الشيخ زيد البحري تقريب شرح السنة لعامة الأمة ـ صحيح البخاري ـ حديث ( 41 ـ 42 ) ـ الدرس ( 13 )

الشيخ زيد البحري تقريب شرح السنة لعامة الأمة ـ صحيح البخاري ـ حديث ( 41 ـ 42 ) ـ الدرس ( 13 )

مشاهدات: 162

 بسم الله الرحمن الرحيم

تقريب شرح السنة لعامة الأمة ـ صحيح البخاري ـ

من حديث ( 41 ـ 42 ) ـ

[الدرس الثالث عشر]

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

13-4-1446هـ

 (31) – بَابُ: حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ

41 – قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ, أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ, أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: “إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا”).

ثم ذكر رحمه الله: (٣١ – بَابُ: حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ) عجيب هذا الرجل قال: باب: حسن إسلام المرء، لما ذكر البخاري رحمه الله حديث البراء الذي فيه سبب نزول قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] نظيرها {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } [الكهف: 30] فمن أحسن العمل فلا يخشى فوات الأجر، فذكر هنا حديث أبي سعيد، ذكره معلقًا لم يذكره بسنده، فهذا هو المعلق، والمعلق بصيغة الجزم كما هنا معلقات البخاري بصيغة الجزم تدل على صحته عنده، وقد أورده غيره موصولًا

(قَالَ مَالِكٌ) وهو مالك بن أنس المدني الإمام المعروف المشهور

(أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) وهو مولى عمر رضي الله عنه ثقة

(أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) وهو الهلالي مولىً لأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث صاحب عبادة، وهو من الثقات الأثبات

(أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) وهو سعد بن مالك ومر معنا

(أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: “إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) يعني إذا أسلم العبد ظاهرًا وباطنًا، فإنه إن أسلم ظاهرًا دون الباطن، فهذا هو النفاق

(إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) والعبد يشمل الذكر والأنثى

(فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) ذلك بأنه بعد أن دخل في الدين صار إسلامه حسنًا من حيث ظاهره، ومن حيث باطنه، وهذه الجملة تدل على ما بوب به: [حسن إسلام المرء]، والحُسْنُ معناه الجمال، وكلما كان الإنسان في دينه محسنًا، كان دينه أجمل

قال: (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) النتيجة؟

(يُكَفِّرُ اللَّهُ) وفي رواية أتت بصيغة الماضي “كَفَّرَ اللَّهُ “

(يُكَفِّرُ اللَّهُ) التكفير هو الستر ومحو الذنب

(يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ) فيما مضى ولذا قال

(كَانَ أَزْلَفَهَا) أي اقترفها

وقال هنا: (كُلَّ سَيِّئَةٍ) وهذا يدل على عظم هذا الدين، فإن من أسلم كُفِّرَت عنه كل خطاياه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “الإسلامُ يجبُّ ما قَبلَهُ” وفي رواية “الإسلامُ يهدمُ ما كان قبلَه”، وقال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]

(وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) وكان بعد ذلك القصاص يعني إذا دخل في الدين كُفِّرت سيئاته السابقة، بعدها إن عمل صالحًا، إن عمل حسنة فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف

ولذا قال بعدها: (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) وأتى بصيغة الماضي، (وَكَانَ) يعني كأنه شيء وقع، ذلك بأن الجزاء والحساب كائن لا محالة، فهو مُتحَقَّق الوقوع كما قال عز وجل: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] مع أنه لم يأتِ بعد، {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44] مع أنه لم يأتِ {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 50] ففي هذا بيان أن وقوع الجزاء والحساب متحقق

(وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) القصاص يعني الجزاء، والمقصود تَتَبُّع الشيء مأخوذ من قَصَّ الأثر يعني تَتَبَّعَهُ، هذا يدل دلالة واضحة بينها عز وجل في قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا}  انظروا {بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6]، {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} [الأنبياء: 47]، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [القارعة: 7-8].

(الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) سبحان الله لم يقل العمل الصالح، وإنما اختير لفظ الحسنة لأنه من اشتقاق الحُسْن، اشتقاق الحسن [من حسن إسلام المرء]، وأيضًا لجملة [فحَسُن إسلامه]

(الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) وهذا فضل وكرم من الله، وإلا فالعدل في ميزاننا نحن الشيء بالشيء مقابلًا له، لكن انظروا

(الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) وهذا يدل على ماذا؟

أن المقصود من ذلك ثواب الحسنة، لكن لما قال: الحسنة بعشر أمثالها، دل على أن العمل الصالح يوزن، لأن الحسنة: العمل الصالح

(الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) ولذلك قال الله عز وجل في أواخر سورة الأنعام {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)} [الأنعام: 160، 161]}

(الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) فضل على فضل منه عز وجل، كرم على كرم

(إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) ونظير هذا في سورة البقرة {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261]، ولذا قال بعض العلماء من أنها تُضَعَّف إلى سبعمائة ضعف فقط، وهذا غير صحيح، بل تُضَعَّف إلى ما هو أكثر، ولذا في الحديث الآخر قال: “إلى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرَةٍ” ونظيرها ما جاء في سورة البقرة {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] ولما أبهم هذا التضعيف، وهذا التضعيف ممن؟

من الله دل على أنه لا حصر له من حيث الكم، ولا من حيث الكيف

(إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) وهذا يدعو الإنسان إلى ماذا؟

يدعو الإنسان إلى الإكثار من الطاعة هذا أولًا، الأمر الآخر وهو الأهم أن هذا التضعيف هو يختلف من شخص إلى آخر بالنسبة إلى أهل الإسلام، دل هذا على أن الإنسان يحرص على أن يكون عمله متقنًا مُحسِنًا فيه، وكلما كان العمل أكمل، كلما كان التضعيف أكثر

ولذلك لم يقل الله عز وجل: أيكم أكثر عملًا، أتى بلفظة أحسن وهو ما كان خالصًا لله، صوابًا على وفق ما جاء به رسول الله ﷺ، سبحان الله أيضًا يؤخذ من هذا سعة غنى الله، فمن أسماءه الغني، وصفته الغنى، والحديث هنا يربط المسلمين بالآخرة لا بالدنيا

قال: (الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) وفي الحديث الآخر: “إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ”، ولم يذكر ما يتعلق بثواب الدنيا، مع أن من عمل العمل الصالح أُثيب في الدنيا {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل: 97].

(وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) أن يُجازى بمثلها، وهذا يدل على ما أسلفته من قول الحسنة بعشر أمثالها المقصود الجزاء والثواب، فالمقصود الجزاء، هنا والسيئة بمثلها أي: يُجزى بمثلها، {وَمَا رَبُّكَ}  وهذا يدل على كمال عدله عز وجل {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)} [فصلت: 46]، بل هو لا يريد الظلم، هو لا يوقع الظلم ولا يريده، { وَمَا اللَّهُ يُريدُ ظُلمًا لِلعِبادِ} [غافر: 31]، {وَمَا اللَّهُ يُريدُ ظُلمًا لِلعالَمينَ} [آل عمران: 108]وهذا من كرمه عز وجل.

والمقصود من السيئة هنا، ليست سيئة الشرك، وإلا لتناقض آخر الحديث بأوله، ” إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ”، لأن السيئة قد تطلق على الشرك، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)} [النمل: 89] حسنة التوحيد مع الأعمال الصالحة، {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90] أي سيئة؟

سيئة الشرك

(وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا”) التجاوز هو العفو وعدم المؤاخذة، وهذا من رحمته عز وجل، ومن كرمه

وقوله: (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا”) فيه رد على الخوارج الذين يُكَفِّرُون صاحب الكبيرة، فهو هنا لما قال: (وَالسَّيِّئَةُ): تشمل الصغيرة والكبيرة، وكذلك المعتزلة، الخوارج والمعتزلة، ولذلك أيضًا قال

(وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) الخوارج والمعتزلة يرون أن صاحب الكبيرة مُخلَّد في النار في يوم القيامة، يرون -الذين هم الخوارج- أن صاحب الكبيرة في الدنيا كافر، المعتزلة يقولون: في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن، ولا كافر، هذا الحديث يرد على هاتين الطائفتين، لأنه أثبت له الإسلام مع وجود السيئة

 (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا”) سبحان الله ما أعظم الله!

ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لما أرشد عائشة رضي الله عنها في السنن: ” إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : ” تَقُولِينَ : اللَّهُمَّ، إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ” وفي هذه الجملة بيان لتحريم القنوط من رحمة الله عز وجل، فمهما عمل الإنسان من ذنب عليه أن يتوب إلى الله ولا يقنط {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].

42 – حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: “إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا”).

ثم ذكر رحمه الله حديث أبي هريرة

قال:(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) النيسابوري ثقة ثبت

(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو عبد الرزاق بن همام اليماني، ثقة حافظ، وأصابه العمى في آخر حياته، فتغير حفظه

(قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) وهو معمر بن راشد اليماني أيضًا ثقة ثبت

(عَنْ هَمَّامٍ) وهو همام بن منبه اليماني، صاحب الصحيفة التي كتبها عن أبي هريرة، هناك نسخة له طبعا هو ثقة، وهذا الحديث من نسخته المشهورة من أقدم النسخ في الحديث، عنده جملة أحاديث رواها عن أبي هريرة رضي الله عنه بسند واحد

ولذلك هذا الحديث من تلك النسخة، وهذا يدل على أن البخاري رحمه الله يرى أن له أن يأخذ حديثًا من تلك النسخة دون أن يبين أنها منها، وذلك بذكر سندها كما هنا، بعض العلماء يقول: لا بل يُذكر السند وتُذكر الأحاديث، إلى أن يأتي إلى موطن هذا الحديث؛ يعني يَذْكُر السند ثم يَذْكُر الأحاديث مرتبة إلى أن يأتي إلى الحديث الذي يريد إيراده، بعضهم قال: إنما يذكر أول حديث ثم يورد الحديث الذي يريد إيراده، البخاري كما هنا ذكر الشاهد فقط، لكن الإمام مسلم رحمه الله توسط

ولذلك من يقرأ صحيح مسلم يذكر السند مثلا كما هنا قال: عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: فذكر أحاديث منها، ثم يورد الحديث، ولذلك هو لما ذكر عن همام بن منبه قال: هذا -بهذه الصيغة- هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها: ثم ذكر الحديث

(“إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) هنا فيه رد على المرجئة، ذلك بأن الإسلام يتفاوت

(“إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) وفي هذه الجملة إرشاد المسلم إلى إحسان إسلامه

(“إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) ردْ على المرجئة، فيحرص الإنسان على إكمال إسلامه وإحسانه، وفيه رد على الجبرية لأنه أسند الفعل فعل الإحسان إلى العبد، الجبرية يقولون: إن العبد مجبور على فعله، فما وقع منه ليس باختياره وهذا ضلال مبين

(“إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) قال: إسلامه هذا يدل على أن أول ما يحرص عليه المسلم أن يُزكِّي عمله، وأن يُحسِن عمله قبل أن يدعو غيره إلى إحسان إسلامه، فالإنسان يبدأ بنفسه أولا

ولذلك قال: (“إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ) من الذي يكتب الله أو الملائكة؟

الملائكة بأمر الله جاء حديث يقول الله عز وجل: “اكتُبُوا لعبدي”

ولذلك قال هنا: (تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) سبحان الله قال هنا قال: بعشر أمثالها المِثْلُ يُشتَرط فيه التساوي، لكن قد يخرج عن هذا، فلا يَلزَم في المِثْلِ أن يكون متساويًا، فانظروا

قال: (تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) من فضله عز وجل أنه يضعف الحسنة كمًا وكيفًا، عددًا وكيفية، فهي تكون إلى عشر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة هذا من حيث العدد، من حيث الكيفية أفضل، فالمثلية هنا ليست مثلية متساوية لا، وإنما هي مثلية زائدة في كيفية عمله

الدليل {مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنها} [النمل: 89] {فَلَهُ خَيرٌ مِنها}

(وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا”) وهذا فيه دليل على وجود الكتابة؛ كتابة الأعمال، فهذا الحديث يجعل الإنسان يراقب الله في أفعاله، وفي أقواله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: 18]، {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} [الانفطار: 10-11]، {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29)} [النبأ: 29] فأورد المصنف رحمه الله هذا الحديث من أجل إذا أحسن أحدكم إسلامه.

أما مثلية السيئة فالعدد: الكم والكيف واحد، أما بالنسبة للسيئة فالكم: العدد واحد، الكيفية: الأصل واحدة إلا إن فُعِلَت في زمن فاضل، أو في مكان فاضل، فالسيئة في مكة واحدة، لكن تَعظُم من حيث الكيفية، السيئة في رمضان إذا عُمِلت في غير رمضان سيئة سيئة، لكن بالنسبة إلى النوعية والكيفية، فهي أفظع، فهي أفظع.

وكذلك الحسنة، الحسنة في الزمان والمكان المطلق الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، تُضعَّف أيضًا كيفية في زمان فاضل كرمضان، وعشر ذي الحجة، أو مكان فاضل كمكة، فالحسنة تُضعَّف من حيث العدد إلى عشر، وتُضعَّف بأضعاف كثيرة باعتبار حرص المسلم على إحسان إسلامه.

وانظروا إلى ترتيب البخاري سبحان الله، يعني دقيق الحديث السابق قال: “إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ” يعني كان كافرًا “إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ”، ثم أردفه بالحديث الذي يليه من أنك يا مسلم من حيث الأصل أنت معنيٌّ بهذا أيضًا

ولذلك خاطب “إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ” الخطاب لمن؟

للمسلمين قال: “إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ” يعني ليس هذا محصورًا فقط هذا التضعيف بمن كان كافرًا، ثم دخل فحسن إسلامه لا، بل حتى لمن كان من حيث الأصل، من كان مسلمًا.