بسم الله الرحمن الرحيم
تقريب شرح السنة لعامة الأمة
صحيح البخاري
من حديث ( 39 ) حتى ( 40)
[الدرس الثاني عشر]
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
12-4-1446هـ
(29) بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ“
39- حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ“
ثم ذكر رحمه الله فقال: (بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ)
سبحان الله قد يُظن مع ما مضى من ذكر علامات الإيمان من أعمال فيها قيام فيها صيام فيها مجاهدة فيها انفاق فيها حسن خلق فيها حياء فيها وفيها مما سبق قد يظن أنه عسر؛ لا، فناسب أن يذكر هنا بابًا يبين يسر الإسلام، ومن يُسْرِه أن من عجز عما مضى من واجبات، فلا واجب مع العجز، وأيضًا ما مضى من نوافل، ليست مفروضة لا يُبالِغ فيها الإنسان مبالغةً تفضي به إلى ترك النافلة، فقال: إن الدين يسر. وليس المقصود أن الإنسان ما يطلب الكمال في النافلة لا، يطلب الكمال في النافلة لكن ما أطيقه أنا، يختلف عما تطيقه أنت ويطيقه فلان وفلان، فالإنسان يأتي بالنوافل ويطلب الأكمل لكن بشرط ألا يفضي به إلى الملل أو العجز أو الفتور ثم بعد ذلك إلى الترك؛ لأن المداومة ولو قلت مع العمل الصالح التطوعي -لأن الواجب يجب أن يأتي به الإنسان- خير له من عمل كثير منقطع؛ لأنه إذا داوم على العمل الصالح لم يزل في زيادة إيمان، ولربما أن هذا العمل التطوعي أو النافلة تفتح له أبوابًا أخرى من الطاعات التطوعية التي تناسبه حَسْب مقدوره فكلٌ يختلف، ولذلك من فضل الله عز وجل أنه نوّع التطوعات؛ فقد تكون نفسك إلى نوافل الصيام أكثر من الصدقة، وقد يكون بالنسبة إلي مثلًا نوافل الصدقة أيسر لي من نوافل الصيام والصلاة وما شابه ذلك فكلٌ بحسبه، فقال: (بابٌ الدين يسر.) اليسر ماهو؟ يعني الدين دينٌ ذو يسر، واليسر هو السماحة.
فقال رحمه الله: (بابٌ الدين يسر.) أي: ذو يسر وسهولة وسماحة، (وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ”) أخرجه هنا ولم يذكر السند؛ لأن الحديث ليس على شرطه، لكن الحديث ثابت.
فقوله عليه الصلاة والسلام: “أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة” دل هذا على ماذا؟
على أن خصال الدين متفاوتة، فبعضها أحب إلى الله عز وجل من غيرها، وقال أحب الدين إلى الله، الدين هنا يشمل الأديان فهو اسم جنس، إذن هذه محتملة
(أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة) أي دين الإسلام أحبُّ إلى الله من الأديان السابقة؛ ولذلك فالقرآن هو أفضل الكتب السابقة.
أو أحبُّ الدين: يعني خصال الدين الإسلامي المحبوب منها عند الله ما كان أيسر؛ ولذلك ثبت قوله عليه الصلاة والسلام في حديثٍ آخر:
“خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ” أيضًا حتى هذا قد يراد منه اسم جنس الأديان السابقة
أو الدين الإسلامي.
قال (الحنيفية) الحَنَفْ هو الميل لكن الميل من الباطل إلى الحق.
قال (السمحة) يعني التي بها يسر وهي ملة ابراهيم عليه السلام؛ ولذلك في أواخر سورة الحج {وَما جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُم إِبراهيمَ} [الحج: ٧٨]
ثم ذكر رحمه الله حديث أبي هريرة قال:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) البصري صدوق، (قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطي ثقة، (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ) المدني وهو مقبول من حيث الرواية، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) المدني ثقة لكن قبل وفاته يمكن بأربع سنوات تغير حفظه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) الدين هنا دين الإسلام لأن الأديان السابقة كان عليها العَنَت والآصار والأغلال {الَّذي يَجِدونَهُ مَكتوبًا عِندَهُم فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعروفِ وَيَنهاهُم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَالأَغلالَ الَّتي كانَت عَلَيهِم} [الأعراف: ١٥٧] (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) وليس المقصود من اليسر كما يفهمه البعض أو ربما نَقَلَهُ مَنْ يتصدَّر وسائل الإعلام ممن عليه لباس العلم الشرعي إما من حيث الهيئة أو من حيث الشهادة من أنه يُتساهَل لنقله من عدم المبالغة في واجبات الدين، أو أنه يتسامح في بعض المحرمات أو ماشابه ذلك فإن هذا ليس بيسر هذه معصية لله عز وجل ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال الله عز وجل { يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ} [البقرة: ١٨٥]
إذن (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ): الواجبات من حيث الفعل، المحرمات من حيث الترك يسيره ويجب أن يُؤتى بها؛ ولذا من عجز عن الواجب فيسقط عنه؛ [لا واجب مع العجز] ومن احتاج إلى مُحرَّم حال الضرورة أبيح له بقدر الضرورة.
أما أن يُفتَح الباب هكذا فإن هذا ليس من دين الإسلام.
(إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) فيأخذ الإنسان نفسه بالعبادة ويطلب منها الكمال والأكمل لكن بحيث لا يفضي به ذلك إلى الفتور والملل ثم الترك، ولذلك لمّا أتى بالجملة الأولى (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ)، ناسب أن يذكر ماهو نقيض اليسر الشدة أو التشدد، قال: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ) والمشادة هي الجذب، والشد يُحتاج فيه إلى قوة حتى تغلب من تشادده، لكن هنا تشادد من؟ الدين، فتعجز؛ ولذلك قال: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ) إلا غلبهُ الدين؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا” أي تصلوا، ولمّا خُشي أن يُفهم من بيان أن الدين يسر والتحذير من التشدد، ما يُخشى أن يُفهم؛ أمر عليه الصلاة والسلام فقال (فَسَدِّدُوا) السداد هو الإصابة كتسديد السهم إلى مكان الرمي، قال: (فَسَدِّدُوا) أي احرصوا على إصابة الدين والسنة، ولا تعجزوا ولا تتهاونوا فمن لم يبلغ السداد والوصول؛ إذن فلْيَقرُب من السداد؛ ولذلك قال (وَقَارِبُوا) أي قاربوا من السداد؛ ذلك بأن الإنسان تأتيه فترات، إما بأن يكون مسدِّدًا أو إن لم يستطع السداد فليكن مقاربًا، (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) ثم سبحان الله أتى بلفظة فسدِّدوا تدل على الرمي، أليس كذلك؟ بلى. ألم يقل عليه الصلاة والسلام: “أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ” دل على أن الإنسان في طاعة الله ليكن قويا، كحال الرامي. (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا) ثم سبحان الله، يعني من فضل الله عز وجل على المسلم إذا سدد وقارب من أن أجره لن يُبخَس؛ ولذلك قال: (وَأَبْشِرُوا) والبشرى هي الخبر السار (وَأَبْشِرُوا) يعني لن يضيع ما عملتم، وفي هذا أيضًا بيان استحباب التبشير، أن يُبَشَّر المسلم، وأعظم البشرى للمسلم ما يُبَشَّر فيما يتعلق بدينه. قال: (وَأَبْشِرُوا) وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن السعادة الحقيقية التي تَحْصُل من البشرى إنما هي في سعادة الدين، لا في سعادة الدنيا كما يتوهمه الكثير؛ لأنه إذا قام بالدين أتت إليه الدنيا وهي راغمة، ولمّا كان الإنسان بحاجة إلى أن تكون له فترات من الراحة، وفترات من الجد في العبادة؛ أوضح عليه الصلاة والسلام الأوقات المناسبة للسداد والمقاربة في العمل، قال: (وَاسْتَعِينُوا) طلب العون من حيث فعلك أنت، وهي استعانة يعني بمعناها اللغوي؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لذلك الرجل:
“اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَى ” نفقة ” أَهْلِكَ”
وكما قال عز وجل: {وَاستَعينوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: ٤٥]
(وَاسْتَعِينُوا) أردت بذلك ألا يُتعارَض من أن الاستعانة عبادة ما يجوز صرفها إلا لله عز وجل.
قال: (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ) الغدوة أول النهار (وَالرَّوْحَةِ) آخر النهار (وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) الدلجة قيل السير الليل كله، أو بعضًا من الليل، لكن الأظهر هو سير الليل؛ ولذلك انظروا يعني كما قلنا الاستعانة هنا بالغدوة والروحة وبشيء من الدلجة فيما يتعلق بالنوافل، من صلاة من قراءة قرآن من ذكر، قال (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ) دل هذا على ماذا؟ دل هذا على أن الإنسان عنده زمن من الوقت في يومه لمعاشه ولمباحاته (وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) أي من الليل، سبحان الله، يعني المسافر حتى يصل إلى بلدته أو إلى مقصوده وخصوصًا فيما مضى السير على الرِّكَاب على الإبل وعلى الخيول يستعين بالغدوة وبالروحة وبجزء من الليل،
ولذلك في حديث يحسنه بعض أهل العلم “الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى” يعني المستمر في سيره لم يقطع الأرض التي يريدها، وأيضًا لم يبقِ ظهره الذي يركبه، وسبحان الله نحن مسافرون، العُبّاد الناس في هذه الدنيا مسافرون، فهو ذكر عليه الصلاة والسلام الأوقات التي يَفْضُل للمسافر أن يسافر فيها؛ فكذلك أنت أيها العابد هذه الدنيا ليست منزلًا لك، فنحن بمثابة المسافرين؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند الترمذي “مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وتركها” ولذلك لم يقل الليل كله؛ لأن عمل الليل أشق من عمل النهار، قيام الليل أشق من النهار ولا شك في ذلك.
(30) بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ.
40- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ – أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ – مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ – قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ – رِجَالٌ، وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } .
ثم ذكر رحمه الله بابًا فقال: (بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}) هنا الإيمان ما هو؟ الصلاة.
ففيه ردٌ على المرجئة الذين أخرجوا العمل من الإيمان، فأين عقولهم! إن كانوا مؤمنين بالقرآن فإن القرآن سمّى الصلاة إيمانًا فما بعد ذلك؟ ثم استدل بقوله {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضيعَ إيمانَكُم} [البقرة: ١٤٣] يعني صلاتكم.
وستأتي هذه الآية من ضمن الحديث الذي ذكره رحمه الله، قال البخاري: (يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ) كيف؟ المقصود من الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس في الصلاة ثم بعد ذلك نُسِخَتْ فاستقبل القبلة فمات أناس من الصحابة رضي الله عنهم قبل أن يأتي هذا النسخ، فكانت صلاتهم السابقة نحو بيت المقدس، وهذا أين؟ في المدينة. فكيف يقول البخاري (يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ) ؟ بعض العلماء يقول هناك تصحيف أو حذف، يعني أن مقصوده يعني صلاتكم عند غير البيت؛ لأن المقصود من البيت الكعبة، والذي يظهر أنها باقية على ماهي عليه، يعني صلاتكم عند البيت الصحيح كما دلت عليه الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر كان يصلي جهة القبلة لكن إلى جهة بيت المقدس، فاستمر به الحال هكذا، فلما هاجر إلى المدينة بقي الأمر على ما كان عليه من استقبال بيت المقدس، المقصود أنه كان يصلي إلى جهة الكعبة لكن من أي جهة؟ الجهة التي يُتَّجَهُ فيها نحو بيت المقدس، ثم ذكر رحمه الله حديث البراء قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) المصري وهو ثقة، (عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) ضَبَطَهُ بعضهم عُمَر بن خالد، وهذا تصحيف كبير؛ لأنه ليس من شيوخ البخاري مَنْ اسمه عُمَر بن خالد، ولا من رجاله، ولا من رجال الكتب الستة، إنما هو الضبط عَمْرُو بن خالد.
(حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) زهير بن معاوية الكوفي، أيضًا ثقة ثبت (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) أبو إسحاق السَّبِيعِي، اسمه عمرو وهو كوفي ثقة ومن العُبّاد ممن يكثر العبادة، وقد اختلط في آخر عمره، -الله المستعان ابن آدم ضعيف- أولًا لِيُعْلَم أن أبا إسحاق اختلط، وسماع زهير منه بعد الاختلاط وهذا إشكال، لكن تَابَعَهُ في ذلك حفيده -لأبي إسحاق حفيد اسمه إسرائيل بن يونس- ذكر البخاري كما سيأتي معنا من أن أبا إسحاق قال سمعتُ البراء؛ إذن أُمِن من تدليسه، بالنسبة إلى البخاري ومسلم، يعني ماذكروه من حديث فيه مدلِّس ولم يُصرِّح بالسماع وإنما بالعنعنه؛ فإنهم ما ذكروه إلا لأنه ثَبَتَ عندهم من طرق أخرى أنه صرّح بالسماع، (عَنِ الْبَرَاءِ) وهو البراء بن عازب (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ) بالنصب هنا، يعني أول زمن (كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ – أَوْ قَالَ : أَخْوَالِهِ -) شك هنا، كيف؟ هل هم أجداده أم أخواله؟ طبعًا الشك من أبي إسحاق، فإطلاق أنهم أجداده أو أخواله تَجَوُّزًا؛ لأن الأنصار أقاربه من جهة أمه؛ لأن أم جدِّه عبدالمطلب واسمها سلمى كانت منهم، فهنا إطلاق الأخْوال أو الأجداد تَجَوُّزًا، يعني ليسوا أجداده القريبين، أو أخواله القريبين، فقوله أخواله؛ لأن القرابة من جهة الجدة (وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ) أي جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وتنطق بيت المُقَدَّس وأيضًا يطلق عليها إيلياء (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) هنا شك، إذًا ما الصواب؟ لِيُعلَم أنه أتت رواية بالجزم على أنها ستة عشر شهرًا، وأتت رواية بالجزم على أنها سبعة عشر شهرًا، والجمع بينهما أنه عليه الصلاة والسلام قَدِم في ثنايا الشهر، فبعضهم من حيث اللغة العربية إما إنهم يلغون الكسر، يلغون الزائد، فمن ألغى الزائد قال ستة عشر، وعلى لغتهم أنهم يجبرون فيُتِمّون فهو أتم الشهر فقال سبعة عشر شهرا، وما ورد عند ابن ماجه من أنه ثمانية عشر شهرًا فهو ضعيف، وكذلك رواية ثلاثة عشر، ورواية أيضًا تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو شهرين ما ورد من روايات أو سنتين، لكن يمكن أن السنتين تقبل من جهة كم عدد الأشهر؟ ستة عشر أو سبعة عشر، يعني على جبر الكسر على جبر الكسر، (وَكَانَ يُعْجِبُهُ ) عليه الصلاة والسلام (أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ)، أي جهة الكعبة، كما قال عز وجل في سورة البقرة: {قَد نَرى تَقَلُّبَ وَجهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها} [البقرة: ١٤٤] سبحان الله فيه فائدة هنا، وهي أن -طبعًا هذا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم- أن الرغبة في تغيير الحكم لمصلحة جائز أو تمني تغير الحكم في عصر النبي عليه الصلاة والسلام جائز للمصلحة؛ لأنه قال (وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ) أي جهة البيت، وفيه بيان منزلة النبي عليه الصلاة والسلام عند ربه {قَد نَرى تَقَلُّبَ وَجهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها} [البقرة: ١٤٤] ولم يقل تحبها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحب كل ما شرعه الله، {تَرضاها} [البقرة: ١٤٤] ترضاها هذا أيضًا فيه تطييب لخاطر النبي عليه الصلاة والسلام، وَعَدَ اللهُ أن يرضيه فأرضاه حتى في الدنيا، (وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ)، لكن هذا يخالف ما جاء من أن أول صلاة صلاها جهة الكعبة بعد أن نُسِخَ التوجه إلى بيت المقدس صلاة الظهر، وورد أول صلاة تُوجِّه إليها صلاة الفجر، فالجمع بينها من أن أول صلاة صلاها في بني سَلِمَة هي صلاة الظهر، وأول صلاة وهي صلاة العصر المذكورة في الحديث هنا في المسجد النبوي، وأن الفجر لما مرَّ الصحابي رضي الله عنه على من هو خارج المدينة، أين؟ في قباء. (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ) أي جهة الكعبة (فَخَرَجَ رَجُلٌ) هو عبّاد بن بشر (مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ) يعني وهم راكعون يصلون جهة بيت المقدس؛ لم يأتهم الخبر، وهذا يدل على ماذا؟ يدلُّ على أن الإنسان لا يؤاخذ قبل العلم، ويدل أيضًا أن ما تَعبّد من عبادة على وفق الشرع فنُسِخَت وهو لا يعلم، من أن تلك العبادة بعد انقضائها مقبولة صحيحة، وأنه في ثناياها ما مامضى منها صحيح (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ) يعني سبق ذلك تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة (فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ) الشهادة هنا بمعنى الحلف يعني أحلف بالله كما قال عز وجل في آية اللعان:{ فَشَهادَةُ أَحَدِهِم أَربَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقينَ } [النور: 6] (فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ) وهذا يدل على جواز أن يُكَلَّم من هو في الصلاة -لأنه كلمهم وهم في الصلاة- إذا وُجِدَت المصلحة أو الحاجة وقد وردت أدلة غير هذا؛ تلك الجارية في بيت أم سلمة كلمت النبي ﷺ لما صلى الركعتين بعد صلاة العصر وهو يصلي؛ هل نسي؟ أم أنه لم ينسَ؟ كيف يصليها بعد صلاة العصر؟.
(فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ) لكن لماذا كانت الشهادة بمعنى اليمين؟ لأن كليهما إثبات للحكم الشهادة والحلف، ولذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ ” الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي” يعني الشهود “وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ” (فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ) فماذا صنعوا؟(فَدَارُوا) هذا يُستفاد منه ماذا؟ من أن الصحابة رضي الله عنهم فيما نقلوه وأخبروه عدول
لا يُشكك في روايتهم إذا ثبتت من حيث السند الصحيح، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن خبر الواحد مقبول، لأن هناك طائفة شذَّت فقالت: لا يُقبل من الأحاديث إلا ما كان متواترًا وهؤلاء هم المعتزلة والمعطلة الذين يُعطِّلون أسماء الله وصفاته، فما ثبت من خبرٍ نَقَلَهُ الرجل العدل فيُقبَل.
قال: (فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ) وفي هذا سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم اقتداءً بما يُنقل؛ مما نقله العدل عن النبي ﷺ فواجب على الناس في هذا الزمن إذا ثبت عندهم الحديث الصحيح من فِعْلِه أو قَولِه ﷺ أن يبادروا.
قال: (فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ) ويستفاد من هذا من أن الإنسان لو أخبره ثقة أو اجتهد في تحديد القبلة فصلى إلى غير القبلة سواء كان في صحراء أو في أي مكان وهو لا يعلم بعد أن اجتهد أو أخبره الثقة فنُبِّه إلى الجهة الصحيحة، أنه لا يقطع صلاته بل يُكمل الصلاة إلى الجهة التي أُخبر من أنها هي جهة القبلة.
(فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ) واليهود حيثما يُقَلَّبُون
لا يَقْبَلُون،1-اتجه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس وهي قِبْلةٌ لهم
فما آمنوا به!
2- نُسخت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ماهم لم يؤمنوا به فقط بل شككوا في رسالته!.
(وَكَانَتِ الْيَهُودُ) قبل أن يُنسخ الحكم إلى جهة القبلة (قَدْ أَعْجَبَهُمْ) لكن الإعجاب الذي لا يدعو الإنسان إلى العمل وإلى الإيمان لا خير فيه، فما حصل منهم الإعجاب إلا لحظٍ دنيوي فقط (إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ) عَطَفَ أهل الكتاب واليهود من أهل الكتاب هنا هو عَطْفُ عامٍ على الخاص، بعضهم يقول: (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) يعني النصارى دخلوا، لكن نقول: النصارى ليست هذه قبلة لهم فبعيد؛ إذًا يكون المعنى والعلم عند الله (إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ) عَطْفُ عامٍ على الخاص لبيان أن اليهود هم أهل كتاب ويعلمون من كتبهم من أن النبي محمدًا ﷺ سيستقبل بيت المقدس ثم يُنسخ الحكم بدليل ما جاء في سورة البقرة: {وَإِنَّ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ لَيَعلَمونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِم} ذكر هذه بعد قوله: {قَد نَرى تَقَلُّبَ وَجهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها} [البقرة: 144]
فهي من باب إقامة الحجة عليهم، فقال: (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) ويصح أن تُنطق (وَأَهْلَ الْكِتَابِ) باعتبار أن الواو واو المعية (فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ) أي صرف وجهه (قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ) إنكارَ تكذيب وتشكيك (قَالَ زُهَيْرٌ) قال زهير: قد يظن البعض من أن هذا مُعَلَّق لا، هو تبع السند السابق ولذلك لم يذكر الواو فهو هنا مُسنَد بالسند السابق (قَالَ زُهَيْرٌ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ – قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ – رِجَالٌ، وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } ) قال: (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ – قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ – رِجَالٌ، وَقُتِلُوا) ماتوا: بيَّنا ذلك في كلامنا عند ذِكر الباب، لكن (قُتلوا)؟ لم يؤمروا بالجهاد وقتها أي ( وَقُتِلُوا ): قتلوا في أمر آخر غير الجهاد وهذا يدل على ماذا؟ يدل على ضبط الرواة لأنه لو قال: “وماتوا” لَعَمَّ الكل لكن لما قال: (وَقُتِلُوا) دل على الضبط (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ) وفي هذا بيان أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أحرص الناس مع قربهم من النبي ﷺ وقربهم من عهد النبوة كانوا أحرص الناس على عدم القول في دين الله بما لم يعلموا -الله المستعان- كيف لو رأوا حال بعض الناس في هذا الزمن ممن يتصدر للفتوى ويفتي في كل شيء والمشكلة إذا كان الإفتاء بالآراء رأيي كذا وأرى كذا وأرى كذا -الله المستعان- يقول الشعبي الحافظ الذي مر معنا ذِكْرُه كما في مقدمة الدارمي قال: “مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلَاءِ عَنْ النبي ﷺ فَخُذْ بِهِ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِي الْحُشِّ” في أماكن القاذورات يعني ديننا ليس بدين آراء (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي هذا دليل على أن القرآن مُنزّلٌ غيرُ مخلوق، والإنزال يدل على العلو، من أدله علو الله عز وجل ولذلك أتى بعدها بكلمة -بعد اسم الله- بكلمة تعالى التي تدل على العلو ({ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ }) أي صلاتكم وفي هذا كما سبق رد على المرجئة الذين أخرجوا العمل الصالح من الإيمان فيُقال: كيف والله عز وجل سمى الصلاة إيمانًا.