التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران
الدرس ( 18)
من الآية ( 181 ) حتى ( آخر السورة )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)}
{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} وهذا هو قول اليهود لما سمعوا قول الله عز وجل {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قالوا هذا القول، وهذا القول أيضا يتضمن منهم ماذا؟ التشكيك، تشكيك الصحابة في دين الله عز وجل {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ} وفي هذا إثبات صفة السمع لله بما يليق بجلاله وبعظمته {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} يعني أيضا سيكتب ما جرى منهم من قتل الأنبياء، مع أن هذا الخطاب موجه لمن في عصر النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما في هذا تنديد بهم؛ لأنهم رضوا بما فعله أسلافهم من قتل الأنبياء، ولأنهم عزموا، وأرادوا قتل النبي محمد عليه الصلاة والسلام {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} أي المحرق {ذَلِكَ} يعني ذلكم العذاب {بِمَا قَدَّمَتْ} يعني بسبب {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} لكمال عدله.
{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}
{الَّذِينَ قَالُوا} وهم اليهود {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} يعني في التوراة {أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} يعني شيء نتقرب به إلى الله من ذهب، أو زرع، أو ما شابه ذلك {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} فإن جاءت النار، فأكلته، دل هذا على أنك صادق يا محمد {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ} بالحجج الواضحة {وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} يعني بقربان {وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} يعني بعضهم من الأنبياء السابقين أتوا بالذي قلتم، ومع ذلك ما جرى منكم إلا التكذيب {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فالتوراة لا تأمر بقتل هؤلاء {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
{فَإِنْ كَذَّبُوكَ} يا محمد {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ} بالحجج الواضحة {وَالزُّبُرِ} وهي الكتب المزبورة مثل صحف موسى وصحف إبراهيم {وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} يعني الواضحة، الكتب الواضحة المبينة.
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} يستمتع بها من؟ أهل الغرور، وأهل الباطل بتزيين الشيطان لهم.
{لَتُبْلَوُنَّ} يعني لتختبرن أنتم أيها الصحابة، وأيضا شامل لجميع المسلمين 0 {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} {فِي أَمْوَالِكُمْ} من حيث ذهاب الأموال، أو قلة الأرباح، أو ما شابه ذلك {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} بالأمراض وما شابه ذلك {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} اليهود والنصارى {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} يعني الصبر والتقوى {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يعني المعزوم عليها، والتي تجب عليكم.
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ} يعني لتوضحن هذا الكتاب {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} لكن ما الذي جرى منهم؟ {فَنَبَذُوهُ} يعني طرحوه {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} يعني لم يبالوا به {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} من هذا الدنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} ذم لما اشتروه.
{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)}
{لَا تَحْسَبَنَّ} يا محمد {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} وأيضا هذا فيه تسلية أيضا لمن أتى من الأمة إلى آخر هذه الدنيا {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} من ماذا؟ من الباطل في صورة الحق {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} يعني يحبون أن يثنى عليهم من أنهم أهل الحق مع أنهم أتوا بالباطل، وهذا يصدق على ماذا؟ حتى كما قال ابن القيم يصدق على كل مبتدع، وصاحب هوى من أنه على بدعته، وعلى هواه، ومع ذلك يحب أن يحمد من أنه على الحق، أو أنه من أهل السنة والجماعة.
{وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} يعني نجاة {مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)}
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} له ملك السموات والأرض {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} من حيث الطول والقصر {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ} علامات {لِأُولِي الْأَلْبَابِ} لأصحاب العقول إذ يستدلون بها على عظم خالقها عز وجل.
ما صفات هؤلاء؟
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)}
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} يعني يذكرون الله في جميع الأحوال، وأيضا يدخل في ذلك من أن العبد إذا لم يستطع أن يصلي قائما فليصل قاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} ليس كما قاله الكفار {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} تنزيه لله عما لا يليق به {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
{رَبَّنَا} لجؤوا إلى الله {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} يعني أهنته {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.
{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا} يشمل هذا النبي محمدا عليه الصلاة والسلام، ومن في عصره، ويدخل في ذلك القرآن لمن جاء بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا} ولذلك توسلوا إلى الله بهذا الإيمان أن يغفر الله لهم ذنوبهم {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} يعني من جملة الأبرار.
{رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} مما وعدت به من الثواب {وَلَا تُخْزِنَا} يعني لا تهنا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} وفي هذا ثناء على الله.
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)}
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} يعني استجاب الله لهم تلك الدعوات {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} ونص على الذكر والأنثى من باب بيان أن الذكر والأنثى يستويان في قضية الثواب {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} أصلكم من آدم {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} إذًا الذي يفضل إنما يفضل بتقواه {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} من طلب الثواب فليطلبه من الله.
{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}
{لَا يَغُرَّنَّكَ} يامحمد، وهذا أيضا يشمل كل فرد من أفراد الأمة، لا يغره، ولا يغتر بصولة وجولة الكفار، وأهل الأهواء والبدع، وما لديهم من الأموال والتجارة {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ} في هذه الدنيا {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ} مصيرهم {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} يعني وبئس الفراش.
{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} في هذه الدنيا، ولم يغتروا بهذه الدنيا {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ} يوم القيامة {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا} والنزل هو ما يقدم للضيف، يعني أنهم ينزلون هذه المنازل كما قال تعالى {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} يعني بالانتقال إلى غيرها {نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} يعني المطيعين.
{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)}
{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} المقصود من أهل الكتاب صنف طيب ليس كأولئك {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}ليس كل هؤلاء في درجة واحدة من هذا السوء، بل هناك صنف طيب {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} القرآن {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} من الكتب التوراة والإنجيل {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} يعني أنهم متواضعون لله عز وجل.
{خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} كحال أولئك {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
ثم في ختام السورة أمر بالصبر والمصابرة والمرابطة والتقى؛ لأنها سبيل إلى الفلاح وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا} فيما يخص أنفسكم {وَصَابِرُوا} يعني صابروا الأعداء {وَرَابِطُوا} تشمل المرابطة على الحدود، وأيضا تشمل المرابطة وهي انتظار الصلاة إلى الصلاة كما جاء بذلك الحديث {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وبهذا ينتهي تفسير سورة آل عمران.