الشيخ زيد البحري التفسير الوجيز الدرس(1) تفسير سورة الفاتحة وسورة البقرة من (1) إلى (48)

الشيخ زيد البحري التفسير الوجيز الدرس(1) تفسير سورة الفاتحة وسورة البقرة من (1) إلى (48)

مشاهدات: 170

التفسير الوجيز ـ الدرس الأول

ـ تفسير سورة الفاتحة

ـ تفسير سورة البقرة من ( 1 ) حتى ( 48 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرع بعون من الله عز وجل في تفسير مختصر موجز للقرآن العظيم، وهذا التفسير نقصد به أن يلم المسلم على المعنى العام للقرآن العظيم، وإلا فلنا تفسير ولله الحمد تفسير كامل شامل، وهو موجود على اليوتيوب، قد ذكرنا فيه ما يتعلق بأقوال المفسرين، لكن نحن في هذا الدرس نريد أن نذكر المعنى العام والكلمات التي بها يفهم العامي وحتى طالب العلم يفهم معنى القرآن العظيم، وأسميناه بالتفسير المختصر الوجيز.

تفسير سورة الفاتحة

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}

 

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حمد الله نفسه؛ لأنه رب العالمين، والعالمون كل ما سوى الله فهو عالم يعني أنه رب المخلوقين.

{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان يدلان على صفة الرحمة لله بما يليق بجلاله وعظمته.

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أي مالك يوم الجزاء والحساب.

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين إلا بك.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي وفقنا وألهمنا الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج به، وفسره بعد ذلك فقال {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أنعم عليهم بنعمة الدين، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} يعني غير صراط المغضوب عليهم وهم اليهود {وَلَا الضَّالِّينَ} أي وغير صراط الضالين الذين هم النصارى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفسير سورة البقرة

{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}

{الم} هذه من الحروف المقطعة، وهي حروف هجائية تحدى الله عز وجل بها كفار قريش أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي هو من هذه الحروف، {ذَلِكَ الْكِتَابُ} أي القرآن {لَا رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} لأنهم هم الذين  انتفعوا به، ثم ذكر صفاتهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي كل ما غاب عنهم من أمور الآخرة ونحو ذلك، {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} بأركانها وواجباتها وشروطها {وَمِمَّا} أي من بعض {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي يبذلون، {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وهو القرآن {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل وغيرها، {وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يعني عندهم علم جازم بيوم القيامة، ولذا عملوا لهذا اليوم، {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} علوا بهذا الهدى في الدنيا وفي الآخرة {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المفلحون الذين فازوا بالمحبوب، ونجوا من المكروب.

 

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} يعني يستوي عندهم {أَأَنْذَرْتَهُمْ} يعني حذرتهم {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} وهؤلاء يصدق على كل إنسان قد كفر وأعرض عن الدين، فإنه خليق بألا يوفق إلى الهدى، ولذا قال بعدها {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الختم هو الطبع، بمعنى أنه لا يدخل فيها خير، {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} أيضا ختم على السمع، {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} يعني غطاء على الأبصار، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

 

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)}

{وَمِنَ النَّاسِ} وهؤلاء هم المنافقون الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا} وذلك بإظهار الإسلام وإبطان الكفر {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}، لأن الله مطلع على ما في ضمائرهم {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} من أن عاقبة خداعهم تكون وبالا عليهم، {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} مرض النفاق  {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} أي نفاقا على نفاقهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} أي بسبب كذبهم.

 

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)}

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} بالكفر بالمعاصي وبالتخريب في الأرض {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ} كما آمن الصحابة {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ}  فرد الله عليهم {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ}.

 

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا} أظهروا الإيمان {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} يعني إلى رؤوسائهم في النفاق {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} يعني على النفاق {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}  بمحمد وأصحابه، {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ} يعني يزيدهم {فِي طُغْيَانِهِمْ} في نفاقهم {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي يترددون حيارى، {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} اشتروا الضلالة ودفعوا الثمن الذي هو الهدى، {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.

 

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) }

{مَثَلُهُمْ} يعني صفة هؤلاء المنافقين، {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}  كشخص أو أشخاص استوقدوا نارا في الصحراء، {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} بمعنى أن نورهم وأن نارهم تلك انطفأت، هذا مثل ماذا؟المنافقين، فإن هؤلاء المنافقين هم استناروا في هذه الدنيا لما قالوا كلمة الإسلام فأمنوا على أنفسهم وعلى أموالهم، لكن إذا ماتوا فإنهم ماذا؟ يذهب ذلك النور، وتبقى لهم ظلمة الشر والعذاب في القبر، وفي الآخرة.

{صُمٌّ} يعني أنهم صم عن الحق، فلا يسمعونه، {بُكْمٌ} لا ينطقون بالحق، {عُمْيٌ} لا يبصرون الحق، {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} من الضلالة إلى الهدى.

 

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}

{أَوْ كَصَيِّبٍ} هذا مثل آخر لهؤلاء المنافقين، {أَوْ كَصَيِّبٍ} يعني كمطر، أناس في صحراء نزل المطر بهم فيه ظلمات ورعد وبرق، فهؤلاء الذين في الصحراء أتاهم هذا المطر {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} يعني بسبب الصواعق {حَذَرَ الْمَوْتِ} خيفة من الموت، فهؤلاء المنافقون نزل عليهم هذا القرآن، وهو بمثابة المطر الذي به تحيا الأرض، أيضا القرآن حياة القلوب، وفي هذا القرآن ماذا فيه؟ ذكر ظلمات الكفر والنفاق، وفيه ماذا؟ وفيه رعد، وهو بيان آيات الوعيد، وفيه برق، وهو بيان آيات البراهين الساطعة لبيان الكفر والنفاق، وهؤلاء لما نزل عليهم القرآن جعلوا أصابعهم في آذانهم يريدون ألا يؤمنوا؛ لأنهم يظنون من أن الإيمان هو موت فقال الله عز وجل {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}

{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}  يعني وقفوا، هذا حال من يكون في هذا المطر، فإنه البرق يكاد يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا في الطرق، {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} يعني وقفوا، هؤلاء المنافقون إذا أتت الآيات، ونزلت الآيات التي تفضحهم فكما قال تعالى {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} وهذا القرآن إذا جاء فيه ما يكون فيه رغبة لهم، فإنهم يقبلونه، لكن إذا أتى ما لا تشتهيه نفوسهم فإنهم يقفون ويرغبون عنه، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} الحسية كما ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

 

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني وخلق الذين من قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ثم ذكر أفعالا وصفات له عز وجل، {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} يعني ممهدة سهلة {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} رفعها وقواها {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ} يعني بسبب {مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ} بعد تلك الأفعال منه عز وجل التي أنعم بها عليكم {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} يعني نظراء وأشباها لله {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه لا نظير ولا شبيه له عز وجل.

 

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} إن كنتم في شك {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} وهو محمد عليه الصلاة والسلام {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} لأنهم يشككون فيه {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ}  أي من يعينكم من الآلهة على أن تأتوا بسورة واحدة، {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

 {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}  فيما مضى {وَلَنْ تَفْعَلُوا} في المستقبل، إذاً ما الذي يلزمكم {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا} أي حطبها {الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}  كما قال تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)}

{وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ} يعني هيئت {لِلْكَافِرِينَ}.

 

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)}

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}  كلما أتت ثمرة قالوا هذه نفس الثمرة السابقة من حيث اللون، ومن حيث الاسم، لكن مختلف ماذا؟ الطعم، ولذا قال تعالى {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} يشبه بعضا بعضا، ولكن الطعم يختلف، وأيضا هو {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} يعني من حيث الأفضلية والنفاسة، {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} من الأخلاق الرذيلة، وأيضا من الرذائل الحسية من الحيض والمخاط ونحو ذلك، {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي باقون.

 

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} أي مثل الله عز وجل لا يستحي أن يضربه كأن يكون هذا المثل بعوضة {فَمَا فَوْقَهَا} يعني ما هو أعظم منها لبيان الحق، {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} يعني هذا المثل {الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ} بهذا المثل {كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} ما صفاتهم؟ {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} العهود التي أخذها الله عليهم بأن يعبدوه {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} أمر الله بوصل ماذا؟ الأرحام، بوصل الفعل بالقول، فلا يقول إنسان قولا، ولا يصله بالعمل {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالشرك وبالمعاصي وبتدمير الأرض {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

 

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} يعني كنتم نطفا يعني من عدم {فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} بعد انقاء آجالكم في هذه الدنيا {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في يوم القيامة.

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} لكي تنتفعوا به إن كان حلالا، وإن كان غير حلال كالعقارب والحيات؛ لتعتبروا بها {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى} يعني علا {إِلَى السَّمَاءِ} وهذا يدل على أن السموات خلقت بعد الأرض {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ} يعني أتم خلقهن {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

 

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} لعمارة هذه الأرض {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يعني يريق الدماء {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أي نحن ننزهك عما لا يليق بك، ونحمدك بأننا نذكر الصفات التي لك {وَنُقَدِّسُ لَكَ} يعني نطهر أنفسنا لك يا الله {وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من جعل هذا العبد خليفة {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} كل شيء علمه آدم حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: القصعة والقصيعة المصغر والمكبر علمه كل شيء {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ} أي تلك الأشياء التي علمها آدم {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي} يعني أخبروني {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما زعمتم فيما قلتم فيما مضى، {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} تواضعوا فقالوا {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.

{قَالَ يَا آَدَمُ} بين فضله هنا بالعلم، {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي ما غاب في السموات، وما غاب في الأرض {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي ما تظهرون {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أي ما تسرونه في قلوبكم.

 

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)}

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ} وهذا سجود من باب التشريف لآدم، وليس سجود عبادة، وهذا السجود جائز في الأمم السابقة، لكن في شريعنا فلا يجوز حتى لو كان تحية، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} في علم الله.

{وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} يعني حواء {وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا} أي من هذه الجنة {رَغَدًا} أي رزقا واسعا {حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} شجرة معينة لا يعلم اسمها وحقيقتها، {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}.

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} يعني أوقعهما في الزلة فأكلا منها {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من نعيم الجنة {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أنت يا آدم وحواء مع إبليس بعضكم لبعض عدو {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}  يعني قرار {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} إلى أن تنقضي آجالكم، {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ} يعني ألهمه الله كلمات ليتوب عليه بعد أن أكل من الشجرة {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} تلك الكلمات بينها الله عز وجل في سورة الأعراف {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} من كتاب ورسول {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

 

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} وهم أبناء إسرائيل الذي هو يعقوب {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} اذكروها وذلك بأن تعبدوا الله وتشكروا الله {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}

ما هو عهد الله؟ وما هو العهد الذي لهم من الله؟ بينه عز وجل في سورة المائدة: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} هذا هو عهد الله، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}  ماذا قال عز وجل {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، فقال الله عز وجل هنا {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} يعني فخافوني {وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} آمنوا بهذا القرآن الذي هو يصدق ما معكم من التوراة، {وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني أول فريق كافر به {وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} يعني لا تشتروا بآيات الله شيئا من هذه الدنيا {ثَمَنًا قَلِيلًا}  لأنها زائلة، {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} يعني فاتقوا الله واحذروه.

{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} لا تخلطوا الحق بالباطل؛ لأن الباطل إذا خلط بالحق لن يظهر الحق، وأيضا قد لا يلبسون الحق بالباطل قال {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} يعني حذرهم أيضا من كتمان الحق {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أن هذا القرآن حق، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام حق.

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} وهذا يدل على فضل صلاة الجماعة.

 

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)}

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} يعني هم إذا أتاهم أقرباؤهم أتوا إلى علمائهم قالوا إن محمدا هو ما ذكر في التوراة فهو حق فاتبعوه، فقال عز وجل {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ}  والبر اسم جامع لكل خصال الخير {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وتتركون أنفسكم {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أين عقولكم؟!

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا} يعني الخصلة الصبر والصلاة أو {وَإِنَّهَا} يعني الصلاة {لَكَبِيرَةٌ}  لعظيمة {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}

ما صفات هؤلاء الذين سهلت عليهم هذه الصلاة؟

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يعني يوقنون {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}  يعني على عالمي زمانهم، لم؟ لأن أمة محمد عليه الصلاة والسلام أفضل منهم {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} يعني في زمانكم.

{وَاتَّقُوا يَوْمًا}  وهو يوم القيامة {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لا أحد يشفع لأحد إلا بإذن الله وبرضاه عن المشفوع له {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} يعني فداء {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يعني لا ينصر بعضهم بعضا.