تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز )من الآية( 121)حتى ( 158 )الدرس (16)

تفسير سورة آل عمران ( التفسير الوجيز )من الآية( 121)حتى ( 158 )الدرس (16)

مشاهدات: 844

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة آل عمران

الدرس ( 16)

من الآية ( 121 ) حتى الآية ( 158 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخزيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} هذه السورة تحدثت عن غزوة أحد {وَإِذْ غَدَوْتَ} يعني يا محمد انطلقت {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} يعني من بيت عائشة رضي الله عنها خارجا لغزوة أحد {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ} يعني تلزم {الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} من حيث تسوية صفوفهم في القتال {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} والفشل هو الجبن والضعف، وذلك أن  قبيلتين من الأنصار كادتا أن تعودا من القتال إلى المدينة، كما رجع عبد الله بن أبي بن سلول راجعا بثلث الجيش، فقال الله عز وجل مبينا لطفه بهاتين القبيلتين قال عز وجل {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} تولى الله هاتين القبيلتين، فثبتهما الله عز وجل {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)}

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} يذكرهم بما نصرهم الله عز وجل في بدر مع قلة العتاد والعدد {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} {أَذِلَّةٌ} ليس معناه أذلاء وإنما {أَذِلَّةٌ} بمعنى أنهم قليلو العدد والسلاح {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} وهذا السياق الصحيح من أنه يتحدث عن غزوة بدر؛ لأن الحديث مازال عن غزوة بدر، قصدي في هذه الآيات من حيث ماذا؟ من حيث إن الله أمد الصحابة رضي الله عنهم في غزوة بدر بألف من الملائكة {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} يعني متتابعين، فأتبع الله هذا الألف بثلاثة، ثم كمل المجموع خمسة، يعني المجموع خمسة آلاف من الملائكة، أمد الله الصحابة رضي الله عنهم بهؤلاء في غزوة بدر يعني المجموع خمسة آلاف، فقال الله {إِذْ تَقُولُ} يا محمد {لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا} يعني بلى سيمدكم بذلك، لكن بشرط ماذا؟ الصبر والتقوى {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ} يعني من وجهتهم، ومن وقتهم {وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} يعني لهم علامات يتميزون بها.

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)}

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى} نزول هؤلاء الملائكة إنما هو للبشرى {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ليس بهؤلاء الملائكة، هو عز وجل قادر على أن ينصركم بدون أي جند {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}  {الْعَزِيزِ} القوي الغالب الذي لا ينال بسوء {الْحَكِيمِ} الذي وضع الأمور في مواضعها المناسبة، ومن ذلك أنزل هؤلاء الملائكة.

{لِيَقْطَعَ طَرَفًا} يعني ليهلك {طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} إما بالجرح، وإما بالقتل {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} بمعنى أنه يذلهم، ويعودون منهزمين {أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ}.

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)}

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} يعني يا محمد {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام شج عليه الصلاة والسلام، وسال الدم منه في غزوة أحد، وكسرت رباعيته، يعني أن سنه كسرت عليه الصلاة والسلام فقال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم) بل إنه عليه الصلاة والسلام دعا باللعنة على ثلاثة أشخاص، لكن الله عز وجل هدى هؤلاء الثلاثة، ولذلك ماذا قال عز وجل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ} يا محمد {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} يعني: أو إلى أن يتوب عليهم {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} يعني ليس لك من الأمر شيء يا محمد، إما أن يتوب الله عليهم، وإما يعذبهم، وإن عذبهم فإنهم ظالمون، وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك من الأمر شيئا، وفيه رد على الرافضة والصوفية الذين يستغيثون به.

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} له ملك السموات والأرض {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} يعني من حيث  مضاعفة الربا زيادة على زيادة، وليس معنى ذلك أن الربا يجوز أن يؤكل، ولو شيئا يسيرا منه، لا، وإنما قال {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} لأنهم كانوا في الجاهلية هذا هو حالهم، بمعنى أنهم يأكلون الربا أضعافا مضاعفة، إذا حل الوقت قالوا لهذا الرجل سدد، فإن لم يسدد قالوا نزيد عليك الدين، ونزيد لك في المدة، فقال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ} ولذلك سبحان الله! لماذا ذكرت آية الربا هنا بعد ذكر غزوة بدر وأحد؟ من باب بيان أن من يأكل الربا هو محارب لله، كما أن أولئك يحاربون الله، فقال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ} يعني هيئت {لِلْكَافِرِينَ}.

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فطاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى رحمة الله.

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ} {عَرْضُهَا} يعني كعرض السماء للآية التي في سورة الحديد {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}وهذا يدل على ماذا؟ على سعة ماذا؟ الجنة، بحيث لو أن السموات والأرض جمعت طبقة طبقة ومدت، فإن هذا هو سعة ماذا؟ سعة الجنة، وإنما ذكر العرض؛ لأن العرض إذا كان بهذه الضخامة إذن سيتصور الذهن من أن الطول أعظم؛ لأنه في الواقع من أن الطول أعظم من العرض، فقال الله {عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ} يعني هيئت {لِلْمُتَّقِينَ} ما صفاتهم؟ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} يعني في حال السعة وفي حال البؤس والشدة {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يكظمون غيظهم، فلا يخرجونه {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وفي هذا إثبات صفة المحبة لله بما يليق بجلاله وعظمته.

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} هذه أيضا من صفاتهم {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} يعني كبيرة من كبائر الذنوب كالزنا {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} يعني بسائر الذنوب {ذَكَرُوا اللَّهَ} يعني ذكروا الله، فتذكروا وعيده وناره وعقابه {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} الاستفهام هنا للنفي، ويراد منه التحدي يعني لا أحد يستطيع أن يغفر الذنوب إلا الله {وَلَمْ يُصِرُّوا} لم يداوموا، ولم يستمروا {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} ونعم هذا الأجر والثواب أجر العاملين.

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)}

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني طرق، من حيث ماذا؟ من حيث إنه عز وجل نصر أولياءه، وأهلك أعداءه {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} يعني فتمعنوا، ماذا جرى لهؤلاء؟ {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.

{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} {هَذَا} يعني القرآن، وقيل ما مضى مما ذكر من المواعظ والعبر {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} فيه بيان للناس {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} وخص المتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه المواعظ.

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} {وَلَا تَهِنُوا} يعني لا تضعفوا، ولا يصبكم جبن {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} يعني من أنه لما جرى ما جرى في غزوة أحد من أن الانتصار كان للصحابة، وكان عليه الصلاة والسلام جعل الرماة على الجبل، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: (لا تبرحوا مكانكم أبدا سواء انتصرنا أو لم ننتصر) لكن أكثرهم لما رأى من أن الكفار قد ولوا مدبرين ظنوا أن المعركة انتهت، فذكرهم أميرهم، فلم يتعظ كثير منهم، فنزلوا، فماذا جرى؟ إذا بخالد وبمن معه قبل أن يسلم إذا به يلتف عليهم، فجرى ما جرى، فقتل عدد من الصحابة، فقال الله عز وجل {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} يعني العلو لكم؛ لأنكم تنصرون دين الله {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} يعني جراحات وآلام {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} في غزوة بدر ماذا صنعتم بهم في غزوة بدر؟ وأيضا قتل من قتل بعضهم في غزوة أحد في أول الأمر {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} ليس فيما يتعلق بأنكم تنصرون، أو أنكم مثلا تهزمون لحكمة، ولا يعني ذلك من أن قوله تعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا} من أنه ينصر الكافرين أحيانا على المسلمين، لا، لكن الله يصيب المسلمين ببعض المحن؛ لحكمة من أجل التمحيص {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} هذا عام أنت في يسر غدا في عسر، أو ما شابه ذلك، في مرض، في صحة، وهكذا {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} يعني لما جرى ما جرى في غزوة أحد مما حصل من هزيمة المسلمين {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} يعني في سبيله {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.

{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} يعني ما جرى في غزوة أحد لما انقلبت الموازين، فصار النصر هزيمة عليكم {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} يمحصهم بمعنى أنه يظهر ماذا؟ يظهر صبرهم وقوة ثباتهم {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} يعني أنه يهلك الكافرين.

{أَمْ حَسِبْتُمْ} يعني بل أحسبتم {أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} يظنون أن دخول الجنة أمر يسير، لابد من الابتلاء والامتحان {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} لأنه عليه الصلاة والسلام لما اجتمعت قريش من باب أن يأخذوا بثأرهم في غزوة بدر، ولما أتوا قال بعضهم، وكان هذا الرأي للنبي عليه الصلاة والسلام ومعه بعض القوم وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول أيضا له نفس الرأي يقولون نحن نبقى في المدينة، فإن أتوا فإننا نقاتلهم، لكن من لم يحضر في غزوة بدر تمنى أن يلقى العدو، هؤلاء من أجل أن ينصر دين الله.

فماذا قال عز وجل ممن طلب الخروج؛ لأنه عليه الصلاة والسلام انصاع لرأي هؤلاء الذين طلبوا الخروج، فلما دخل عليه الصلاة والسلام، ولبس سلاحه، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما كان لنبي لبس لأمته أن ينزعها حتى يقاتل) فخرج عليه الصلاة والسلام، فماذا قال الله تعالى {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} رأيتم أسبابه مما رأيتم من القتل والجراحات {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} نظر مشاهدة بالأبصار.

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} لأنه فشا من أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قتل، ولذلك أنس بن النضر لما رآهم توقفوا عن القتال، قالوا مات رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: قوموا فموتوا على ما مات عليه عليه الصلاة والسلام، فقال الله {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} يعني مضت {مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} يعني رجعتم إلى حالتكم السابقة {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} من عاد إلى حالته، من جبن، وما شابه ذلك {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)}

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} يعني له وقت محدد، ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله عز وجل {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} يعني قد قدر الله لكل نفس أجلها لا تتقدم، ولا تتأخر {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}.

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} كأين هنا بمعنى كم للتكثير {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} يذكرهم بأحوال الصالحين من قبلهم؛ لكي يتأسوا بهم، فيما جرى لهم في غزوة أحد {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ} يعني جماعات كثيرة {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا} فيما يتعلق بقولهم {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا} في أبدانهم {وَمَا اسْتَكَانُوا} يعني ما خضعوا للأعداء {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا} يعني رجعوا إلى أنفسهم بالتهمة وبالتقصير {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} يعني فيما وقعنا فيه من ذنوب {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} يعني فيما قصرنا فيه من الطاعة {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.

{فَآَتَاهُمُ} يعني أعطاهم {فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} يعني إلى الكفر {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}.

{بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ} يعني يتولى أموركم، وهو ينصركم، ويوفقكم، ويسددكم. {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ} ولذا ماذا قال بعدها؟ ولاية النصرة {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}.

{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} ما السبب؟ {بِمَا أَشْرَكُوا} يلقي الله في قلوب الكفار الرعب {بِمَا أَشْرَكُوا}  يعني بسبب الشرك {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} ليس لهم حجة لا من دليل شرعي، ولا من دليل عقلي على كفرهم، فقال الله عز وجل {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} يعني مصيرهم النار {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} مأوى مكان، وأيضا مثوى مكان، لكن هنا غاير، لم يقل وبئس مأوى الظالمين وإنما قال {مَثْوَى} وذلك لأن الابتداء أن الإنسان يأوي، ثم بعد ذلك يثوي  في المكان ويستقر فيه، فقال تعالى {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}.

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} بالنصر {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} يعني تقتلونهم في أول الأمر لما كنتم على الجبل، ولم تخالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} {فَشِلْتُمْ} بمعنى أنكم عصيتم أمر النبي عليه الصلاة والسلام {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} رأيتم الغنائم أمامكم، والقوم يهربون {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} لم يقل هزمكم، وإنما قال من باب الابتلاء لكم {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} ليختبركم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)}

{إِذْ تُصْعِدُونَ} يعني تنطلقون وتسيرون في المنهبط والوادي من الأرض {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ} يعني لما حصل ما حصل، والتف خالد بن الوليد، وصار ما صار من قتل، كل واحد يهرب من القتل، ومن سهام الكفار {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ} يعني لا تلتفتون {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} يعني من الخلف {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} القتل، الجراحات، الهم الذي أصابكم لما أخبرتم بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قتل {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} من أجل ماذا؟ {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الغنيمة {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} من جراحات، وهذا يدل على أن الله يجعل المحن من باب ماذا؟ أن يدرب النفوس إن صبرت يدربها على الابتلاءات على الابتلاء وعلى الصبر، ثم أيضا لما قال عز وجل {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} يعني من أنه لما علمتم من أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قتل هذه أعظم مصيبة، فلما علمتم من أنه عليه الصلاة والسلام حي نسيتم ماذا؟ نسيتم ما فاتكم من الغنائم، وما أصابكم من جراحات، فسبحان الله! كيف ينسي الله الهم بالهم والابتلاء بالابتلاء؟!  فقال الله {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)}

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ} يعني من بعد ما حزنتم، وما أصابكم {مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} ألقى الله عليهم النعاس في غزوة أحد، وهذا يدل على أن الإنسان في مثل هذه الحال إذا ألقي عليه النوم، فإنه يكون في قوة، وترتاح نفسه، فقال الله {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى} يعني يصيب {طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ} وهم المنافقون {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} ما هو هذا الظن؟ {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} يقولون بعد هذه الغزوة لن ينصر محمد، فقال الله {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} يقولون مالنا نصر على هؤلاء الأعداء {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ} يعني ما لا يظهرون {لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} يعني لو كان لنا من الأمر والاختيار ما خرجنا من المدينة {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ} قل يا محمد لهؤلاء {لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ} يعني لظهر {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} يعني إلى أماكن قتلهم {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ} ليختبر الله {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)}

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} {الْجَمْعَانِ} جيش المسلمين مع جيش الكفار في غزو أحد {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} يعني أوقعهم الشيطان في الزلة {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}  وكرر ذلك من باب بيان أن الله قد عفا عنهم {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} وهو حليم لا يعاجل بالعقوبة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} يعني في الكفر، هم إخوانهم في الكفر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} للتجارة {أَوْ كَانُوا غُزًّى} يعني غزاة يقاتلون {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} يعني الإقدام على القتال لا يدني أجلا، ولا يقرب أجلا، والانصراف عن القتال لا يطيل في الأجل {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} من هذه الدنيا.

{وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} سواء ذهبت أنفاسك بقتل أو بموت المرد إلى الله {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ}.