تفسير سورة البقرة ( التفسير الوجيز ) من الآية( 233 )حتى الآية( 252 ) الدرس (9)

تفسير سورة البقرة ( التفسير الوجيز ) من الآية( 233 )حتى الآية( 252 ) الدرس (9)

مشاهدات: 775

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة البقرة

الدرس ( 9)

من الآية ( 233 ) حتى الآية ( 252 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخزيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)}

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} أي ليرضعن {أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} ونص على أنهما كاملان، باعتبار التأكيد، وذلك عند المنازعة بين الأب، وبين الأم، لكن إن حصل تراضٍ من الأب والأم على أن يفطم الولد قبل سنتين دون إضرار بالولد، فلا جناح في ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله، {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} هذا هو تمام الرضاعة حولان يعني سنتين كاملتين {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} وهو الأب {رِزْقُهُنَّ} يعني الزوجات اللواتي يرضعن هؤلاء الأولاد {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي ما تعورف عليه بين الناس {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} يعني إلا طاقتها، ومن ذلك لا يكلف الأب من النفقة والكسوة على هؤلاء النسوة أكثر من طاقته {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} وهي الأم {بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ} وهو الأب {ِوَلَدِهِ} يعني أن الأب لا يطالب بالمال الكثير الذي يضر به، وكذلك من الأم لا يضار بها بحيث يجعل هذا الولد عند مرضعة أخرى فقال الله {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يعني من يرث الصبي إذا لم يكن لديه أب، فإن النفقة تكون على من يرث هذا الصبي فيما لو أن الصبي مات، وترك تركة يعني مالا، فإن ورثته هم الذين يكلفون بنفقته، مثال ذلك: لو أن هذا المولود مات أبوه، وإذا بهذا الصبي افتراضا لو مات ورثه مثلا أخوه وأخته، إذن هنا تكون النفقة بهذا الطفل لتلك المرضعة تكون للذكر مثل حظ الأنثيين، يعني على ثلاثة أسهم يعني ثلث على الأخت، والثلاثان على الأخ، وهكذا على حسب وجود الورثة، فقال الله عز وجل {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا} يعني فطاما لهذا الطفل {فَإِنْ أَرَادَا} يعني الأم والأب {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} والتشاور بمعنى أنهما يتشاوران ويتحاوران في الصلح، ولابد من التراضي  والتشاور بينهما، لم؟ لأنه إذا لم يحصل وفاق بين الأم والأب، ما الذي يجري؟ ربما أن بعضهما يقصر، فيكون الضرر على هذا الرضيع، فقال عز وجل {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فلا إثم عليهما بشرط ألا يتضرر الولد بفطامه قبل السنتين، {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} يعني من غير أمهاتهم {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا إثم عليكم {إِذَا سَلَّمْتُمْ} يعني الأجرة لتلك المرضعات {إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)}

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} يعني زوجات {يَتَرَبَّصْنَ} يعني ينتظرن {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} يعني عشر ليال، ولذلك لا تخرج المرأة المحدة من عدتها إلا إذا غربت الشمس، ودخلت الليلة الحادية عشرة، فقال عز وجل {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} هذا إذا لم تكن حاملا، فإذا كانت المرأة التي توفي عنها زوجها هي حامل، فلا تنتهي عدتها إلا بوضع الحمل سواء بعد ساعة، أو بعد ساعتين، أو بعد شهر، أو بعد شهرين، أو بعد تسعة أشهر، كما قال تعالى {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أما إذا لم تكن حاملا، فعدتها أربعة أشهر وعشر ليال

{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} وهذا الحكم لكل زوجة، حتى الزوجة التي عقد عليها يعني ملك عليها، ولم يدخل بها، ولم يخل بها، فإن زوجها إذا مات، فإنها تعتد، ولها الإرث، ولها المهر كاملا كما حكم بذلك النبي عليه الصلاة والسلام {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يعني العدة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعني يا أيها الأولياء {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} من التزين للخطاب، لكن بالمعروف، فإذا كانت المرأة ستتبرج، أو تظهر زينتها، فهنا تكون الولاية لكم عليهن بمنعهن، فقال تعالى بعد ذلك {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)}

{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعني لا إثم عليكم {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} بمعنى أن المرأة المعتدة من وفاة، أو من طلاق بائن؛ لأن المطلقة طلاقا رجعيا في العدة هي زوجة، لا يجوز أن يعرض بخطبتها، والتعريض بالخطبة كأن يقول الرجل فيه من الأوصاف كذا وكذا، وأنا ارغب في زوجة صفاتها كذا وكذا، وهذه الصفات هي فيها، لكن لا يجوز له أن يصرح، بأنه يريد الزواج منها، وإنما يعرض هذا في  حق من؟ في حق من هي في عدة الوفاة، أو من هي مطلقة طلاقا بائنا، فقال الله عز وجل {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ} يعني أضمرتم {فِي أَنْفُسِكُمْ} من الزواج بهن {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} يعني من أنكم ترغبون في نكاحهن {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} بمعنى أنكم تفصحون عن الرغبة بالزواج بهن صراحة، فقال الله عز وجل {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} وهذا القول المعروف هو التعريض بالخطبة دون التصريح {وَلَا تَعْزِمُوا} يعني لا تكن منكم نية وعزم وإقبال {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} يعني العدة {الْكِتَابُ} هنا العدة المقصود {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.

{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)}

{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} إنسان عقد على امرأة، ولم يدخل، وأيضا هو لم يفرض صداقا، يعني لم يبين الصداق {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} تجامعوهن {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} إذا حصل الطلاق {وَمَتِّعُوهُنَّ} هذه المتعة تجب، والمتعة أن يعطيها مالا، أو متاعا تنتفع به إلى زمن {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} يعني على الغني على حسب طاقته {وَعَلَى الْمُقْتِرِ} يعني الفقير {قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} ما تعارف عليه الناس {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}.

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)}

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} هذا صنف آخر من المطلقات هو عقد عليها، لكن فرض لها مهرا، السابقة لم يفرض لها مهرا، لكن هنا {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} مثلا كخمسين ألفا، فإن لها نصف هذا المهر، فقال عز وجل {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} يعني الزوجات بمعنى أنها تقول لا أريد شيئا، المهر كله يعود إليه {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} على الصحيح هو الزوج، بأن يقول المهر كله له {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} حثهم على العفو {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أن يتفضل بعضكم على بعض {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)}

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} وذكرت هذه الآية بعد ما يتعلق بالنكاح والطلاق مما يدل على أن المحافظة على الصلوات تستقر بها أمور الأسر {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} وهي صلاة العصر على الصحيح كما جاء بذلك الحديث {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} يعني متذللين خاشعين، ومن ذلك عدم الكلام في الصلاة.

{فَإِنْ خِفْتُمْ} أي خوف الإنسان، مثلا حضرت الصلاة فخاف من سبع، خاف من سيل، خاف من عدو وهو يسير، وقد وجبت الصلاة، وخشي أن يخرج وقتها {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا} يعني فصلوا رجالا يعني على أرجلكم {أَوْ رُكْبَانًا} يعني على الدواب وعلى السيارات وعلى المراكب، الحديث {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ} حصل الأمن {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} ومن ذلك الصلاة على وضعها الطبيعي؛ لأنكم في حال أمن {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)}

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} بعض المفسرين يقول العدة فيما مضى كانت سنة على المرأة، فنسخت بأربعة أشهر وعشر في الآية السابقة، لكن الصحيح أن الآية محكمة، بمعنى أن الزوج يوصي وصية للورثة، بحيث يبقون هذه المرأة إلى سنة، فإن رغبت بعد أربعة أشهر وعشر أن تخرج، فلها ذلك، إن رغبت في البقاء، فلها أن تبقى، ولا يخرجونها من البيت إلا بعد سنة، فقال عز وجل {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً} يعني ليوصوا وصية {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا} يعني تمتيعا {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ} يعني قبل السنة، وبعد تمام أربعة أشهر وعشر {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} من التزين للخطاب، فقال عز وجل {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)}

{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ} هنا يندب في حق كل مطلقة مهما كانت هذه المطلقة، حتى لو أنه عقد عليها، ولم يدخل بها، ولم يخل بها إذا طلقها يندب ماذا؟ أن يعطيها غيرالمهر، أن يعطيها شيء تستنفع به، من مال، أو من متاع إلى أمد، يعني يكون التمتع إلى زمن ليس شيئا تافها، فقال عز وجل {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}.

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ} يعني مثل ما بين الآيات السابقات {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ} يعني الآيات كلها {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} دل هذا على أن من فهم آيات الشرع، فإن هذا يؤدي به إلى التعقل.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)}

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} يعني أن عددهم كبير {وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} خيفة من الموت {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} دل هذا على أن الهرب من الموت لا يؤخر الموت، والإقدام على الموت في سبيل الله لا يقرب الأجل {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} إذ بين لهم العبر {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} وفضله عظيم في جميع الأمور {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}.

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ذكر هنا الجهاد، وإذا قلنا الجهاد المقصود الجهاد الشرعي بشروطه وبضوابطه، لما ذكر تلك القصة من حال هؤلاء من أنهم فروا من الموت، فأماتهم الله، بين هنا أن الجهاد من أنه لا يقرب أجلا {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وأقرب مثال خالد بن الوليد له معارك كثيرة، ومع ذلك مات على فراشه، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}.

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)}

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} هذا فيه حث على الإنفاق {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} يعني نفسه طيبة {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} من حيث الأجور{وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} {يَقْبِضُ} بمعنى أنه يقتر على البعض {وَيَبْسُطُ} على البعض، فلربما أنه يضيق على أناس، ويوسع على أناس، ولربما أن الإنسان في ذاته يوسع عليه تارة، ويضيق عليه في وقت آخر، وهكذا العكس {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} فإذا كان الأمر كذلك فالتجئ إلى الله {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)}

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ} وهم الأشراف {مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} يعني من بعد موت موسى {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وأتوا إلى هذا النبي، مما يدل على أنه في مثل المحن والشدائد الناس يهرعون إلى أهل العلم {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} يحذرهم من أنه لو فرض عليهم القتال لما طلبوه، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال كما ثبت عنه (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا) فقال هذا النبي {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ} يعني فرض {عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} ما كان  يتوقعه النبي {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} يعني أعرضوا {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} وهم الطائفة الذين كانوا مع طالوت الذي سيأتي ذكره في الآيات القادمة، فقال الله {تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)}

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا} على وجه الاستبعاد {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} قاسوا حسب المقاييس الدنيوية من أنه ليس بصاحب نسب، وليس بذي مال {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} وزكوا أنفسهم {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ} يعني اختاره {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}  دل هذا على أن من جمع بين العلم وبين الجسم يعني القوة دل على أنه قد اكتملت فيه الصفات، فقال الله {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} فلا أحد يعترض على حكم الله {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)}

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ} يعني علامة ملكه {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} {التَّابُوتُ} هذا كان لليهود كانوا إذا جاء القتال، فإنهم يأتون به، وينصرهم الله، وهذا فيما يتعلق بملتهم حيث يتبركون بذلك، وهذا جائز في ملتهم، ولا يجوز أن يقاس هذا في هذه الأمة؛ لأن التبرك الأصل فيه المنع إلا ما جاء به الدليل، فقال تعالى {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ} يعني علامة على صحة ملكه، وكان هذا التابوت قد افتقدوه { أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} في هذا التابوت سكينة، بمعنى أنه إذا أحضر هذا التابوت فيه طمأنينة واستقرار لنفوسهم {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ} مما تركه موسى وهارون، وما جاء بعدهم مما بقي من ألواح التوراة، وما شابه ذلك {مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ} فيما يتعلق بهذا التابوت وبمجيئه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)}

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ} يعني انفصل طالوت وابتعد عن بلدتهم، أخذ الجيش  وابتعد به {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} بمعنى أنه مختبركم {بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} ملأ الغرفة بيده، له أن يشرب، ما زاد عن ذلك فإنه  ليس مني، يعني لا يتبعني {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ} ولذلك كما جاء في صحيح البخاري، قال البراء قال: كان عدة أصحاب طالوت كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، كعدد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ} يعني طالوت {وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا} يعني قال بعضهم {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ} هذا يدل على أن أهل العلم يظهرون في أوقات الفتن؛ ليبينوا للناس الحقائق والعلم الصحيح {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يعني أنهم يوقنون {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ} {كَمْ} هنا للتكثير {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} كل ذلك بإذنه عز وجل {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} بمعيته الخاصة التي بها التأييد والنصرة.

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)}

{وَلَمَّا بَرَزُوا} يعني ظهروا {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} التجؤوا إلى الله {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.

{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)}

{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} كل ذلك بتقدير من الله {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} كان من بين الجيش داود عليه السلام، وهذا يدل على أن داود بعد موسى، فقال الله {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} بعد ذلك {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} آتى الله داود الملك {وَالْحِكْمَةَ} يعني النبوة {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} وذلك كصنع الدروع كما سيأتي بيانه في سورة سبأ، فقال الله عز وجل {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}  لولا أن الناس يندفع بعضهم ببعض لفسدت الأرض، بمعنى أن المؤمن يدافع الكافر، ويجاهد الكافر، ومن هو مطيع يدافع العاصي حتى لا يذنب، لو لم يكن هناك أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر ما الذي يجري للأرض؟ {لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

{تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)}

{تِلْكَ} يعني ما مضى {آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} يا محمد {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} يعني هي قد اشتملت على الحق، فأنت نبي حقا، وفي هذا رد على كفار قريش الذين يقولون لست بنبي، ما أعلم النبي عليه الصلاة والسلام بما مضى من هذه القصص إلا من ربه عز وجل، فقال تعالى {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} وأكد وقال {وَإِنَّكَ} يا محمد {لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}.