولون إن يعقوب على ملة اليهودية فقال الله {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} يعني هل كنتم شهداء {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} أنتم لم تشهدوا ذلك {قَالُوا} يعني الأبناء {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} إسماعيل هو العم، ومع ذلك أدرج من ضمن الآباء؛ لأن العم والد كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة فقال الله {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يعني نحن له مخلصون، ودل هذا هنا على ماذا؟ على أن أبناء يعقوب وهم أخوة يوسف كانوا على ملة التوحيد، لكن هل هم أنبياء أم أنهم ليسوا بأنبياء؟ قولان والصحيح أنهم ليسوا بأنبياء، وسيأتي إن شاء الله ذكر أدلة تتعلق بهذا.
{تِلْكَ أُمَّةٌ} من إبراهيم ويعقوب {قَدْ خَلَتْ} مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الأعمال {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إنما تسألون أنتم عن أعمالكم.
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)}
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} {أَوْ} هنا للتنويع، اليهود تقول للمسلمين كونوا هودا، والنصارى تقول للمسلمين كونوا نصارى {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ} يا محمد لهؤلاء {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} والحنيف هو المائل عن الشرك إلى الدين الحنيف المستقيم وهو ملة التوحيد {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} في أول أمره عليه السلام.
{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)}
{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ} يعني اصدعوا بالإيمان وبينوا لهؤلاء أنكم مؤمنون {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} وهو القرآن {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} يعني وما أنزل على الأسباط، والأسباط هنا الصحيح من أنهم ليسوا أبناء يعقوب، وإنما هم أسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، بدليل كما قال شيخ الإسلام قال: لأن الأسباط كانت موجودة في عهد موسى قال تعالى {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} فدل هذا على أنهم ليسوا بأنبياء، وسيأتي مزيد أيضا من الأدلة بإذن الله تعالى إذا مررنا عليها بإذن الله تعالى {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} لم يقل وما أنزل على موسى وعيسى {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل والدلائل والمعجزات، وقال هنا {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} ولم يقل وما أوتي عيسى؛ لأن عيسى أتى من أجل ماذا؟ من أجل أن يتمم دين اليهودية، ولذلك الإنجيل ليس ناسخا للتوراة، وإنما هو متمم للتوراة {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} على وجه الإجمال {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} فدل هذا على ماذا؟ على أن اليهود فرقوا بين الرسل، لكن هذه الأمة، وأولهم الصحابة لم يفرقوا بين رسول وبين رسول آخر {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
{فَإِنْ آَمَنُوا} يعني اليهود {بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ} مثل هنا بمعنى نفس الشيء كما تقول لرجل: مثلك لا يغضب يعني أنت لا تغضب، ولا حاجة إلى أن يقال مثل زائدة أو الباء زائدة كما قال عز وجل {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} هذه نفس هذه، فالمثل هو نفس الشيء {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} {وَإِنْ تَوَلَّوْا} يعني أعرضوا {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أرادوا ماذا؟ المشاقة والمخالفة والعناد والعداوة لك {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} فاطمئن {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} يا محمد {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وبالفعل كفاه الله عز وجل شرهم، ولذلك أجلى بعضهم، وضرب الجزية على بعضهم، وقاتل بعضهم.
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)}
{صِبْغَةَ اللَّهِ} {صِبْغَةَ اللَّهِ} هنا منصوبة على الإغراء، يعني الزموا صبغة الله، {صِبْغَةَ اللَّهِ} الصبغة هنا دين الله، وسمي الدين بالصبغة؛ لأن الصبغة تظهر على الثوب، ولأن صبغة الثوب تبقى ملازمة للثوب، فدل على أن الدين يجب أن تثبت عليه، وأيضا يجب أن يظهر على جوارحك، {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} الجواب: لا، لا يمكن، وهنا الاستفهام للتحدي المتضمن للنفي {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}.
{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)}
{قُلْ} يا محمد لهؤلاء {أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} أنتم تقولون نحن أبناء الله وأحباء الله ونحن لنا الجنة {قُلْ} لهؤلاء {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} هو ربنا وربكم {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} لكن ما الذي يفرق في أعمالنا {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} وأنتم مشركون.
{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)}
{أَمْ تَقُولُونَ} {أَمْ} هنا بمعنى بل المتضمنة للاستفهام، بل أتقولون {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} والله بين في كتابه {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ولن يجيبوا؛ لأن الجواب واضح {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} الله عز وجل أعطاكم العلم، لكنكم كتمتم الشهادة تعلمون أن محمدا عليه الصلاة والسلام نبي حق {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وفيه تهديد لهؤلاء.
{تِلْكَ أُمَّةٌ} يعني إبراهيم ويعقوب وإسماعيل والأنبياء الذين ذكروا {تِلْكَ أُمَّةٌ} جماعة {قَدْ خَلَتْ} مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الأعمال {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وإنما تسألون عن أعمالكم أنتم.