التفسير الوجيز ـ الدرس الثاني
ـ تفسير سورة البقرة من ( 49 ) حتى ( 74 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) }
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} هذا الخطاب موجه لليهود الذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم بحال أسلافهم حتى لا يقعوا في مثل ما وقع فيه أسلافهم {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أي يذيقونكم أشد العذاب {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} يعني أنهم يستبقون النساء للخدمة {وَفِي ذَلِكُمْ} أي فيما مضى من عذاب {بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي ابتلاء وامتحان من الله عظيم.
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ} وهذه الآية مفصلة في سورة الشعراء إذ إن موسى عليه السلام ضرب بعصاه البحر، فدخل في البحر، فنجاه الله، وأغرق آل فرعون {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} والله يذكر هؤلاء اليهود الذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بحال أسلافهم؛ لأن المنة على أسلافهم منة على هؤلاء
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ} يعني فرعون من ومن معه {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} وتشاهدون هلاكهم حقيقة.
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وعد الله موسى أربعين ليلة، وذلك لكي يعطيه التوراة، وأعطاه التوراة بعد أن نجى الله موسى عليه السلام، ومن معه من آل فرعون، وأغرق آل فرعون {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} يعني إلها {مِنْ بَعْدِهِ} يعني من بعد ذهاب موسى عليه السلام من أجل أن يأخذ التوراة من الله {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} باتخاذكم هذا العجل، {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد ما اتخذتم العجل إلها عفا الله عنكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تشكرون الله إذ لم يعاقبكم عز وجل.
{وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)}
{وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} وهو التوراة {وَالْفُرْقَانَ} الفرقان صفة للتوراة؛ لأن بها الفرق بين الحق والباطل، {وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} من أجل ماذا؟ {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} يعني إلها؛ لأنكم اتخذتم هذا العجل إلها وأنتم بذلك ظلمة، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} يعني إلى خالقكم، ما هي التوبة؟ {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ليقتل بعضكم بعضا، {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ} يعني القتل الذي هو توبة من الله عليكم {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يعني قبل توبتكم إذ إن هؤلاء لما قتل بعضهم بعضا رفع الله عز وجل هذا الحكم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)}
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} وهذا بيان لتعنت اليهود قالوا {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} يعني عيانا، {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} إلى هذه الصاعقة، وهذا العذاب ينزل بكم، {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} يعني بعد نزول هذه الصاعقة أماتهم الله عز وجل موتا حقيقيا {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إذ إنه أحياكم من أجل أن تستدركوا ما جرى منكم، وما حصل منكم لتتوبوا إلى الله.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} هذا في التيه كما قال عز وجل في سورة المائدة {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} بين عز وجل من أنه ظلل عليهم الغمام، وهو السحاب الأبيض الرقيق في التيه؛ ليقيهم حر الشمس، {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} المن هو ما يشبه العسل مادة سائلة تشبه العسل والحلوى {وَالسَّلْوَى} السلوى هو طائر بري، فقال الله عز وجل {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا} يعني قلنا {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا} لأن الله عز وجل كما ثبت بذلك الحديث عن البخاري حرم عليهم أن يدخروا، فادخروا، فتعفن اللحم فقال الله {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)}
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} يعني بعد التيه، وبعد ممات موسى وهارون، فرفع الله عنهم التيه، فأصبح النبي هو يوشع بن نون الذي هو فتى لموسى عليه السلام، فأمره الله أن يفتح بيت المقدس؛ لأنهم لما امتنعوا كما في سورة المائدة {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} قالوا في ضمن ما قالوا {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)}
فالله عز وجل قال {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} في التيه مات موسى وهارون، بعد ذلك أصبح النبي هو يوشع بن نون، فأمره الله أن يفتح بيت المقدس.
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} القرية هي بيت المقدس {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} يعني أمرهم أن يدخلوها مع هذا النبي مع أحفاد وأولاد هؤلاء الذين كانوا في التيه، {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} يعني أكلا واسعا، {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} أمروا بأن يدخلوها خاضعين على هيئة الركوع التي تشبه الانحناء إلى السجود، فقال الله عز وجل {وَقُولُوا حِطَّةٌ} يعني احطط عنا ذنوبنا {وَقُولُوا حِطَّةٌ} ما النتيجة؟ {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} يعني ذنوبكم {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} يعني لم يبدل الجميع، وإنما بدل طائفة من هؤلاء {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} النبي صلى الله عليه وسلم بين من أنهم بدل أن يدخلوها سجدا دخلوها يزحفون على أستاههم يعني على أدبارهم، ولما أمروا بأن يقولوا حطة قالوا “حبة في شعرة” {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا} يعني عذابا {مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقهم.
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)}
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} يعني طلب موسى عليه السلام من ربه السقيا، وهو نزول المطر أي في التيه، {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} يعني انبعثت مياه متدفقة في سورة الأعراف {فَانْبَجَسَتْ} يعني من أنها نبعت نبعا خفيفا، ثم بعد ذلك كما في سورة البقرة هنا {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} على حسب أسباط بني إسرائيل {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا}، فقال الله عز وجل {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} يعني محل شربهم، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا} من هذا المن والسلوى {وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا} يعني لا تفسدوا وكررها مرة أخرى فقال {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} من باب التأكيد النهي عن الإفساد.
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)}
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} يعني على المن والسلوى مع أنهما نوعان، لكن لأن هذين النوعين يتكرران كل يوم فكأنهما طعام واحد، {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} عادوا إلى وضعهم السابق الذي اعتادوا عليه في مصر من البقوليات، وما شابه ذلك {مِنْ بَقْلِهَا} البقول مثل الكرات، وما شابه هذه البقوليات {مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا} يعني هو ما يشبه الخيار هناك نبت يشبه الخيار {وَفُومِهَا} قيل الحنطة يعني الحبوب، وقيل الفوم هنا يعني الثوم، ولا تعارض بين هذا وبين هذا، {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ} يعني موسى {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} كيف تطلبون البقول والقثاء، وتتركون الذي هو خير لكم وهو المن والسلوى؟! فقال موسى عليه السلام {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا} أي مصر، وأي قرية من القرى تجدون مثل هذه الأطعمة التي طلبتموها {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} الذلة يعني الذل والهوان {وَالْمَسْكَنَةُ} يعني الفقر {وَبَاءُوا} أي رجعوا {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} وفي هذا إثبات صفة الغضب لله عز وجل بما يليق بجلاله وعظمته
{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} ما السبب؟ {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ} تعدوا على حق الله {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} اعتدوا على حق الرسل، ولذلك بنو إسرائيل قتلوا بعض الأنبياء
{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} أي ذلك ما سبق {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} يعني يتجاوزون الحد.
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)}
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} لما ذكر ما يتلق بخبث هؤلاء بين أن اليهود ليسوا على درجة واحدة إن هم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا} يعني من الأمم السابقة {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} يعني اليهود {وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} {وَالصَّابِئِينَ} الصحيح أن الصابئين هم فرقة لا دين لها، وإنما تأخذ من كل دين ما هو حق ولذلك هم نوعان: صابئة حنيفية، وصابئة مشركة {وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} يعني من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء، وأدرك زمنه فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم {مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} يعني الثواب {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)}
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} أخذ الله على اليهود الميثاق لما أعطاهم التوراة أن يؤمنوا بشرع الله {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} لكنهم أبوا فماذا فعل الله بهم؟ {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} يعني الجبل {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} يعني إن لم تأخذوا بالتوراة سيسقط عليكم هذا الجبل، فقال الله عز وجل {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} يعني هذه التوراة تأخذونها بعزم وبقوة {خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يعني اذكروا ما في هذا الكتاب {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} يعني مع ذلك لم يقوموا بما أوجب الله عليهم في هذه التوراة {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} وأنت تستحقون في هذا التولي ماذا؟
العقاب من الله، لكن ماذا قال بعدها {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} في الدنيا وفي الآخرة.
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)}
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا} أي تجاوزوا {مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يعني مسخهم الله إلى قردة خاسيئن يعني ذليلين، وذلك مبين في سورة الأعراف من أن الله عز وجل حرم عليهم الصيد في يوم السبت، لكن الحيتان ابتلاء وامتحانا، ما تأتي إلا في يوم السبت، فوضعوا الشباك يوم الجمعة، فإذا جاء يوم السبت، وأتت الحيتان والأسماك وقعت في هذه الشباك، ثم أخذوها يوم الأحد، وهذا منهم إنما هو احتيال، {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} العقوبة ما هي؟ {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} {فَجَعَلْنَاهَا} يعني العقوبة {نَكَالًا} يعني عبرة {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} يعني ممن حضرها في عصرهم {وَمَا خَلْفَهَا} ممن سيأتي من الأمم الأخرى {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} لأن من هو متقي هو الذي ينتفع بالمواعظ.
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} سبب ذبح هذه البقرة مذكور بعد آيات {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)} إذ إن قتيلا قتل، وليس هناك من يعرف قاتله، فأتوا إلى موسى عليه السلام، فأمرهم موسى بأمره عز وجل أن يذبحوا بقرة، ولماذا خصصوا بالبقرة؟ لأن هذه القصة إنما في ظاهر الآيات من أنها أتت بعد أن عبدوا العجل، والعجل من البقر، فبين لهم أن هذا الحيوان لا يستحق أن يكون إلها، وإنما هو للحرث والزراعة وللذبح، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} يعني أي بقرة {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يعني نحن نقول لكم من هو القاتل وتقول اذبحوا بقرة {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} لكنهم جهلة {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هذا أمر الله، {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} يعني ما سنها؟ بدلالة ما بعدها {قَالَ إِنَّهُ} يعني الله، {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} {فَارِضٌ} يعني لا كبيرة في السن {وَلَا بِكْرٌ} يعني ليست صغيرة {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} يعني وسط بين ذلك، وبين ذلك {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} هو رأى من حالهم أن عندهم تعنتا فقال {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} لكنهم تعنتوا {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} يعني أنها شديدة الصفرة {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} من ينظر إليها تعجبه وتسره، {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} يعني يقولون بين لنا ما صفة هذه البقرة من حيث العمل هل هي للزراعة أو للحرث أو للسقي أو لا؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}، {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ} يعني ليست مذللة {تُثِيرُ الْأَرْضَ} يعني تحرث الأرض، {لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} أيضا هي لا تسقي الحرث {مُسَلَّمَةٌ} يعني هي مسلمة من كل عيب {لَا شِيَةَ فِيهَا} يعني لا يخالطه لون آخر غير لونها الطبيعي الذي هو الصفرة، {لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي جئت بالبيان الوافي الكامل الحق {قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} لكثرة أسئلتهم وتعنتهم.
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} هنا هذا هو سبب الأمر بذبح البقرة، أخره من أجل أن النفوس تحضر فتقول سبحان الله!، في الآية السابقة {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فيقول الإنسان لماذا أمروا بذبح البقرة هنا إذا تلا الآيات، وأتى هذا السبب هنا يكون قلبه حاضرا حينما يقرأ القرآن، {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} يعني اختلفتم فيها، فتدافع كل منكم التهمة عنه {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} هذا الميت اضربوه بأي بعض وجزء من هذه البقرة التي ذبحت {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} دل هذا على ماذا؟ على أن أحياه {كَذَلِكَ} يعني مثل ما أحيا هذا الشخص هو عز وجل قادر على إحياء الموتى من قبورهم يوم القيامة {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تلك الآيات تدعو الإنسان إلى التعقل وإلى الإسلام وإلى العمل بالدين.
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} يعني جفت ويبست وغلظت هذه القلوب مع أنها رأت تلك الآيات السابقات {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} يعني إن لم تكن أشد من الحجارة، فإنها لا تنقص قلوبكم من حيث القسوة لا تنقص عن قسوة الحجارة، ثم بين أن الحجارة ماذا؟ أخشع من هؤلاء وألين من هؤلاء {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} بعض الأحجار فيها شقوق يتفجر منها الأنهار الكثيرة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} يعني كأمثال العيون السابقة كأمثال الأنهار وهنا كأمثال العيون {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} من علو إلى سفل {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} خوفا من الله، وقلوبكم لا تلين ولا تخضع ولا تخشع ولذلك قال بعدها {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وذلك لكمال إحاطته وعلمه عز وجل.