تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز )من الآية( 81)حتى( 120 ) الدرس (15)

تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز )من الآية( 81)حتى( 120 ) الدرس (15)

مشاهدات: 734

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران

الدرس ( 15)

من الآية ( 81 ) حتى الآية ( 120 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخزيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)}

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} أخذ الله على كل نبي من أنه إذا بعث نبي، وقد أدركه أن يؤمن به، وأن يصدق به، وكذلك أخذ العهد على أن كل نبي أدرك النبي  محمدا عليه الصلاة والسلام، فإنه يصدق به، ويؤمن به، وفي ذلك وجوب وإلزام الأتباع أتباع الأنبياء أن يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام إذا أدركوه، فقال تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ} {لَمَا} بمعنى الذي، للذي، أو تكون ” ما” شرطية يعني مهما أتيتكم من كتاب وحكمة {وَحِكْمَةٍ} يعني نبوة {لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} يعني أخذ العهد على أن يؤمنوا به، وأن ينصروه {قَالَ} يعني قال الله {أَأَقْرَرْتُمْ} يعني اعترفتم بهذا {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} يعني عهدي {قَالُوا أَقْرَرْنَا} يعني اعترفنا {قَالَ} يعني قال الله {فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} فمن تولى بعد ذلك بعد أخذ هذا الميثاق {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وهذا يتعلق بأتباع هؤلاء الأنبياء{فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} استفهام إنكاري يعني أفغير دين الله يطلبون {وَلَهُ}  يعني له عز وجل {أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} يعني انقاد له من في السموات والأرض {طَوْعًا وَكَرْهًا} المؤمن طواعية، وأما الكافر، فإنه أسلم لله إسلاما قدريا، فإنه لا يمكن أن يخرج عن أمر الله عز وجل {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}

{قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)}

مرت هذه الآية معنا في سورة البقرة، لكن هنا قال {قُلْ} في سورة البقرة قال {قُولُوا} يعني لما كان الحديث فيما مضى في الآيات السابقات عن النبي عليه الصلاة والسلام قال {قُلْ} وفي ذلك يدخل أتباعه عليه الصلاة والسلام، وقال هنا {قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} في سورة البقرة {أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ولاشك أن الإنزال من علو، فهذه الكتب منزلة غير مخلوقة، أنزلت على هؤلاء الأنبياء، أنزلت عليهم من العلو، ثم أنزلت إليهم، ثم أيضا بالاعتبار الآخر على القول الآخر من أن هؤلاء الرسل أوصلوا هذا الوحي إلى أتباعهم.

 {وَمَنْ يَبْتَغِ} يعني من يطلب {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} الذي أتى به النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كما قال في أول السورة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال كما عند مسلم: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، أو نصراني، ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به لكان من أهل النار).

{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)}

{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ} يعني لا يهدي الله، كيف يوفق هؤلاء للهداية كحال هؤلاء  اليهود {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ} وهو محمد عليه الصلاة والسلام {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} يعني جاءهم جمع من البينات الواضحات الدالة على نبوته عليه الصلاة والسلام {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ} واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا} يعني في هذه اللعنة التي توجب لهم النار {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} يعني لا يمهلون.

{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} أصلحوا في أقوالهم، وفي أعمالهم {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)}

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} وهذا فيه تحذير لمن أصر على الإعراض عن دين الله أنه لا يوفق للتوبة، ولذلك قال هنا {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} لأنهم إن تابوا بعد أن بلغت الروح الحلقوم، فإن التوبة لا تقبل منه، ولذا قال {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} ونص على الذهب؛ لأنه أنفس ما يكون {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} يعني يوم القيامة من أجل أن يفتدي من عذاب  الله ما قبل منه، ويدخل في ذلك قول من يقول من أن هؤلاء لو أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهبا ما قبله الله منهم؛ لأنهم ليسوا على التوحيد، ولذا قال بعدها {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}.

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)}

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى} البر اسم شامل لجميع خصال الخير {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ} لما قال ما يتعلق بالأفضلية قال {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ} حتى لو كان شيئا غير محبوب لديك، فإن الله يجازيك ويثيبك عليه {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)}

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا} يعني حلالا {حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} يعني يعقوب عليه السلام {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} وذلك لأنه كما جاءت بذلك الأحاديث يقوي بعضها بعضا من أن يعقوب عليه السلام نذر إن شفاه الله من عرق النسا، وهو مرض إذا أصيب به الإنسان قد ينسى، إن شفاه الله عز وجل أن يترك أحب الطعام إليه، فحرم على نفسه ماذا؟ وهذا في شرعهم، فحرم على نفسه أكل لحوم الإبل، وشرب ألبانها، فهؤلاء اليهود لما رأوا النبي محمدا عليه الصلاة والسلام يأكل لحوم الإبل، ويشرب من ألبانها، يقولون كيف تقول إنك على ملة إبراهيم، وإبراهيم عليه السلام ما كان ماذا؟ ما كان يأكل لحوم الإبل، ويشرب ألبانها، فقال الله {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} كله حلال {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} يعني من تلقاء نفسه {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} يعني يعقوب {عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} من قبل أن توجدوا، من قبل نزول التوراة {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إن كان فيها ما ذكرتم {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}  ولذلك هم يريدون أيضا بذلك من أنه ما حرم عليهم بسبب ظلمهم؛ لأن الله عز وجل حرم عليهم أشياء بسبب ظلمهم {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)}

فقال الله {قُلْ} يا محمد لهؤلاء {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما زعمتم {فَمَنِ افْتَرَى} يعني من كذب على الله {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} كحال هؤلاء {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)}

{قُلْ} يا محمد {صَدَقَ اللَّهُ} في أخباره عز وجل {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} وأتت هذه الآية من أجل أن يبين لليهود إن كنتم تقولون نحن على ملة إبراهيم فاتبعوا ملة إبراهيم {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} يعني يتعبد فيه لله عز وجل {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} الذي بناه إبراهيم {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} يعني مكة {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} يعني البركة من حيث ماذا؟ من حيث إن الإنسان إذا تعبد لله هناك من أنه يؤجر، وليس معنى ذلك أنه يتبرك بالجدران وبالحيطان، فهذا ليس من شريعة الله {مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} فيه هداية؛ لأن الإنسان إذا التقى بإخوانه المسلمين على شتى لغاتهم استفاد من ذلك، واعتبر المهم فيه فوائد عظيمة.

{فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} {فِيهِ} يعني في هذا البيت {آَيَاتٌ} واضحات، منها {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ}

{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} يعني من كان في رعب، فدخله، فإنه يأمن على نفسه؛ لأنهم لا يتعرضون له، ثم أيضا فيه الأمر أن من دخل فأمنوه، ولا تعتدوا عليه {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} هذا على سبيل الوجوب {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ}  قيد هنا قال {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

{وَمَنْ كَفَرَ} بوجوب الحج، ومن كفر بأي شيء من الدين على وجه العموم {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)}

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} {قُلْ} يا محمد لأهل الكتاب {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} فهو مطلع على ما تعملون وسيحاسبكم.

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}  يعني عن طريق الله {مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا} يعني تطلبون هذا السبيل وهذا الطريق {تَبْغُونَهَا عِوَجًا} يعني معوجا، وقد جعله الله عز وجل صراطا واضحا {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}  من أنكم تعرفون ماذا؟ من أن هذا ليس بطريق الله، وإنما أردتم إضلال الناس {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} لكمال علمه وإحاطته، فيه تهديد لهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}  فدل هذا على أن أطاع هؤلاء، فإنهم يردونه إلى الكفر.

{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ} هذا القرآن {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} ودل هذا على أن من أراد الثبات، ففي عصر النبي عليه الصلاة والسلام الثبات، أسبابه الإيمان بهذا القرآن ووجود النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعد وفاته إذًا التمسك بالقرآن فيه تثبيت للعبد بإذن الله على الصراط المستقيم {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} يعني ابذلوا الوسع في تقوى الله عز وجل على قدر طاقتكم {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وليست هذه الآية منسوخة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني الزموا البقاء على الدين، حتى يأتيكم الموت، ويتضمن هذا أن العبد يدعو الله أن يثبته على الدين حتى الممات.

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} حبل الله هو القرآن، وقيل دين الله، ولا تعارض في ذلك {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} يعني بدين الله، وبهذا القرآن، وفي هذا فضيلة أهل السنة والجماعة؛ لأنهم تمسكوا بحبل الله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} وأكد {وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً}  لأن الأوس والخزرج كانت بينهم حروب في الجاهلية، لكن لما أتى النبي  عليه الصلاة والسلام جمع الله قلوبهم على هذا الدين، فقال الله يذكرهم {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ} أعظم نعمة نعمة الدين {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا} يعني على طرف {عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} يعني ما بينكم وبين النار إلا أن تموتوا على الكفر، فهذا يدل على ماذا؟ على أن الله نجاهم، فقال الله {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} بمجيء هذا النبي محمد عليه الصلاة والسلام {فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ}  يعني مثل ما بين الله عز وجل لكم الآيات السابقات يبين لكم جميع الآيات من أجل ماذا؟

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} من أجل الهداية.

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)}

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ} الصحيح من أن “من” هنا للجنس يعني يجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على جميع المسلمين، لكن من توفرت فيه الشروط؛ بأن كان عالما من أن هذا محرم، أو أن هذا واجب ويكون على علم بالشرع، وهذا يدل على العموم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} يعني إلى كل خير {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} أفرده لأهمية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع أنه داخل في الخير {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} هم الذين فازوا بالمطلوب، ونجوا من المكروه.

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} حذرهم من أن يسلكوا طرق اليهود {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)}

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} هذا بياض حقيقي، وسواد حقيقي، وليس  معناه كما قيل من أن المقصود البياض من أنه إذا بشروا بشيء فرحوا به، فهذا كناية عن البياض، وإذا أخبروا بشيء يسوؤهم اسودت وجوههم، بياض حقيقي لأهل الإيمان، وسواد حقيقي على وجوه الكفار، فقال الله {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} يعني يقال لهم {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}.

{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} الرحمة هنا هي الجنة وذلك لأن الرحمة نوعان: رحمة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف صفة من صفات الله، وصفاته ليست مخلوقة، وهناك رحمة خلقها الله كما في الحديث الصحيح: (إن الله خلق مائة رحمة).

{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} يعني في الجنة {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

{تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)}

{تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ} يعني ما مضى {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} يا محمد {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} لكمال عدله عز وجل، فهو لا يظلم، ولا يريد الظلم أيضا.

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يعني له ملك ذلك {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}.

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)}

{كُنْتُمْ} يعني من أنكم في اللوح المحفوظ، وفي الكتب السابقة المنزلة على الرسل {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} ويجب أن تكونوا كذلك {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} يعني من أجل هداية الناس، لكن بشروط  ثلاثة {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فإذا لم تكن هذه الشروط موجودة فإنها لا تنال هذه الأفضلية {وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ} لكنهم قلة {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} وهذا الفسق هو الفسق الأكبر يعني الكفر.

{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} يعني من أن هؤلاء {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} باللسان {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} يعني ينصرفون ويهربون {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ}.

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} يعني الذل {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} يعني أينما وجدوا {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} وذلك بأن يدخلوا في الدين، أو أن يدفعوا الجزية {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} وهي العهود، فقال الله {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا} يعني رجعوا {بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} إثبات صفة الغضب لله بما يليق بجلاله وبعظمته {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} يعني الفقر {ذَلِكَ} يعني هذه العقوبة بسبب ماذا؟ {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}.

{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)}

{لَيْسُوا سَوَاءً} إن وقفت {لَيْسُوا سَوَاءً}  يختلف فيما لو قلت {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} إن وقفت، وهذا ما عليه كثير من الناس {لَيْسُوا سَوَاءً}  يعني من مضى {لَيْسُوا سَوَاءً} يعني منهم المؤمن، كما قال تعالى {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} ثم تستأنف، وإن وصلت {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} يعني مستقيمة، وهناك أمة غير مستقيمة {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} يعني مستقيمة ثابتة على الدين {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ} يعني في ساعات الليل {يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يعني يصلون؛ لأن القراءة ما تكون في السجود، فدل هذا على أن السجود هنا الصلاة.

{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} ولم يقل يسارعون إلى الخيرات، دل هذا على أنهم في الخيرات أصلا، لكنهم يسارعون من خير إلى خير {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}.

{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} أي خير يفعلونه {فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} يعني لن يجحدوه {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)}

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ} يعني لن تفيد {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} ريح فيها صر يعني شديدة البرودة {أَصَابَتْ حَرْثَ} يعني زرع {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالذنوب وبالكفر {فَأَهْلَكَتْهُ} فهذا يدل على أنهم فقدوا زرعهم أحوج ما يحتاجون ، كذلك من أنفق أمواله وهو كافر، فإنه لا ينفعه يوم القيامة يكون هباء منثورا {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} يعني أولياء وأصفياء  مثل بطانة الثوب؛ لأنها تكون قريبة من الجسد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} يعني من غيركم من الكفار {مِنْ دُونِكُمْ} وتدعون المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} يعني لا يقصرون فيكم {خَبَالًا} يعني إفسادا وشرا {وَدُّوا} يعني أحبوا {مَا عَنِتُّمْ} يعني ما يشق عليكم {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}  من ذلك {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.

{هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ} يعني بالكتب كلها {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا} يعني عنكم {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} يعني فيه دلالة على أنهم يغيظهم ما أنتم عليه من الدين، وما أنتم عليه من الاجتماع، فقال الله {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} يعني كما يعض الإنسان على أنامله من شد الغيظ {قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} يعني ليبق هذا الغيظ في قلوبكم إلى الممات، فإنه ناصر دينه وأولياءه {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)}

{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} يعني أي خير من غنى، من صحة {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} يعني أي شر {يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}  فيجازيهم على هذا الأمر.