تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 33) حتى الآية (43 )الدرس(39)

تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 33) حتى الآية (43 )الدرس(39)

مشاهدات: 777

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة المائدة

الدرس ( 39)

من الآية ( 33 ) حتى الآية ( 43 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قول الله عز وجل:

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)}

 {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} {جَزَاءُ} يعني عقوبة، {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وذلك بمخالفة شرعه عز وجل، {يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} وهذا فيما يتعلق في أظهر أقوال أهل العلم بالمحاربين الذين يظهرون على الناس، ويسطون عليهم؛ ليقتلوهم، أو ليأخذوا أموالهم، أو ما شابه ذلك من أنواع السطو Kوهذا يشمل على الصحيح يشمل البَر والحضر يعني داخل القرى، ويشمل البحر، {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} هؤلاء المحاربون إذا تمكنا منهم فماذا يصنع بهم؟ ما ذكره عز وجل {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} القتل المعروف، وأتى بالتضعيف التشديد للتنكيل بهم، {أَوْ يُصَلَّبُوا} أي يوضعون على مكان مرتفع؛ ليظهر خبث فعلهم، {أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} يعني ليس من جهة واحدة، وإنما تقطع اليد اليمنى مع القدم اليسرى، ولا تقطع اليد اليمنى مع القدم اليمنى، {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} وذلك بأن ينفيهم الوالي من بلدة إلى بلدة، فلا يستقر لهم قرار، وفي مثل هذا الزمن قد يتعذر، ولكن الحبس يحل محله، {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} هل { أَوْ } هنا للتنويع أم للتخيير؟ هل للحاكم أن يختار ما يشاء؟ الصحيح أن { أَوْ } هنا للتخيير، فمن قتل النفوس وأخذ المال في الحرابة يقتل ويصلب، ومن أخذ المال فتقطع يده ورجله من خلاف، ومن قتل دون أخذ المال فيقتل، ومن لم يقتل ولم يأخذ المال، وإنما أخاف الناس لينفَ من الأرض {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} يعني يُحبَس، {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ} أي الحكم السابق {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ} وهو العار {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} يعني من سلم نفسه قبل أن يقبض عليه الحاكم، أو رجال الأمن فإن ما يتعلق بحقوق الله عز وجل من قتل وصلب وما شابه ذلك تسقط، أما حقوق الآدميين فلو قتلوا شخصا، وأخذوا ماله فإن به خلاف، ولذلك بعض أهل العلم يقول حقوق الآدميين ما تسقط، بينما الطبري وكذلك ابن كثير قالا: “من تاب من هؤلاء قبل أن يُقبَض عليه فإن أي حق مترتب عليه يسقط من حقوق الله ومن حقوق الآدميين” فقال الله عز وجل {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} فإذا قبض عليهم ثم تابوا، توبتهم بينهم وبين الله، لكن الأحكام تنفذ عليهم متى تسقط؟ إذا سلموا أنفسهم قبل أن يقبض عليهم {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}ما الذي أدرانا من أن هذه الأحكام تسقط عنهم إذا تابوا قبل أن يقبض عليهم؟ آخر الآية {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يعني بما اقترفوه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)}

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا} يعني اطلبوا {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي ما يقربكم، {الْوَسِيلَةَ}يعني الطريقة التي هي القربى، أي ما يقربكم إلى الله {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} بالمال وباليد وبالقول، {لَعَلَّكُمْ} الثمرة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)}

 {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} وهذا تأكيد، {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} يعني مثل ما في الأرض يعني مضعف، {لِيَفْتَدُوا بِهِ} ليتخلصوا به، {لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} إنما الذي ينجي العبد طاعة الله، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا} إذا دخلوا في النار، {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} أي مستمر.

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)}

 {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} لما ذكر السرقة الكبرى وهي المحاربة، ذكر السرقة الصغرى، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} يعني الكف، وليس المراد أن تقطع اليد كلها، وإنما الكف، {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً} أي عقوبة {بِمَا كَسَبَا} أي بما اقترفا {نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} تنكيلا لهم وردعا لهم ولأمثالهم {نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} إثبات اسمين من أسمائه عز وجل العزيز والحكيم، ويتضمنان إثبات صفة العز والحكمة، {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} فمع التوبة يصلح، {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} فيقبل توبته {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)}

 {أَلَمْ تَعْلَمْ} استفهام تقريري يعني أنت تعلم، {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} من شاء أن يعذبه، {وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إثبات اسم القدير لله عز وجل، ويتضمن إثبات صفة القدرة لله عز وجل.

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)}

 {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} يتسابقون في الكفر {يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} من هم الذين يسارعون في الكفر؟ {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} أي من اليهود أيضا يسارعون في الكفر، هذا الوقف على هذا القول، هناك قول {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} ثم استأنف {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} لكن الأشمل أن يوقف عند {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} ثم بعد ذلك صفات هذين الصنفين {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} يعني أنهم يستمعون سماع قبول للكذب {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} لكي يكذبوا عليك يا محمد {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} وذلك لأنه على الأشهر من الأقوال من أن اثنين امرأة ورجلا قد زنيا، فالرجم في التوراة، فقالوا اذهبوا إلى محمد فإن حكم لكم بأن يجلدا وأن يعيرا ويشهر أمرهما فاقبلوا حكمه، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا قوله، فلما آتوا قال ما الذي في التوراة؟ قالوا من أننا نجلدهم ونعيبهم، فقال لتأتوا بالتوراة فآتوا بها فلما قرئت وضع أحدهم يده على آية الرجم، فرفعها مَن في المجلس فتبين أن الرجم موجود في التوراة، قال الله عز وجل {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} يعني كلام الله {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} وذلك بأن يكتم، من أنواع التحريف: الكتم، أو التبديل اللغوي، أو المعنوي، {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ} يعني من قعد يقول لمن ذهب {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يعني فاقبلوه وهو ماذا؟ الجلد لهذه، {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} يعني إن حكم لكم محمد بغير هذا فلا تقبلوه، {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} إثبات صفة الإرادة لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} يعني إضلاله {فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ} وهم الأصناف السابقون {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من الشرك والنفاق وتلك الصفات، لم؟ لأنهم لم يستعدوا ولم يذعنوا للأخذ بهذا الشرع فعاقبهم الله عز وجل، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي عار وذنب {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)}

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أعاده مرة أخرى؛ لأنهم يقبلون سماع الكذب {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} هذا من حيث القول، من حيث الفعل {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} {لِلسُّحْتِ} السحت: المال الحرام من الرشوة والربا، وهذا معروف عند اليهود، وقال {أَكَّالُونَ} للمبالغة {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ} لتحكم بينهم{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لا تحكم لهم أنت مخير، {وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ} يعني بين هؤلاء {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} يعني بالعدل {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} يعني العادلين، وهذه الآية قيل إنها منسوخة للآية التي ستأتي، {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وقال بعض المفسرين: ليست منسوخة، بل هو مخير صلى الله عليه وآله وسلم، وأما قوله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فهو بيان للطريقة التي يحكم بينهم، وهو مخير فيها.

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} استفهام تعجبي، يعني ما أرادوا تحكيمك لذات الحق، وإنما للبحث عما يوافق أهواءهم، {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} وهو الرجم لمن زنى وكان محصنا، {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} لأنهم ما أرادوا الحق، وإلا فالحق في التوراة، وهو الرجم للزاني المحصن.

نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم على نبينا محمد.