تفسير سورة النساء ( التفسير الوجيز ) من الآية (71 ) حتى الآية (87 )الدرس(26)

تفسير سورة النساء ( التفسير الوجيز ) من الآية (71 ) حتى الآية (87 )الدرس(26)

مشاهدات: 749

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة النساء

الدرس ( 26)

من الآية ( 71 ) حتى الآية ( 87 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} يعني خذوا التيقظ من الأعداء، {فَانْفِرُوا} يعني إلى الجهاد في سبيل الله {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ} يعني جماعة جماعة، وهي السرايا، {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} يعني لينفر الجيش كله، {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}.

{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} يعني يتأخر، ويؤخر غيره عن الجهاد {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} من هزيمة ونحو ذلك، {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} يعني في هذه المعركة.

 {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} من نصرة وغنيمة {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} يعني محبة جملة {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} متعلقة بالتي قبلها يعني {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ}.

{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} يعني حضرت في هذه المعركة {فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} لأن همته فقط للدنيا {فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)}

{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لإعلاء كلمة الله {الَّذِينَ يَشْرُونَ} يعني يبيعون {الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} يعني يبيعون الحياة الدنيا {الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ} يعني ينتصر، {أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)}

 {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ} هذا حثٌّ لهم على الجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} يعني لتخليص المستضعفين الضعفاء {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} يعني الذين في مكة {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} يعني الصغار {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} يعني مكة {الظَّالِمِ أَهْلُهَا} يعني أهلها ظلمة، ولذلك وصف الظلم بهم، ولم توصف مكة بالظلم، {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} يعني يتولى أمورنا {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} يعني ينصرنا.

{الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)}

 {الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لإعلاء كلمة الله لا يريدون شيئا آخر، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} والطاغوت هو ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع، ويدخل في ذلك الشيطان، فقال عز وجل {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} وذلك لأنه مقابل ماذا؟ مقابل هؤلاء المؤمنين الذين يمدهم الله عز وجل بقوة منه {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)}

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} وهذا في أول الأمر يعني هذه تصدق على ضعفاء الإيمان، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} هذا في أول الإسلام {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} يعني لا جهاد، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} هذا هو الواجب عليكم إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} يعني يخشون الناس إما أن يكون أعظم من خشيتهم لله، فإن لم يكن فإنهم يساوون ذلك خشيتهم للناس تكون {كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ} فرضت {عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} لمدة قريبة إذ نموت بأجالنا دون قتال، نموت هكذا من غير سبب، {لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} ولو طالت أعماركم {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ} الآخرة وما فيها من الثواب{ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} الشيء اليسير لا تُظْلَمُون، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} والفَتِيل هو الخط الذي يكون في نواة التمر، معلوم نواة التمر بها خط، هذا هو الفتيل، والنقير النقطة التي تكون خلف نواة التمر، وأما القطمير فهو القشرة التي تكون على نواة التمر

{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) }

 {أَيْنَمَا تَكُونُوا} هذا للعموم، {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} يعني أنتم خفتم فقلتم لم كتبت علينا القتال {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ}  يعني حصون شديدة وعظيمة {مُشَيَّدَةٍ} يعني قوية ومحكمة، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} يعني الشئ الذي هو مستحسن من نعمة، من مال، من رزق، وليس المراد الحسنة الطاعة، لا، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ما يسوءهم من فقر، أو مرض، أو ما شابه ذلك، {يَقُولُوا هَذِهِ} يا محمد {مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الحسنة والسيئة، {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}.

{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)}

{مَا أَصَابَكَ} يعني أنت أيها الإنسان {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} يعني مما هو يروق لك ويوافقك {فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} من مرض وفقر وما شابه ذلك {فَمِنْ نَفْسِكَ} بسبب ذنوبك {وَأَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} يشهد لك بالرسالة، وإن لم يشهد لك هؤلاء بالرسالة، {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}.

 {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} لأن الله هو الذي أرسله، {وَمَنْ تَوَلَّى} يعني أعرض {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} يعني تحفظ أعمالهم وتجازيهم، إنما عليك البلاغ، {وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}.

{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}

 {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} هؤلاء المنافقون إذا التقوا بك يا محمد يقولون طاعة يعني نحن نطيعك، {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} فقط بألسنتهم، {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا} يعني خرجوا {مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ} يعني بالليّل {طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} وهم الكبراء {غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} فهو ينصرك ويحفظك من هؤلاء ومن غيرهم.

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} إنكار لهم إذ لم يتدبروا القرآن، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا} أي تناقضاً {كَثِيرًا} ومعلوم أن الإنسان إذا تكلم بكلام كثير كثير فإنه يوجد عليه التناقض، فكلام الله عز وجل كثير في هذا الكتاب، ومع ذلك فهو مُحكم مُتقن، {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.

{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}

 {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} إما هؤلاء هم المنافقون، أو ضعفاء الإيمان، {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} {أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} يعني انتصار للمسلمين، {أَوِ الْخَوْفِ} يعني حصلت هزيمة للمسلمين، {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} يعني نشروه {أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} يعني العلماء، {وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} يعني يستخرجونه {مِنْهُمْ} يعني كان هؤلاء أعلم من هؤلاء بالمصالح، هل من المصلحة أن يظهر هذا الشيء أم أنه يخفى، {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فإن كان خيراً قالوا لهم انشروه، وإن كان غير ذلك قالوا اكتموه {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}.

{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)}

 {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني يا محمد {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} يعني لو لم يكن إلا أنت وحدك فقاتل، لكن الصحابة رضي الله عنهم لم يتركوه عليه الصلاة والسلام، {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ} يعني هيج، وَأَغْرِ {الْمُؤْمِنِينَ} عَلَى الْقِتَالِ {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ} {بَأْسَ} يعني قوة {بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا} يعني قوة من هؤلاء، {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} يعني عذابا ينزله على هؤلاء، {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}.

{مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)}

  {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} يعني يشفع لأخيه المسلم بشفاعة حسنة؛ ليوصل إليه الخير {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ} يعني جزء {مِنْهَا} فله الأجر من الله عز وجل، {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً} يعني يشفع من أجل أن يوصل الضر إلى أخيه المسلم، {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} يعني نصيب منها {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} يعني أنه حافظ عز وجل، ومهيمن، ويوصل الخير والرزق إلى العبد.

{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)}

 {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} يعني إذا قيل لكم: السلام عليكم، فردوا بمثلها: وعليكم السلام، أو زد أفضل منها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} سيحاسب العباد إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}.

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)}

 {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي لا معبود بحق إلا هو، {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} قسم {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} يعني وأنتم في القبور تجتمعون، ثم المرد إلى يوم القيامة، {لَا رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه، {وَمَنْ أَصْدَقُ} استفام هنا للنفي، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} الجواب: لا أحد أصدق من الله حديثا، ونكمل غدا إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.