(مختصر فقه العبادات) [ 20 ] كتاب الصلاة ( أحكام الإمامة )

(مختصر فقه العبادات) [ 20 ] كتاب الصلاة ( أحكام الإمامة )

مشاهدات: 719

بسم الله الرحمن الرحيم

مختصر فقه العبادات [ 20 ]

– كتاب الصلاة – أحكام الإمامة

للشيخ/ زيد البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحكام الإمامة:

مسألة: [الأولى بها الأقرأ العالم فقه صلاته، والأقرأ هو الأكثر حفظاً على الصحيح؛ وإن كانوا في القراءة سواء فالأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة؛ ثم الأقدم إسلاماً؛ ثم الأكبر.

 وأما ساكن البيت وإمام المسجد فهما أحق من غيرهما؛ والمستأجر أولى من المالك]

الشرح/ هذا الترتيبُ الذي وردَ عن النبيِّ ﷺ في صحيح مسلم؛ صدرُ الحديث:

“يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ؛ فَإِنْ كَانُوا في الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً؛ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً؛ فَإِنْ كَانُوا في الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا ” وفي رواية: ” أَكْبَرُهُمْ سِنًّا ” (2)

من هو الأقرأ: هل هو المُجَوِّد؟ أم أنه الأكثرُ حفظاً؟

الصحيحُ أنه هو الأكثرُ حفظًا؛ لحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه: ” َلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا ” (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصاحبُ البيت أولى بالإمامة مِن غيرِه لأن بيتَه سلطانُه؛ وإمام المسجد سلطانُه هو المسجد، ولكن لو اجتمع مالكُ البيت والمستأجر فالأحقُّ هو المستأجر؛ لأنه يملك منافعَها بالأجرة التي دفَعَها إلى المؤجر.

  قال النبيُّ ﷺ: ” لاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ ” (4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وولي الأمر الأكبر أحقُّ مِن إمامِ المسجد؛ فسلطانُه أقوى؛ لأنه لو شاء هذا الوليّ لعَزَل هذا الإمام مِن منصبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة:

[تصح الصلاة خلف إمام فاسق على الصحيح ما لم تكن المعصية مخلة بواجب في الصلاة]

الشرح/ تصح الصلاةُ خلفَ إمامٍ فاسق؛ لقوله ﷺ كما عند البخاري:

 ” يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ” (1)

” يُصَلُّونَ لَكُمْ ” يعني: الأئمة. وفي مسند الإمام أحمد: ” فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ “

فالصحابةُ رضي الله عنهم كابن عمر كان يصلي خلفَ الحجاج بنِ يوسف الثقفي (2)  وهو القَتَّالُ لكثير من المسلمين

وابنُ مسعود رضي الله عنه كان يصلي خلفَ الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط وكان يشربُ الخمر (3).

إلا إذا كان الفسقُ في الصلاة: في تَرْكِ واجبٍ مِن واجباتِ الصلاة، مثلاً: فاسق تَرَك أو يترك تسبيحة الركوع؛ أو يترك التشهد الأول؛ أو يترك التسميع؛ فالصلاةُ خَلْفَه باطلة؛ لم؟ لأنه أخَلَّ بواجبٍ مِن واجباتِ الصلاة، فَفِسْقُه في واجبٍ مِن واجباتِ الصلاة، أما إذا كان خارجَها: فالصحيحُ الصحةُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [تصح الصلاة خلف المخالف في الفروع]

الشرح/ سبق الحديث عن هذه المسألة والتمثيلُ عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [الصحيح أن إمامة الصبي المميز بالبالغ صحيحة]

الشرح/ هذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل يصح أن يكونَ الصبيُّ المُمَيِّزُ إمامًا؟ -لأن غير المميز كما سبق معنا لا تصح منه صلاة- فإمامةُ الصبيّ المميز بالبالغ: الصحيح أنها صحيحة؛ فقد ثبت في صحيح البخاري أن عمرو بن سَلِمَة الجرمي كان يؤمُّ قومَه وهو ابنُ سبعِ سنين؛ قال:

” فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ ” (1)؛ فهذا هو دليل الصحة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [لا تصح إمامة المرأة للرجال؛ وتصح إمامتها بالنساء]

الشرح/ النبيُّ ﷺ قال كما عند مسلم: “وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا “(2)

وقد جاء عند ابنِ ماجه لكنه ضعيف: ” ألا لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا ” (1)

فإمامتُها بالرجل لا تصح؛ وهو قولُ الجماهير من العلماء

خلافاً لبعضِ العلماء: إذ إنهم استدلوا بما جاء عند أبي داود:

من أن أُمَّ وَرَقَةَ سألت النبيَّ ﷺ أن تؤمَّ أهلَ دارِها؛ فأمرَها أن تتخذَ مؤذِنا؛ فكان مؤذنُها شيخا كبيرا

” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا في بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا.”(2)

فقالوا: إنَّ أمَّ ورقة تؤمُّ أهلَ دارِها ومن بينهم هذا الشيخ؛ والصحيح: أنه ليس هناك دليل صريح على أن هذا الشيخ المؤذن كان يصلي خَلْفَها؛ كيف يكون والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:

” خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا ” لا يمكن أن يتفق مع هذا!

وأما إمامتُها بالنساء: فهي ثابتة كما في فِعل أمِّ ورقة؛ كانت تؤم أهلَ دارِها

 وتكونُ في إمامتِها بالنساء: في الوسط، استحباباً.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [الصحيح أن الإمام إذا ابتدأ الصلاة جالساً وجب عليهم الجلوس

 أما إن ابتدأ قائما بهم ثم اعتلّ فجلس صلوا قياماً]

الشرح/ إذا كان الإمامُ لا يستطيع القيامَ فيُصلي وهو جالس، لكن مَن خَلْفَه يستطيعون القيام:

 هل يصلون معه جلوساً مع قدرتهم على القيام متابعةً له؟ أم أنهم يصلون قياماً؟

خلافٌ بين العلماء؛ والصحيح: -جمْعاً بين الأدلة- أنه إن ابتدأ بهم الصلاةَ جالساً فيصلون جلوساً؛ فالنبيُّ ﷺ لما سقطَ به فرسُه صلّى قاعدًا؛ فصلى الصحابةُ مِن خَلْفِه قياما؛ فأشار إليهم أن اجلسوا؛ وقال:

” إِنْ كِدْتُمْ آنِفِا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ “

كما جاء عند مسلم: “عَنْ جَابِرٍ قَالَ اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا؛ فَصَلَّيْنَا بِصَلاَتِهِ قُعُودًا فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ:

 ” إِنْ كِدْتُمْ آنِفِا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ؛ فَلاَ تَفْعَلُوا ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا “(1)

لكن لو أن الإمام ابتدأ الصلاةَ قائماً؛ ثم أصابته عِلّة فلم يستطع القيام فجلس؛ هل يجلسون؟

الصحيح: أنهم لا يجلسون، ودليل هذه المسألة:

أن أبا بكر رضي الله عنه في مرضِ موتِ النبي ﷺ كان يصلي بهم؛ فأتِيَ بالنبي ﷺ وفيه من التعب ما فيه فصلى عن يسار أبي بكر جالسا؛ فكان يصلي ﷺ جالساً؛ وأبو بكر ومَن خَلْفَه يصلون قياماً  (2)

 هذا هو رأيُ الإمامِ أحمد؛ قال: جمْعاً بين الأدلة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[ضابط: مَن صَحّت صلاتُه صَحّت إمامتُه؛ كما عند شيخ الإسلام رحمه الله؛ إلا إمامة المرأة]

الشرح/ هذا ضابط مَن صَحّت صلاتُه صَحّت إمامتُه؛ بِقَطْعِ النظر عن مخالفته، أو مخالفةِ الجماعة لحديث النبي ﷺ: ” يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه “(1)  الأولى أن يتبعوا ما جاء في هذا الحديث، لكن لو حصل تقديمٌ للمفضولِ على الفاضل؟

 فإن الصلاةَ صحيحة؛ والإمامة تكونُ صحيحة.

فمَن صَحّت صلاتُه صَحّت إمامتُه إلا المرأة: فصلاتُها صحيحة لكن لا يصح أن تكونَ إماماً للرجال،

 وأما إمامتُها بالنساء: فهي صحيحة؛ كما سبق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مسألة: [من علم حدث إمامه لم تصح صلاة المأموم؛ وكذا إن علم نجاسة ثوب أو بدن إمامه]

الشرح/ هذه المسألة عمّن علِم قبل الصلاة:

لو أن المأموم يعلم بأن الإمام مُحدِث فصلى خَلْفَه فصلاة المأموم باطلة؛ سواء كان هذا الإمامُ عالماً أو جاهلاً؛ كأن يعلم أن هذا الإمام قد أكَلَ لحمَ جزور؛ قد يكون هذا الإمام نسي؛ فإذا علِمَ المأمومَ حدَثَ إمامِه فلا يجوزُ أن يأتَمَّ به؛ وكذلك لو علِمَ نجاسةَ ثوبِه: فلا يجوز أن يأتَمَّ به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [يكره أن يؤم قوما يكرهونه]

الشرح/ لقوله ﷺ: ” ثَلَاثَةٌ لا تُجاوِزُ صَلاتُهُم آذانَهُمْ ” ذكر منهم: ” إمامُ قَوْمٍ وهُمْ لَهُ كارِهون ” (1)

قال بعضُ العلماء: هذا إذا كرِهَه الأكثر بحق؛ أما إذا كرهوه بغير حق فلا كراهة

 وكذا إن كَرِهَه الأقل: فلا كراهة.

 وبعض العلماء يقول: إن الأصل في صلاةِ الجماعة اجتماعُ القلوب؛ ومِن ثَم فإذا كرهوه بحق أو بغير حق: فليدع الصلاةَ بهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقف المأموم مع إمامه

مسألة: [للمأموم أن يقف مع إمامه على النحو التالي على سبيل الأفضلية:

1- من خلفه.

2- عن جانبيه.

3- عن يمينه فقط.

أما إن كانوا عراة: فوسطهم وجوباً إن لم يكونوا في ظلمة.

والصحيح: أنه لو صلى عن يساره مع خلو يمين إمامه فالصلاة صحيحة؛

 ولو صلى قدام إمامه فلا تصح إلا عند الضرورة كأيام الجمعة ونحو ذلك]

الشرح/ هذا هو موقفُ المأموم مع إمامه

الأصل أن الإمام يكونُ في المقدمة؛ والمأمومين مِن خَلْفِه،

فإن صلوا عن يمينه وعن يساره: فلا بأس في ذلك؛ لأنه كما جاء عند مسلم كان في أول الإسلام ثم نُسخ: كان موقف الاثنين مع الإمام عن يمينه وعن يساره.

وإن صلوا عن يمينه واليسارُ خالٍ: فكذلك يصح كما فعل النبي ﷺ مع أبي بكر رضي الله عنه، كان أبو بكر عن يمين النبي ﷺ (1).

 وأما إذا كان المأمومُ عن يساره لكن اليمين خالٍ: فإن اليمين إذا كان فيه أحد فلا حرج في ذلك؛ لكن إن كان اليسارُ فيه المأموم؛ لكن اليمين قد خلا، فهل تصح أم لا؟

المذهب: لا تصح. جمهورُ العلماء: تصح؛ وهو الصحيح، والدليل:

ما جاء في الصحيحين أن ابنَ عباس رضي الله عنهما صلى مع النبي ﷺ صلاةَ الليل؛ فقام عن يساره وقد شرع في الصلاة؛ فأخَذَه النبيُّ ﷺ وجعله عن يمينه (2)؛ مع أن ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما ابتدأ الصلاة وهو عن يساره. وهذا هو القولُ الصحيح. وما ثبت في النفل يثبتُ في الفرض إلا بدليل.

أما إذا صلى قُدامَ إمامه؟

 قال بعضُ العلماء: تصح مطلقاً بعذر أو بدون عذر. وبعضُ العلماء قال: لا تصح مطلقاً

وقال بعضُ العلماء: وهو رأيُ شيخ الإسلام رحمه الله وهو قولٌ وسط؛ أنه عند الضرورة تصح؛ وذلك مثل أن يحصل زحام في الجُمَع أوفي الأعياد؛ فصلى البعضُ أمامَ إمامِه؛ فإن صلاتَه صحيحة

كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى الكبرى (2/332) بعدما ذكر أن المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء: ” القول الثالث: أنها تصح مع العذر دون غيره؛ مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيرا له من تركه للصلاة. وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد، وغيره. وهو أعدل الأقوال وأرجحها؛ وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر.

وإن كانت واجبة في أصل الصلاة، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط؛ ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام، والقراءة، واللباس، والطهارة، وغير ذلك ” ا.هـ

 

أما العراة/ إذا كانوا جماعةً كلهم عُراة: كأن يَسطو جماعة مِن قطاع الطرق، ويَسلِبوا ما لديهم مِن لباس، فيدعوهم عُراة، فإنهم يُصلّون جماعة، لكن هل يصلي إمامُهم في وسَطَهم (يعني في الصف) وجوباً أو استحباباً؟

ج/ قولان، والصحيح: أنه يصلي بينهم وجوباً،

لأن تَقَدُّمَ الإمام في غيرِ هذه الحال سُنّة، وهو مأمورٌ بأن يستُرَ عورَتَه؛ ما استطاع؛ وهذا يحصل بكونه معهم وسطاً.

ومن الأدلة: أن النبي ﷺ في أول الأمر صلى بين جابر وجبّار رضي الله عنهما؛ وهو وسطهم؛ وليس هناك عذر، فمن باب أولى إذا كان هناك عذر، قال جابر رضي الله عنه كما جاء عند مسلم: ” ثم جئتُ حتى قمتُ عن يسارِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ فأخذَ بيَدي فأدارَني حتى أقامَني عن يمينِه، ثم جاءَ جبارُ بنُ صخرٍ فتوضَّأَ؛ ثم جاءَ فقامَ عن يسارِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأخذَ رسولُ اللهِ ﷺ بيدَينا جميعًا فدفعَنا حتى أقامَنا خلْفَه “.

وحديث النبي ﷺ: ” احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ “؛ وهذا عام، يشمل حال السراء وحال الضراء.

 والنبي ﷺ قال: ” منِ كانَ منكُنَّ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر، فلا تَرفع رَأسَهَا حتى يَرْفَعَ الرجالُ رُؤُوسهم ” كَرَاهِيةَ أن يريْنَ مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَال “؛ فإذا كانت المرأة تمنع من ذلك، فكيف بمثل هذه الحال! لاسيما أنها سوف تتأخر في الرفع، لأهمية ستر العورة.

إلا إذا كانوا في ظُلمة: فيجوز أن يتقدمهم الإمام لأنهم لا يرونه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [الصحيح: أن المنفرد خلف الصف إذا لم يجد فرجة فصلاته صحيحة؛ فإنه لا واجب مع العجز ولا يجذب أحداً والحديث فيه ضعيف، أما إن كان غير معذور: فتبطل إلا إن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، أما المرأة خلف صف الرجال فتصح؛ وحكمها مع إمامة النساء ومع صف النساء كالرجل مع الرجال]

الشرح/ قال ﷺ: ” لا صَلاةَ لفَردٍ خلفَ الصفِّ ” (1)

ولما رأى عليه الصلاةُ والسلامُ رجلاً يصلي خلفَ الصفّ أمَرَه بأن يُعيدَ الصلاة (2)

فقال بعضُ العلماء: إن صلاتَه صحيحةٌ مطلقاً

وقال بعضُهم: لا تصح مطلقاً

والقولُ الوسط: أنها تصح إذا لم يجد فُرجَةً في الصفّ؛

 لأنه لو لم يدخل لربما فاتته الصلاة؛ فيفوتُه فضلان: فضلُ المكان، وفضلُ الاجتماع، فكونُه يصلي مع الجماعة أفضل مِن أن يصليَ وحدَه.

قال عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (3) وهذا عذر؛ ولذا تصحُّ صلاةُ المرأة خلفَ الرجال؛ لم؟  للعذر؛ فكذلك الرجل إذا وُجِدَ العذر فصلاتُه خلفَ الصفّ صحيحة.

أما أمرُهُ ﷺ لذلك الرجل أن يُعيدَ الصلاة، فقد اختلف العلماء هل هو ثابت أم غيرُ ثابت، وعلى افتراض أنه ثابت: فلربما كان هناك أمْرٌ آخَر دعا النبيَّ ﷺ أن يأمرَه بإعادةِ الصلاة.

وبعضُ العلماء قال: ينتظر حتى يجدَ أحداً؛ فإن لم يجد يصلي وحدَه؛ لكن إن فَرَّطَ فإن صلاتَه على القول الصحيح: باطلة.

وهل يجذب أحداً؟

ورد حديث: ” أَيُّهَا الْمُصَلِّى وَحْدَهُ أَلاَ وَصَلْتَ إِلَى الصَّفِّ أَوْ جَرَرْتَ إِلَيْكَ رَجُلاً فَقَامَ مَعَكَ أَعِدِ الصَّلاَةَ ” (1) لكنه حديثٌ ضعيف

ومن ثَمَّ: فلا يسحبُ أحداً؛ لأن فيه جنايةً على هذا المسحوب؛ كيف تُخرِجُه مِن مكانٍ فاضل إلى مكان مفضول، لكن هذا الرجل المنفرد لو صلى خلفَ الصف مع وجود فُرجة؛ فصلاتُه صحيحة متى؟

ج/ إذا جاء شخصٌ وصلّى معه قبل أن يرفعَ الإمامُ من الركوع

تصوَّر: لو أنه دخل في الصف؛ وقف في الصف لوحده؛ ثم ركع الإمام؛ ثم ركع معه ولم يأتِ أحد، فإن رفعَ الإمام من الركوع، ثم أتى شخصٌ آخَر: فصلاةُ هذا المنفرد باطلة

 لكن إن جاء شخصٌ فأدرَكَ الإمامَ مع الركوع: فصلاةُ هذا الرجل صحيحة.

المراد: إذا لم يأتِ معه في الركوع قبلَ رفْعِ الإمام شخصٌ في أولِ صلاتِه، فصلاتُه باطلة

فإذا لم يوجد فُرجة؟ فكما قلنا: الصحيح أنه يصلي؛ ولا واجبَ مع العجز.

 أما المرأة فتصلي خلفَ الرجل: فالنبيُّ ﷺ كما جاء عند البخاري صلى بأنس رضي الله عنه؛ وأنس خَلفَه واليتيم؛ قال: ” وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا “

” قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا(2)

وكذلك تصح صلاة المرأة مع صف الرجال خلفهم: لقول النبي ﷺ: “َخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا ” (1)

والمرأةُ تأخذ هذه الأحكام مع النساء: فلو أن هناك صفاً من النساء، وأتت امرأة فصلّت خلف صّفِّهِنّ مع وجودِ فُرجة: فصلاتها باطلة؛ مثل ما يكونُ للرجال من هذه الأحكام يكونُ للمرأة مع النساء.

لو أن هناك امرأتين كانت إحداهما إمامة، والأخرى مأمومة؛ فهذه المأمومة تأخرت: فصلاتُها باطلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [إمامة النساء تقف وسْطَهن ندباً]

الشرح/ أسلفنا الحديث عن هذا لأن المرأة مأمورة بالستر؛ فكونها تكون وسط صف النساء فهذا أفضل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [المرأة إذا كانت أمام الرجال كما في الحرم مثلاً فالصلاة صحيحة على الصحيح]

الشرح/ قد يكون أمام الرجال صفٌّ مِن النساء؛ هل تصحُّ صلاةُ هؤلاءِ الرجال؟ الصحيح أنها تصح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [يصح اقتداء المأموم بإمامه إذا كان في المسجد ولو بينهم مسافة إذا كان معه من يزيل فذيته إذا سمع التكبير، أما إن كان خارج المسجد فيشترط: أن يسمع التكبير؛ وأن تتصل الصفوف؛ والمرجع في اتصالها إلى العرف]

الشرح/ إذا كان المأموم في المسجد فصلى مع إمامه، سواءٌ كان أعلى المسجد؛ أم في مكانٍ أسفل المسجد؛ وهو ما يسمى قديماً بـ (الخلوة)

فلو صلى في المسجد ومعه شخصٌ آخَر ليُزيلَ فِذّيته؛ -لأنه لو صلى لوحده فصلاتُه باطلة-

هنا مصلى النساء المستقل: لو أن شخصا يصلي خلفنا ومعه شخصٌ آخَر؛ فصلاتُه صحيحة؛ لم؟

لأن هذا الاقتداء في المسجد؛ لكن يُشترط أن يسمعَ التكبير؛ حتى يتمكَّن مِن الاقتداء بالإمام؛ والمرادُ من هذا الصحة؛ وإلا فالنبيُّ ﷺ قال:

 ” أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِى يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ ” (1)

لكن الكلام هنا على الصحة؛ هل تصحُّ الصلاة أم لا؟

فالصلاةُ صحيحة إذا كان في المسجد.

لكن إذا كان خارج المسجد: يشترطُ مع سماعِ التكبير أن تتصلَ الصفوف؛ لا بد أن تتصلَ الصفوف؛ بمعنى ألا يبقى مكانٌ في المسجد. وهذا هو القولُ الصحيح.

وما يفعله البعض من الصلاة في الشقق التي بجانب الحرم؛ لكونهم يسمعون التكبير؟

صلاتُهم غيرُ صحيحة؛ حتى ولو كان معه مَن يُزيلُ فِذّيتَه؛ لم؟ لأنهم خارج المسجد

 ترون كثيرا مِن أصحابِ المحلات يصلون مع الحرم وبينهم مسافات!؛ والواجبُ أن يبادر أصحابُ المحلات إلى المساجد كما قال شيخُ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (23/410) ” مَنْ صَلَّى فِي حَانُوتِهِ وَالطَّرِيقُ خَالٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الْحَانُوتِ وَيَنْتَظِرَ اتِّصَالَ الصُّفُوفِ بِهِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَسُدَّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ” ا.هـ

  لكن لو أن الصفوف اتصلت فوصلت إلى محلاتهم: فصلاتُهم صحيحة.

إذاً: هناك فرقٌ بين الاقتداء في المسجد، وخارج المسجد:

 ففي المسجد: تصحُّ الصلاةُ مع سماعِ التكبير، ومعه مَن يُزيلُ فِذِّيته.

 أما إذا كان خارج المسجد: فيُشترط مع سماع التكبير أن تتصلَ الصفوف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [تصح الصلاة خلف إمام عال عنه؛ وإن لم تكن حاجة فيكره للإمام

 وأما إن كان المأموم في مكان أعلى فلا يكره]

الشرح/ تصحُّ الصلاة لو كان الإمامُ في مكانٍ أعلى مِن المأموم: لأن النبيَّ ﷺ كما عند البخاري صلّى على المِنبَر؛ فكان يقومُ ويركع على المنبر؛ وهو أعلى مقاما من صحابته؛ فإذا أراد أن يسجد نزل عن المنبر فسجد على الأرض؛ من أجل أن يُعلمَهم، قال ﷺ: “إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي ” (1)

لكن إن لم تكن هناك حاجة؟ الصلاة صحيحة إذا صلى الإمام وهو أعلى من المأمومين في كلتا الحالتين؛ سواء كان هناك حاجة أم لم تكن؛ لكن هل يُكره أم لا؟

 ج/ إن كان هناك حاجة: فلا يُكره، وإن لم تكن هناك حاجة: فيُكره؛ لورود النهي في بعضِ الأحاديث

جاء في سنن أبي داود: ” إِذا أمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكانٍ أرْفَعَ مِنْ مَقامِهِمْ ” قال الألباني رحمه الله (حسن لغيره)؛ وثبت أن حذيفة بن اليمان جذب أبا مسعود البدري لما صلى بهم على مكان مرتفع وهو الدكان؛ وأقره أبو مسعود على أنهم قد نهوا عن ذلك.

ولأن عمار بن ياسر كان بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار، فقام على دكان، والناس أسفل منه، فتقدَّم حذيفة، فأخذه بيده، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ من صلاته؛ قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: ” إِذا أمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكانٍ أرْفَعَ مِنْ مَقامِهِمْ ” قال عَمَّار: ” فلذلك اتِّبَعْتُك حينَ أخَذْتَ على يَدَيَّ ” رَواه أبو داودَ؛ صحَّح إسناده النووي في «المجموع» (4/295)

ــــــــــــــــ

أما إذا كان العكس: المأموم أعلى كأن يصلي المأموم فوق السطح؟

فلا كراهةَ؛ فقد جاء ذلك عن أبي هريرةَ رضي الله عنه؛ فصلى وهو في سطح المسجد. (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [يجلس مستقبل القبلة بعد السلام بمقدار الاستغفار؛ وقول: ” اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام “؛ وله أن ينصرف عن يمينه أوعن يساره إلا إذا كان هناك حاجة للإطالة فيستحب، ويستحب للمأموم ألا ينصرف حتى يقبل عليهم الإمام بوجهه لأنه ربما يذكر سهواً فيسجد]

الشرح/ مرت هذه المسألة، والسنة أن يبقى مستقبل القبلة بمقدار:

” أستغفر الله ثلاثاً ” اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ” (1)

لكن يستحبُّ له أن يطيلَ الاستقبال أكثرَ مِن هذا المقدار إذا كانت هناك حاجةٌ تستدعي؛ جاء في صحيح البخاري: عن أم سلَمة رضي الله عنها؛ قالت:

 ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قَالَ نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ(2)

ــــــــــــــــــــ

ويستحب للمأموم ألا ينصرفَ من مكانه إلى مكانٍ آخَر أو إلى خارجِ المسجد حتى يُقبلَ الإمامُ بوجهه؛

بعضُ من الناس يقوم مباشرة بعد تسليم الإمام التسليمة الثانية؛ نقول له: تريث؛ لماذا؟

 لأنه ربما يذكُرُ الإمام سهواً فيسجُد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [يكره وقوف المصلين بين السواري إذا قطعت الصفوف؛ ويجوز للحاجة كالازدحام]

الشرح/ لحديث معاوية بن قُرَّة عن أبيه؛ قال:

” كُنَّا نُنهى أن نَصُفَّ بين السَّواري على عَهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونُطرَدُ عنها طَرْدًا ” (1) يعني: السواري؛ فهذا يقتضي الكراهة؛ أعني كراهةَ الصلاة بين السواري؛

 إلا إذا كانت هناك حاجة: كالازدحام في يومِ الجمُعة فيصلي بينها دون كراهة؛ لأن صلاتَه في المسجد بين السواري أفضلُ مِن صلاتِه خارجَ المسجد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [يحرم بناء مسجد يراد به ضرار مسجد آخَر؛ ويهدم وجوباً]

الشرح/ لو أن هناك مسجداً قائماً ثم أقيم حولَه مسجدٌ قريب: فهذا إضرار؛ إلا إذا كانت هناك حاجة؛ بمعنى: أن المسجدَ الأول لا يسع للمصلين فهذا شيءٌ آخَر

 فيحرُمُ أن يُبنى مسجدٌ حول مسجد إضرارا؛ ويُهدم وجوباً كما هدم النبيُّ ﷺ مسجدَ الضِّرار الذي بناه المنافقون؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة:107]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأعذار المبيحة لترك الجماعة

مسألة: [الأعذار التي تسقط حضور الجمعة والجماعة

أولاً/ المريض الذي تلحقه المشقة أما المرض اليسير فلا]

الشرح/ هذه هي الأعذار التي تُسقِطُ وجوب الحضور لصلاة الجُمُعة والجماعة

أولاً/ المرض: وليس كلُّ مرض؛ وإنما المرض الذي تحصُلُ معه المشقَّة، أما المرضُ اليسير فلا يُعفي المسلم عن الحضور؛ ودليل هذه المسألة: أن النبي ﷺ في مرضِ موتِه صلى أياماً في بيته؛ مع أن بيت عائشة قريبٌ من المسجد (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانياً/ مدافعة الأخبَثَين: لقوله ﷺ كما عند مسلم: ” لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ “(1)

ومر الحديثُ عن ذلك؛ فله أن يدعَ صلاةَ الجُمُعَة أو صلاة الجماعة حتى يأتيَ إلى الصلاة وهو فارغُ الذهنِ من الأشغال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثا/ حضرةُ طعام يشتهيه؛ وله أن يشبع:

دليله كما سلف في الحديث السابق ” لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ “

وكان ابنُ عمر رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري:

” كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغُ مِنْهُ وَإِنَّهُ لِيَسْمَعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ “

فكان يسمعُ قراءةَ الإمام ويتعشى.

فله أن يأكل حتى لو فاتتهُ الصلاةُ كلُّها

لكن هل له أن يشبع؟ ج/ نعم؛ له أن يشبع لأن الرخصةَ مُطلَقَة لم تُقَيَّد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعاً/ الخائف مِن ضياع مالِه؛ أو فواتِه؛ أو الخائف على نفْسِه أو أهلِه أو أولادِه:

الخائف من ضياع ماله: كأن يخشى أن يضيعَ مالُه لو حضَرَ إلى صلاةِ الجماعة؛ فقد يكونُ لديه دراهم في سيارته ووجبت الصلاة؛ والأمنُ في البلدِ غيرُ مستقر وخاف على ماله فله أن يدعَ صلاةَ الجماعة.

أو خاف فواتَه: كأن تكونُ له دابةٌ قد ضلت؛ فقيل له: يا فلان إن دابتك في موضِعِ كذا وكذا وقد حضرت الصلاة؛ فليذهب إليها؛ لأنه لو صلى لانشغل ذهنُه. أو وقتُ ذهابِ الطائرة: فإذا خشيَ أن تفوتَه الرحلةُ؛ وقد حانت الصلاة فليذهب، ولا تلزمُه صلاةُ الجماعة.

 وكذلك الخائف على أهله: كما لو خشِيَ أن يدعَهَم فخشي عليهم مِن الضرر؛ أو من سَطوةٍ؛ وكذلك إذا كان هناك ضرر على أولاده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خامساً/ فواتُ الرفقة: فهذا يُشغِلُ ذِهنَه؛ فلو كان معهم مثلاً وحضرت الصلاة، وخشِيَ أن تفوتَه الرفقة؛ فله أن يذهبَ معهم، ومثله كما أسلفنا: فواتُ رحلة الطيران.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سادساً/ غلبة النعاس: إذا غلبه النعاس؛ والمراد: شِدتُه بحيث لا يتمكن من الصلاة، ولا يفهم ما يقولُه الإمام فهنا له أن ينام بقدر ما يستجمع قُواه لكنه يصلي في الوقت ولو كان منفرداً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سابعاً/ التأذي بمطر أو وحل أو نحو ذلك: إذا تأذى يعني حضرت صلاة الجماعة ثم هطلت الأمطار وهو في بيته؛ وهي أمطارٌ شديدة ويتضررُ بها؛ أوهناك وحل كأن تكون الطرق غيرَ مُسفلَتَة؛ فحصل وحل؛ فخشيَ على نفسه فله أن يصليَ منفرداً، ولذا النبيُّ ﷺ ثبت عنه كما جاء في الصحيحين، أنه إذا كانت الليلةُ المطيرة قال للمؤذن قل: ” أَلاَ صَلُّوا في رِحَالِكُمْ ” (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثامناً/ يعذر من عليه قصاص؛ يرجو أن يُعفى عنه؛ أو حد قذف:

يعني من عليه قصاص: فيرجو أن يُعفى عنه، وخشيَ لو خرج أن يُعتدى عليه؛ أو أن يُقتَصَّ منه؛ فله أن يصليَ في بيته.

وكذلك من عليه حدُّ قذف: فلو أن شخصا قذَفَ شخصا، ولم يأتِ بالشهود؛ كأن قذَفَه باللواطِ أو بالزنا، ولم يأتِ بالشهود؛ فإنه يُحَدُّ هذا القاذفُ ثمانين جلدة؛ وحدُّ القذف لو شاء المَقذوف أن يعفو فله ذلك؛ فإذا رَجِيَ أن يُعفى عنه فله أن يَدعَ صلاةَ الُجُمعة أو صلاةَ الجماعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [إذا طرأت هذه الأعذار أثناء الصلاة فله أن ينفرد ويكمل صلاته]

الشرح/ إذا طرأت هذه الأعذارُ في أثناء الصلاة:

 تذكرون في مسألةٍ سابقة (في درس النيّة؛ ضمن شروط الصلاة)

 أنه لا يجوز أن ينفردَ عن إمامه إلا لعذر:

لا يجوز للمأموم على الصحيح أن ينفرد عن إمامه فيتم صلاته لوحده إلا إذا كان هناك عذر؛

 هنا صورةٌ من صورِ الأعذار: فلو أن هذا المصلي حرَّكَه بطنُه؛ وكان الإمامُ يطيل؟

 فيُقال والحالةُ هذه: لك أن تنفرد وتُتم صلاتَك؛ بحيث تقتصر على أقل الواجب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: [ليست هذه الأعذار مبيحة لإخراج الصلاة عن وقتها]

الشرح/ أسلفنا الحديثَ أن الصلاةَ لا يجوزُ أن تؤخرَ عن وقتها بأي حالٍ من الأحوال، فليست هذه الأعذار مُبيحةً لإخراجِ الصلاةِ عن وقتِها

اللهم إن بعضَ العلماء استثنى مدافعةَ الأخبثين؛ لما يكونُ عليه من الضرر؛

والذي يظهرُ أن الحكمَ عام؛ فلا يجوز أن تؤخرَ الصلاةُ عن وقتها

لكن في مِثلِ هذه الحالات؛ قد يكون الإنسان في موقفٍ حَرِج؛ وهو بين أمرَين:

 إن صلى الصلاةَ في وقتها أصبح في حَرَجٍ مِن أمْرِه،

وإن أخَّرَ الصلاةَ عن وقتِها صلى وهو مرتاح البال

يعني: مثل مَن يدافع الأخبثين؛ قد تكونُ مدافعةُ الأخبثين شديدة:

 فإنه إن قضى حاجتَه: خرجت الصلاةُ عن وقتها. وإن صلى في الوقت: صلى وقلبُه مشغول؟

هنا نقول: إن كانت هذه الصلاة تُجمَعُ إلى ما بعدَها: فأخِّر الصلاة واجمَعْها إلى ما بعدَها

فلو كانت مثلاً صلاةُ الظهر؟ نقول: أخرِجْها عن وقتِها بنيّة الجمع

 إذا كانت المغرب؟ أخرِجْها عن وقتها بنية الجمع؛ فقد جمع النبيُّ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ؛ وبين المغرب والعشاء من غير خوفٍ ولا سفر؛ كما جاء عند مسلم عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما:

” صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ ” (1)

وفي رواية: ” مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ” (2)

” قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا؛ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ ” أخرجه مسلم.

فمتى ما وجدتَ حرَجاً وكان هناك سبيلٌ إلى الجمع؛ وهذا الجمع يُزيلُ عنك الحرَج فلتجمع -كما سيأتي معنا إن شاء الله- إنسانٌ ستُجرى له عملية؛ وكان الوقتُ وقتَ الظهر؛ وستستمر هذه العمليةُ إلى غروبِ الشمس؛ فله أن يُصليَ مع الظهر العصر.

 

(2) ــ مسلم باب من أحق بالإمامة  برقم/673

(3) ــ البخاري، كتاب المغازي، باب مقام النبي r بمكة زمن الفتح، برقم 4302

(4) ــ مسلم باب من أحق بالإمامة  برقم /673

(1) ــ البخاري بَاب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الْإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ برقم /694

(2) ــ السنن الكبرى للبيهقي  2/ 62 باب الصلاة خلف من لا يحمد برقم 5507 (عَنْ نَافِعٍ:  أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اعْتَزَلَ بِمِنًى فِى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجُ بِمِنًى فَصَلَّى مَعَ الْحَجَّاجِ.)

(3) ــ ابن تيمية في مجموع الفتاوى  3/ 281 حيث قال (وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبدالله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد يشرب الخمر)

(1) ــ البخاري، كتاب المغازي، باب مقام النبي r بمكة زمن الفتح، برقم 4302

(2) ــ مسلم  باب تسوية الصفوف وإقامتها  برقم / 440

(1) ــ سنن ابن ماجه باب في فرض  الجمعة  برقم /1081، وضعفه الألباني في ضعيف  ابن ماجه ح / 1081، الإرواء (591)، التعليق الرغيب (1 / 260)، الرد على بليق (273)

(2) ــ أبو داود، بلفظه، كتاب الصلاة، باب إمامة النساء، برقم 592، وأحمد، 6/405، والحاكم، 1/203، والبيهقي، 3/130، والدارقطني، 1/403، وابن خزيمة في صحيحه،3/89،برقم 1676،وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،1/118

(1) ــ مسلم باب ائتمام المأموم بالإمام  برقم /413

(2) ــ البخاري  باب الرجل يأتم بالإمام  برقم /713، ومسلم باب استخلاف الإمام  برقم /418

(1) ــ صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، برقم 673

(1) ــ الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في من أمّ قوماً وهم له كارهون، برقم 360، وقال: ((هذا حديث حسن غريب))، والبيهقي، 3/128 وقال: ((إسناده ليس بالقوي))، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب وذكر تحسين الترمذي له وأقرّه،
1/382، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/228، وله شاهد من حديث طلحة في صحيح الترغيب، 1/228، ومن حديث الذهلي، 1/228، والحديث صححه أحمد شاكر في شرحه على سنن الترمذي، 2/193، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 1/113، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، 2/417: ((وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً)).

(1) ــ البخاري  باب الرجل يأتم بالإمام  برقم /713، ومسلم باب استخلاف الإمام  برقم /418

(2) ــ متفق عليه:  البخاري بَاب السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ برقم/ 117، ومسلم باب الدعاء في صلاة الليل  برقم/763

(1) ــ أحمد في المسند، 4/23، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، برقم 1003، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/299، وفي إرواء الغليل، 2/328.

(2) ــ أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي وحده خلف الصف، برقم 682، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، برقم 230، 231، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، برقم 1004، وأحمد 4/228، وابن حبان، [الإحسان]، 5/576، برقم 2199، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/299، وفي إرواء الغليل، برقم 541.

(3) ــ التغابن16

(1) ــ سنن البيهقي الكبرى  باب كراهية الوقوف خلف  الصف  2/ 452 برقم /5416، وضعفه الألباني في إرواء الغليل 2/ 325، والضعيفة 10 / 45  برقم / 922

(2) ــ متفق عليه:  البخاري باب الصلاة على الحصير  برقم /380، ومسلم  باب جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِى النَّافِلَةِ  برقم/658

(1) ــ سبق تخريجه

(1) ــ أبو داود باب تسوية الصفوف  برقم /671، وأحمد  بلفظ (أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ ) 19 / 355 ح /12352، وصححه الألباني في سنن أبي  داود  برقم / 671، وصحيح النسائي  المشكاة (1094)

(1) ــ متفق عليه:  البخاري بَاب الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ  برقم /917، ومسلم باب جواز الخطوة والخطوتين  برقم /544

(2) ــ قال الألباني في إرواء الغليل  2 / 333:  (حديث ( أن أبا هريرة:  صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام ). رواه الشافعي ورواه سعيد عن أنس ).

(1) ــ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي r لا يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام )) مسلم باب اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ برقم/ 592

(2) ــ البخاري باب صلاة النساء خلف الرجال برقم / 870

(1) ــ ابن ماجه، برقم 1002، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه، 1/298: ((حسن صحيح))

(2) ــ البخاري باب حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ برقم / 664، ومسلم باب استخلاف الإمام برقم /418

(1) ــ مسلم  باب كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِى يُرِيدُ أَكْلَهُ فِى الْحَالِ وَكَرَاهَةِ الصَّلاَةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ. برقم / 560

(1) ــ البخاري بَاب الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالْإِقَامَةِ برقم / 632، ومسلم باب الصلاة في الرحال برقم / 697

(1) ــ مسلم باب الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِى الْحَضَرِ برقم /705

(2) ــ أبو داود  باب الجمع بين الصلاتين برقم/ 1211 وصححه الألباني في صحيح أبي  داود برقم /1211