تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز )من الآية( 1)حتى( 32 ) الدرس ( 12 )

تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز )من الآية( 1)حتى( 32 ) الدرس ( 12 )

مشاهدات: 704

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران

الدرس ( 12)

من الآية ( 1 ) حتى الآية ( 32 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخزيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)}

نشرع بعون من الله في تفسير سورة آل عمران…

{الم} مر معنا في أول سورة البقرة، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} مر معنا بيان ذلك في آية الكرسي في سورة البقرة.

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} يعني القرآن {بِالْحَقِّ} يعني مشتملا على الحق {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني أنه مصدق للكتب السابقة {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ} يعني من  قبل تنزيل هذا القرآن {هُدًى لِلنَّاسِ} يعني التوراة والإنجيل هداية لمن كان في ذلك العصر {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} أي جميع الكتب التي تفرق بين الحق والباطل، وهي جميع الكتب السماوية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ} سواء كانت آيات الله الشرعية، وهي الكتب التي أنزلها على الرسل، أو آيات الله الكونية من السموات والأرض {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ} يعني قوي وغالب لا ينال بسوء {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} أي هو صاحب انتقام، ينتقم ممن عصاه.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)}

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} وذلك لكمال علمه وإحاطته، {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} يصوركم من حيث الأطوار من النطفة إلى العلقة إلى المضغة كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}

{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي لا معبود بحق إلا هو {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)}

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ} يعني يا محمد {أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} وهو القرآن {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} يعني من أنهن واضحات المعنى {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} يعني أصل الكتاب، فأصل الكتاب، والأكثر في هذا القرآن هو المحكم {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يعني خفي معناه إلا بدليل آخر، أو على القول الآخر من أن المتشابه هو الذي لا تدرك حقيقته كحقيقة كيفية صفات الله، وكيفية ما يكون في الجنة وفي النار، فقال عز وجل {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} يعني ضلال وفتنة وغي {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} يعني يبحثون عن المتشابه، ويتركون المحكم {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} من أجل ماذا؟ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} بمعنى أنهم يفتنون الناس، فيقولون هذه أدلتنا من القرآن، وهم يريدون بذلك ترويج وتسويق الباطل لديهم حتى يشوشوا على عوام الناس، فقال عز وجل {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} يعني تفسير هذا القرآن بما يؤول إليه باطلهم، وبما يظهرون باطلهم

{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ما يعلم تفسيره إلا الله {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}  هل الراسخون في العلم يعلمون المتشابه أم لا؟ ولذلك هل يوقف هنا ام يوصل؟ بمعنى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أم نقف {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ثم نستأنف {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} إن كان المقصود من المتشابه هو ما يؤول إليه كيفية أسماء الله وصفاته، وحقيقة ما يكون في الجنة، وفي النار، فهذا لا يعلم تأويله إلا الله، ولذلك نقف، ولذا قال تعالى {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)}وإن كان المقصود من أنه لا يفهم معناه إلا بدليل وبتمعن، فإن هذا أيضا يفهمه الراسخون في العلم، فليس هناك شيء يخفى على هذه  الأمة في هذا القرآن، قد يخفى على بعضهم، أو على أكثرهم، لكن لا يخفى على آخرين، فقال تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}،  وليعلم أن القرآن جاء  في آيات من أنه كله محكم {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} وجاء في آيات من أنه كله متشابه {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الإحكام أو المحكم هنا من أنه كله محكم متقن، وأما المتشابه بمعنى أن القرآن كله متشابه، يعني يشبه بعضه بعضا في الحسن، وفي الإتقان، وفي الإحكام، لكن هنا الآية هنا تختلف {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} على ما فصلنا.

{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} إنهم رسخوا في العلم، لهم علم عظيم {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} ما هو المحكم والمتشابه {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} وما كان من عند الله فلا يمكن أن يكون فيه تناقض  واختلاف {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} لكن من عنده زيغ يتبعون المتشابه لإضلال الناس {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ} يعني ما يتعظ {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} وهم أصحاب العقول.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)}

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} سواء كان هذا الدعاء على ما قيل لعموم الأمة لبيان حالهم، أو للعلماء الراسخين دل هذا على ماذا؟ على أنهم مع أنهم راسخون في العلم إلا إنهم يخافون من الزيغ، حتى لا يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك، ولذلك مع أنهم راسخون في العلم يدعون الله عز وجل {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} رحمة شاملة، رحمة في بيان العلم، رحمة فيما يتلق بزيادة الإيمان {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} وتوسلوا إلى الله باسمه الوهاب {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} لماذا دعوا الله، ولماذا خافوا من الله؟ لأن هناك يوما عظيما {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ولابد أن يأتي هذا اليوم.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)}

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ} يعني لن تفيد ولن تجدي {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} يعني حطب النار كما قال تعالى {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}

{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ} يعني عادة وحالة كفار قريش الذين كذبوك يا محمد كحال من وعادة من؟ عادة الأمم السابقة من آل فرعون ومن شابههم {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} ما هي العقوبة؟ {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}، وفي هذا تهديد لكفار قريش {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)}

{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} قل يا محمد للذين كفروا {سَتُغْلَبُونَ}، وهذا يدخل فيه عموم الكفار، ولاسيما اليهود؛ لأنهم قالوا يا محمد لا يغرنك أنك انتصرت على قريش، فإنهم لا يحسنون القتال، لو نازلتنا لرأيت أننا نحن القوم، فقال الله عز وجل له عليه الصلاة والسلام {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} وهذا شامل لجميع الكفار حتى إلى قيام الساعة، فإن الغلبة ستكون عليهم {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} { سَتُغْلَبُونَ } في الدنيا،  وعاقبتكم في الآخرة {وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} بئس الفراش  ما هو؟ النار.

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ} يعني علامة {فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} وذلك في غزوة بدر لما التقىى جيش المسلمين مع جيش الكفار، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وهؤلاء  الكفار يزيدون على تسعمائة، فقال الله {قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ} يعني عبرة وعلامة {فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لإعلاء كلمة الله {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} هذه الآية تفسرها التي في سورة الأنفال {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} مجمل ما يكون لأن هناك اختلافا طويلا فيها، لكن مجمل ما يكون من أن الصحابة رأوا الكفار من أنهم يزيدون عليهم أضعافا مضاعفة، لكن الله عز وجل أرى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه من أن عدد هؤلاء قليل، ولذلك إذا نظر المسلمون إليهم رأوا أنهم قلة، وأولئك إذا رأوا المسلمين رأوا أنهم قلة؛ حتى يلتحم الجيشان، فلما التحم الجيشان إذا بهؤلاء المسلمين يضعَّف عددهم في أعين الكفار، حتى ينزل الله في قلوبهم الرعب، فقال الله عز وجل {قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ}  كما أيد من؟ الصحابة رضي الله عنهم في غزوة بدر {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في غزوة بدر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} الذين يبصرون الحقائق، فينتفعون بها.

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)}

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} فالله عز وجل يزين الشهوات قدرا منه عز وجل لحكمة كما قال تعالى {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)} لكن الشيطان يزينها أكثر، ويحببها أكثر في ماذا؟ في أعين وفي قلوب الناس، فقال الله عز وجل {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} ما هي الشهوات؟ {مِنَ النِّسَاءِ} وقدمهن؛ لأن الفتنة فيهن أعظم {مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ} يعني الأموال الكثيرة {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ}  يعني المجمعة التي بعضها فوق بعض {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ}  من ماذا؟ {مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} يعني التي لها علامات، والتي ترعى {الْمُسَوَّمَةِ} وهي الخيل الحسان، وترعى، ولها علامات {وَالْأَنْعَامِ} الإبل والبقر والغنم {وَالْحَرْثِ} يعني الزرع {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ما مضى متاع الحياة الدنيا، ولا حرج على الإنسان فيما يتعلق بهذه المتع إذا قام بحق الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت عند النسائي قال: (حبب إلي من دنياكم) ماذا؟ (النساء والطيب) فدل هذا على أنه من حيث الأصل لا إشكال في ذلك، لكن المذموم أن تؤدي به هذه الأشياء إلى أن يحيد عن طريق الله {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ} حسن المرجع عند الله.

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)}

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ} يعني أخبركم {بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ}  مما مر من شهوات الدنيا {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} دل هذا على فضيلة التقوى {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} من تحت القصور ومن تحتهم {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} من الأقذار الحسية والمعنوية {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} ولذلك في سورة التوبة {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} رضوان الله على أهل الجنة أعظم من نعيم الجنة، ولذلك ثبت في الحديث من أن أهل الجنة (يناديهم الله هل رضيتم؟ فيقولون يا ربنا وما لنا لا نرضى، وقد أدخلتنا الجنة، وأبعدتنا عن النار، فقال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا) فرضوان الله أكبر من نعيم الجنة {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} وإذا كان بصيرا بالعباد فليخش العباد من عقوبة الله إذا عصوه {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} ما صفات هؤلاء العباد؟ {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا} وتوسلوا إلى الله بعملهم الصالح الذي هو الإيمان، وهذا يجوز من أنوع التوسل {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ} هذه صفات لهؤلاء {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ} ولم يحذف الواو مع أنها صفات لهم من أجل أن يبين أن كل صفة عظيمة في حد ذاتها {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ} يعني المديمين على الطاعة {وَالْمُنْفِقِينَ} يعني أموالهم في سبيل الله {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}.

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} وليعلم أن سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية نزلت في نصارى نجران الذين أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فحوججوا بهذه الآيات، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في الآيات التي ستأتي، فقال الله {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} لا معبود بحق إلا هو 0 {وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} يعني شهد الله بأنه هو الذي يستحق العبودية، وشهد مع ذلك من؟ الملائكة، وشهد أولو العلم، فدل هذا على فضيلة أهل العلم {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} فهو عز وجل قائم بالقسط، يعني بالعدل، فأقواله عدل، وأفعاله عدل، وأحكامه عدل، فقال تعالى {قَائِمًا بِالْقِسْطِ}، ولذلك قال تعالى {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} فهذا يدل على ما في أول السورة {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}.

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} ويدخل في ذلك أيضا قول من يقول من أن الله شهد، والملائكة شهدت، وأهل العلم شهدوا بأنه عز وجل قائم بالقسط {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} كررها من باب التأكيد على التوحيد {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

ثم ماذا قال؟

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) }

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} الدين المقبول هو الإسلام الذي أتى به النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأمم السابقة التي آمنت بالأنبياء وصفوا بأنهم مسلمون.

وليعلم: من أن هذا الإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} هو الدين الخاص الذي قال الله عنه في هذه السورة {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} فهذا الإسلام الخاص نسخ الإسلام العام الذي عليه الأمم السابقة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهود والنصارى {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} ما حصل اختلاف منهم على جهل، بل إنهم أصحاب علم، لكن ما الذي دعاهم وسبب لهم هذا الاختلاف؟ هو حسد النبي عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} ما السبب؟ {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} حسدا من عند أنفسهم.

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فهو عز وجل سيحاسبه، وسيكون مرده إلى الله {فَإِنْ حَاجُّوكَ} يا محمد {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} يعني ممن اتبعني أيضا قد أسلم وجهه لله، فقال الله عنه {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} {أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهود والنصارى {وَالْأُمِّيِّينَ} يعني العرب {وَقُلْ} يعني يا محمد {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ}  الاستفهام هنا للأمر والحث يعني أسلموا {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} دل على أن من لم يسلم فهو في ضلال، لا طريق إلى الهداية إلا بالإسلام {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا} أعرضوا {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} وليست عليك هدايتهم {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} وفي هذا تهديد لهم.

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)}

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ} هذا هو حال اليهود، فإنهم جنوا على حق الله، وجنوا على رسل الله، وجنوا على أهل العلم الذين هم ورثة الأنبياء {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ} جنوا على حق الله {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} كما قتلت اليهود بعض الأنبياء {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} يعني بالعدل {مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

{أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} لن ينصرهم أحد.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)}

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} تعجب من حال هؤلاء {الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} يعني حظا من الكتاب {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} هذا الكتاب قيل التوراة، وقيل القرآن، ولا تعارض؛ لأن هؤلاء اليهود إن كفروا بالقرآن، فقد كفروا بالتوراة، وإن كفروا بالتوراة، فإنهم لم يؤمنوا بالقرآن {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى} يعني ينصرف {فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ}.

{ذَلِكَ} ما سبب هذا الإعراض والانصراف {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} قليلة، أيام معدودة التي عبدنا فيها العجل، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}  الذي غرهم هو هذا الافتراء إذ قالوا لن نكون في النار إلا أياما معدودات.

{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ} وهو يوم القيامة {لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ} يعني جوزيت {كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)}

{قُلِ} يا محمد {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} يعني يا مالك الملك {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ} يعني من أنك تأخذ الملك ممن تشاء، وقال هنا {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} يدل هذا على أن أي ملك إنسان مهما عظم وتشبث به وعنده من القوة ما عنده إن شاء الله أن يبيد ملكه، وأن ينزع منه ملكه، مع أنه متشبث به، ولديه من القوة ما لا يقدر عليه كثير من الناس، فقال عز وجل {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ} هذا عام {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} تعزه بالمال، تعزه بالرفعةن بالقول الحسن، بمنصب ينفع الله به الإسلام، شاملة {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} وذلك بما يذل الله به من إهانته بزوال ماله، أو بزوال علمه، أو بزواله من منصبه {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} وفي هذا إثبات صفة اليد لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته.

وليعلم: أن الشر والخير كل ذلك خلقه الله عز وجل {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} لكن الشر لا ينسب إلى الله تأدبا، كما في صحيح مسلم في الدعاء  (والشر ليس إليك).

{بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} على إزالة ملك هذا، وعلى إعطاء  هذا الملك، وعلى إهانة هذا، وعلى عز هذا، وعلى ذل هذا، فقال تعالى {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ومن دلائل قدرة الله من أنه قال {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} تدخل الليل في النهار {وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} يدخل هذا في هذا، هذا يقصر، وهذا يطول، يستويان مرة، هذا يذهب، وهذا يأتي {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} هذه دلائل أيضا إذ إنك تخرج الحي من الميت، تخرج النخلة من الحبة، وتخرج الحبة من النخلة، وأيضا تخرج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وأيضا فيما يتعلق بالحي المعنوي من أنك تخرج المؤمن من صلب الكافر، والعكس، فقال تعالى {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير مقدار، ولا أحد يعترض على قدر الله وعلى رزقه عز وجل.

{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}

{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} يحرم موالاة ومحبة الكفار، وأن يجعلوا أنصارا، فقال الله {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} يعني تبرأ الله منه {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} وهذا ما يسمى بالتقية، وليست التقية التي استدل بها كما قال شيخ الإسلام الرافضة بهذه الآية، فإن هؤلاء يتخذونها لتمييع وإبطال دين الله، ولكن المقصود هنا كما قال شيخ الإسلام {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}  أن لا يوافقهم لا في أفعالهم، ولا في أقوالهم، وإنما يكون معهم بمثابة المداري يداريهم، وإلا فإنه كما قال: لا يحق له أن يفعل الذنب، ولا أن يقول الذنب؛ لأنه ليس في حالة إكراه، هنا يقول حاله كحال مؤمن آل فرعون {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} إذاً لا يجوز لأحد أن يفعل ما يخالف شرع الله إلا إذا أكره فقط، أما مجرد خوف أو ما شابه ذلك، فلا يجوزله، فقال الله {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} وهي النفس التي هي الذات لها أسماء وصفات {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ويترتب ويتضمن ذلك من أنه يحذركم عقوبته {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} وإلى الله المرجع.

{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)}

{قُلْ} يا محمد لهؤلاء {إِنْ تُخْفُوا} يعني من أنكم تضمرون {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} يعني تظهروه {يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} لما ذكر ما يتعلق بالصدور بين أنه يعلم كل ما في السموات وما في الأرض {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

{يَوْمَ تَجِدُ} يعني اذكر {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} من أنه يحضر بينها، كما قال عز وجل {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} يعني مسافة بعيدة {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} كرر ذلك من باب أن يخاف العبد {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} مع ذلك إذا أذنب العبد فالله يرأف بحاله، شرع له التوبة، يمهله.

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)}

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ} قل يا محمد لهؤلاء أنتم تزعمون أنكم تحبون الله {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} دل هذا على أنه لا يمكن أن تحصل محبة الله إلا إذا اتبع المسلم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن ابتدع فإنه لا يحب الله {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

{قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} يعني انصرفوا وأعرضوا {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}.