التفسير الوجيز ـ تفسير سورة البقرة
الدرس ( 10)
من الآية ( 253 ) حتى الآية ( 266 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)}
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فالله عز وجل فضل بعض الرسل على بعض، وأفضلهم هو نبينا عليه الصلاة والسلام {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} وهو موسى عليه السلام، وكذلك النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وكذلك آدم إن صح الخبر بذلك، فقال الله {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} وهي الدلائل الواضحة على صدقه {وَأَيَّدْنَاهُ} يعني قويناه {بِرُوحِ الْقُدُسِ} وهو جبريل {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} يعني بعد مجيء هؤلاء الرسل، وإنزال الكتب لو شاء الله ألا يقتل بعضهم بعضا، لكن الله عز وجل أراد ذلك لحكمة منه عز وجل {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} لكن ما سبب هذا الاقتتال {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا} لما اختلفوا في الكتاب اقتتلوا {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا} وهذا يدل على عظيم خطر الاختلاف، وأنه سبب للقتل، ولذا قدم ذكر القتل على الاختلاف {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} {فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ} بهؤلاء الرسل وبهذه الكتب {وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} فهو عز وجل أراد ذلك لحكمة منه عز وجل.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا} يعني من بعض {مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ} وهو يوم القيامة ونكره للتعظيم {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ} يعني ولا صداقة {وَلَا شَفَاعَةٌ} لا أح يشفع لأحد إلا بإذن الله، ورضاه عن المشفوع له {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ودل هذا على أن الكفر هو أعظم كما أن الشرك أعظم الظلم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)}
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}هذه آية الكرسي، وهي أعظم آية، وكانت أعظم آية؛ لأنها تحدثت عن التوحيد {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي لا معبود بحق إلا هو {الْحَيُّ} له الحياة الكاملة {الْقَيُّومُ} الذي قام بنفسه، ولا قيام لأي مخلوق إلا به عز وجل {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} السنة وهو النعاس، وهو بداية النوم {وَلَا نَوْمٌ} وهذا لكمال حياته، وكمال قيوميته عز وجل {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} الجواب: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي من أمورهم الحاضرة والماضية والمستقبلية في الدنيا وفي الآخرة {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} يعني بما أطلع الله عليه الرسل، فبينوا ذلك لأممهم {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} لله عز وجل كرسي، وهذا الكرسي مخلوق، وهذا الكرسي هو أعظم من السموات وأعظم من الأرض كما ثبت بذلك الخبر من أن السموات والأرض عند الكرسي كخردلة ألقيت في فلاة، يعني في صحراء {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ} يعني لا يثقله {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} يعني السموات والأرض {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ} له علو الذات، وعلو الصفة، وعلو القهر {الْعَظِيمُ} {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)}
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وذلك لأن الدين اتضحت آياته ودلائله، فواجب على هؤلاء الكفار أن يدخلوا فيه، لم؟ لأنه قد تبين واتضح، وأيضا يدخل في ذلك ما ذكره عليه الصلاة والسلام موضحا هذه الآية التي تفصل النزاع بين المفسرين كما في صحيح مسلم (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خلال ادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية) فدل هذا على من أراد من الكفار أن يبقى على دينه، وأن يبذل الجزية، فلا إشكال في ذلك (فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فاستعن بالله على قتالهم) وهنا تتضح هذه الآية {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} يعني تبين الرشد وطريق الحق من الغي وهو طريق الضلالة {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} والطاغوت هو ما تجاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع وذلك كالكهنة والسحرة وأمراء السوء وعلماء السوء {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} وتأمل هنا لابد مع الإيمان بالله أن تكفر بالطاغوت، وإلا لم يكن الإنسان مسلما، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح مسلم: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله وحسابه على الله)
{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ} يعني الحلقة {الْوُثْقَى} يعني أنها القوية {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} يعني لا انقطاع لها، والحلقة إنما تكون في العلو، وإذا كانت قوية واستمسك بها الإنسان، فإنه لا يسقط، فدل هذا على أن من أخذ هذا الدين، واستمسك به حق الاستمساك، فإنه يعلو، وأيضا هو لن يسقط، ولن يتردى {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} يعني لا انقطاع لها {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)}
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا} ولاية خاصة بالهداية والتسديد والتوفيق والإعانة والنصرة {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} من ظلمات الجهل، ومن ظلمات الشبه، وما شابه ذلك {إِلَى النُّورِ} نور العلم نور الإيمان {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} من الشياطين وأشباه هؤلاء {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} هل كانوا في نور؟ نعم، كانوا في نور الفطرة، فأخرجهم الطاغوت إلى الشرك بالله عز وجل، ويصدق هذا أيضا على قوم كانوا مؤمنين برسلهم، فلما عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام كفروا به
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ} من نور الفطرة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة) فقال الله عز وجل {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} وأفرد {النُّورِ}؛ لأن طريق الله واحد، وأما {الظُّلُمَاتِ} جمعها لأنها ظلمات، وطرق للشياطين يتخبط بها الإنسان {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)}
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} هذا نوع ومثال ممن أخرج من النور إلى الظلمات {أَلَمْ تَرَ} رؤية تعجب {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} يعني في توحيد الله {أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} يعني من أجل أن أنعم الله عليه بالملك يحاجج إبراهيم في ربه في توحيد الله {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} بمعنى أنني إذا أردت أن أقتل أحدا قتلته، ومن كتب عليه القتل عفوت عنه {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} إبراهيم لما رآه غبيا بهذا الجواب {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} حينما تشرق من جهة المشرق {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} تحير واندهش الذي كفر {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)}
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ} أيضا هذا معطوف على ما سبق، يعني لترى رؤية تعجب لحال هذا {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} يعني قد سقطت جدرانها على أسقافها التي سقطت {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ولذلك أخذ من هذا أنه أميت في أول النهار، فبعد مائة سنة إذا به يوقظ في آخر النهار، ولذلك ماذا قال {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} يعني لم يتغير مع تلك السنوات {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً} أي علامة {لِلنَّاسِ} على قدرة الله على بعثهم من قبورهم {وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} يعني نرفعها {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)}
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} هنا سؤال من إبراهيم عليه السلام عن الكيفية، وإلا ليس شاكا عليه السلام {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} هو يؤمن بأنه يحيي الموتى، لكن أراد ماذا؟ لأن الله أخبره عنده علم يقيني فأراد أن يرى بعينه عين اليقين، أن يرى كيف يحيي الله الموتى {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ولذلك ثبت الخبر عنه عليه الصلاة والسلام: (ليس الخبر كالمعاينة)
{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} يعني أملهن إليك بحيث تستوثق من أن هذه الطيور كانت في يدك {ثُمَّ اجْعَلْ} يعني قطع هذه الطيور قطعا {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} يعني في مرتفع حتى لا يكون هناك اشتباه أبدا {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} يعني سراعا {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}
{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} شامل لكل أنواع الطاعات من ذلك الجهاد في سبيل الله {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} حبة وضعت في الأرض، ثم أنبتت سبع سنابل {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} يعني شأن من ينفق في سبيل الله، فإن نفقته ينميها الله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولذلك في الآيات السابقات التي مرت معنا {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}
{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لما بين الثواب بين ما هي الصدقة التي تقبل، وهي التي خلت من المن والأذى {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى} كأن يمن على الفقير أعطيتك وأعطيتك، والأذى هو شامل، ولذلك المن نوع من أنواع الأذى، لكن نص على المن؛ لأن المن هو الأغلب والأظهر، الذي يظهره هؤلاء الذين ينفقون ليس ابتغاء وجه الله {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ} يعني الثواب {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} يعني للفقير {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ} يعني تجاوز عنه إذا ألح عليك في السؤال {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ} تعطيها لهذا الفقير {يَتْبَعُهَا أَذًى} لأن الكلمة السيئة تقع في النفس خير من أن تعطيه صدقة تمن بها {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ} هو الذي أغناكم {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة إذا صدر منكم ذنب، بل إنه يمهل عز وجل حتى يتوب العبد.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} يعني الصدقة التي بها من وأذى تبطل كبطلان ماذا؟ {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} كما ينفق المرائي ماله {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} الصفوان هو الحجر الأملس {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} مطر {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا} يعني لم يبق هذا التراب على ماذا؟ على هذا الحجر الأملس، فإذن هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن من كان مرائيا أو مانا بصدقته، فإن حقائقه تنكشف للناس، وأيضا ما يقدمه من هذه الصدقة إنما تذهب هباء منثورا، ولا أجر له، كحال ماذا؟ كحال هذا التراب الذي على هذا الحجر الأملس {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} مطر شديد {فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} يعني يوم القيامة كما قال تعالى {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)}
{لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} طلبا لمرضات الله {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} يعني احتسابا عند الله، وأيضا طيبة بها نفوسهم، وأيضا بمعنى أنهم أيضا يتثبتون حينما يعطونها الفقير، وأيضا هم يحسنون الظن بالله أن يخلف عليهم {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} دل هذا على أن هذا التثبيت من النفس تثبيتا يعني من أنه صادر من النفس {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ} كمثل بستان {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} يعني في مكان مرتفع {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ} يعني أصابها مطر شديد {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} يعني أثمرت ثمارا مضعفا لا يثمر غيرها كما تثمر {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} يعني إن لم يصبها المطر الشديد يصبها رذاذ يسير من المطر، ومع هذا إن أصابها مطر شديد، أو أصابها مطر خفيف فإنها تثمر، وهذا حال ماذا؟ حال الصدقة التي ينفقها الإنسان، فإنه ينميها الله له {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} أيتمنى أحدكم {أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} يعني بستان {جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} لكن ما الذي جرى؟ {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} صار شيخا كبيرا {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} يعني ذرية لا يستطيعون القيام على هذه الجنة {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} وهو الريح {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} ما حال هذا الشيخ الكبير؟ وما حال ذريته بعد أن فنيت تلك الجنة، وهو كبير في السن، وأيضا عنده ذرية ضعفاء، إذن كل شيء ذهب منه، فهذا حال ماذا؟ حال من أنفق ماله ليس ابتغاء وجه الله، يأتي يوم القيامة {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} ويدخل فيه أيضا دخولا أوليا ما فسر به ابن عباس من أن الإنسان يكون له العمل الصالح، وإذا به يأتي بالسيئات، وبالسيئات، فإذا بالسيئات تبطل الحسنات، فقال الله عز وجل {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ} يعني كما بين لكم ما مضى من تلك الأمثال {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ} كل الآيات من أجل ماذا؟ {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.