تفسير سورة البقرة( التفسير الوجيز ) من الآية( 267)حتى (آخر السورة) الدرس (11)

تفسير سورة البقرة( التفسير الوجيز ) من الآية( 267)حتى (آخر السورة) الدرس (11)

مشاهدات: 825

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة البقرة

الدرس ( 11)

من الآية ( 267 ) حتى ( آخر السورة )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخزيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} وفي هذا وجوب ماذا؟ وجوب الزكاة بالإنفاق من الطيب، وأيضا مما أخرج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن بشروطها كما ذكر في كتب الفقه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا} أي ومن طيبات ما أخرجنا {لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} يعني لا تقصدوا الخبيث من هذا الرزق {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} بمعنى أنه لو أهدى إليكم هدية، أو رأيتموه في السوق فإنكم لا تشترونه إلا بإغماض بصر كما يغمض الإنسان بصره رغبة عن الشيء {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} وهذا فيما يتعلق بالزكاة الواجبة، أما إذا كانت صدقة تطوع فلا إشكال أن الإنسان يخرج ما قل في نفسه، لقوله تعالى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ثم ذكر بعدها {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ} ولو لم يكن حبيبا إلى قلوبكم {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}  له الغنى المطلق الواسع، فهو ليس بحاجة إليكم، بل ما في أيدكم إنما هو من الله {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} وهو المحمود عز وجل على أفعاله، وعلى أحكامه، وعلى شرعه.

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)}

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} يعني يخوفكم بالفقر {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}  كثير من المفسرين يقولون إن الفحشاء هنا منع الزكاة، ولا إشكال في ذلك، لكن هي على العموم من أن الشيطان يأمر بكل فاحشة، ومن ذلك منع الزكاة {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} لذنوبكم {وَفَضْلًا} بمعنى أنكم ما تنفقونه فإن الله يضاعفه لكم {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (26)}

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} {الْحِكْمَةَ} هنا الإصابة في القول وفي الحكم، وهذا يتضمن ماذا؟ يتضمن فهم العلم الشرعي مع العمل، وذكرت بعد ما ذكر المال والنفقة مما يدل على أن العلم الشرعي أفضل من كسب المال، وقد ذكر ابن القيم ما يزيد عن مائة فرق بين اكتساب العلم من حيث فضله على اكتساب المال، فقال الله عز وجل {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} فيجب الشكر لله {وَمَا يَذَّكَّرُ} اي ما يتعظ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} وهم أصحاب العقول.

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)}

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} بمعنى أن الله عز وجل يعلم ما تنفقون، وما تنذرون، وهل هذه النفقة، وهل هذا النذر لله أو من أجل الله؟ فإن الله سيحاسب العبد على نفقته، وعلى نذره {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} يعني من أنهم يأتون إليهم بالخير ويدفعون عنهم الشر.

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)}

{إِنْ تُبْدُوا} يعني إن تظهروا {الصَّدَقَاتِ} لسبب ما؛ من أجل مصلحة من أجل أن يقتدي بكم الآخرون، ومن أجل أن تنفوا التهمة عن أنفسكم، فهذا خير، وإلا فالأصل من أن الصدقة تكون سرا {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} يعني هذا نعم شيئا تبدونه {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)}

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} يا محمد ليس عليك هدى هؤلاء الكفار، وأيضا من حيث ما ذكره المفسرون من أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة أن يتصدقوا صدقة التطوع على الكفار؛ لأن الصدقة على الكافر تكون مستحبة من غير محبة لك في قلوبهم إلا إذا كان هذا الكافر محاربا لنا، فإن كان ذميا، أو معاهدا، أو مستأمنا، فإن الصدقة مستحبة له، قال تعالى {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} على هؤلاء الكفار أو على غيرهم {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} الثواب لأنفسكم {وَمَا تُنْفِقُونَ} هنا بمعنى الأمر يعني أنفقوا {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} يعني من أجل طلب مرضاة الله عز وجل {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}  وفي هذا إثبات صفة الوجه لله بما يليق بجلاله وبعظمته {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} أي خير {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أتم الوفاء {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} وتأمل كم ذكرت النفقة، والأمر بها، مما يدل على عظمها.

{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}

{لِلْفُقَرَاءِ} يعني هذه النفقة لمن {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}  يعني منعوا من التكسب، بسبب ماذا؟ بسبب الجهاد، أو بسبب علم يتعلمونه، أو ما شابه ذلك مما هو في سبيل الله عز وجل {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا}  دل على أن هناك مانعا منعهم من التكسب، وإلا فليسوا عالة على الآخرين {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} للتجارة {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} إذا رآهم لتعففهم يظن أنهم أغنياء {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ} يعني بحالهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} يعني بسبب التعفف {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} بعلامات لهم من حيث الخشية من حيث الفاقة، من حيث نور الإيمان {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} يعني إلحاحا يعني أنه لا يقع منهم سؤال أبدا لا بإلحاح، ولا بغير إلحاح {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} بين هنا من ينفق ماله على وجه الدوام بالليل وبالنهار {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} يعني الثواب {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)}

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} لما ذكر ما يتعلق بالنفقة، والنفقة كما يظن من أنها تنقص المال، لكنها تنميه، أتى بذكر الربا الذي قد يظن بعض الناس من أن الربا يزيد ماله، لكنه يمحقه، فقال الله عز وجل {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ} يعني يوم القيامة قياما {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} يعني من مس الصرع، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الجني يتلبس بالإنسي، وفي هذا رد على من أنكر ذلك {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} يعني يقوم يوم القيامة، وهو بمثابة من أصيب بمس أو بصرع أو بجنون {ذَلِكَ} لماذا هذا العقاب؟ {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} سبحان الله! انتكست قلوبهم، لم يقولوا إن الربا مثل البيع، بل قالوا {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} يعني أنهم جعلوا الربا أصلا، فقال الله عز وجل {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} يعني وعظ {مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} يعني عن الربا {فَلَهُ مَا سَلَفَ} بمعنى أن ما قبضه من الأموال الربوية السابقة فهي حلال له، أما إذا لم يقبض تلك الأموال فتاب، فإنه لا يجوز أن يأخذ ما يستقبل من هذه الأموال كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}

فقال الله عز وجل {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} عاقبته إلى الله إن شاء الله ثبته على هذه التوبة، وإن شاء أزاغه، فالقلوب بيد الله عز وجل، فقال الله عز وجل {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} يعني من أن المحق وزوال البركة في الربا، ولو ظن الإنسان من أن هذا الربا يكون زيادة، ففيه محق من حيث المعنى، ومن حيث الحس {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} يعني ينمي الصدقات {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} يعني صاحب إثم.

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} يعني الثواب {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (27) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا} يعني اتركوا {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} يعني  مما لم تقبضوه أما ما قبض فإنه يكون حلالا لكم إذا قبضتموه فقال الله {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} حث لهم.

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا} يعني فاعلموا {بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}  فاعلموا بأن هناك حربا يحاربكم الله ويحاربكم رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن حاربه الله، وحاربه رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو الخاسر في الدنيا وفي الآخرة {وَإِنْ تُبْتُمْ} عن الربا {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} غيركم {وَلَا تُظْلَمُونَ} بنقص رأس مالكم، تأكلون فقط رأس المال.

{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} يعني من وجد صاحب عسرة، وذلك بأن يكون لك مال على الغير، بأن يكون لك مال على شخص، فإن الواجب في حقه لا تتعامل كما يتعامل أهل الجاهلية، إذا كان الدين على رجل قالوا إذا حل الأجل قالوا إذا لم يجد سدادا نؤخرك سنة، ونزيد الدين عليك، هذا هو ربا الجاهلية، قال تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ} يعني أنظروه وأمهلوه {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ولا يجوز أن يرفع أمره إلى المحكمة، إذا ثبت إعساره {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا} يعني بأن تعفو عن هذا الدين عن هذا الفقير، وهذا الدين {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ويشمل أيضا كل صدقة ففيها خير للمتصدق.

{وَاتَّقُوا يَوْمًا} وهو يوم القيامة {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى} تمام الوفاء والجزاء {كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} هنا ذكر ما يتعلق بالبيوع التي إلى أجل؛ لأن الربا به أجل، فقد يظن أن كل بيع به أجل يكون محرما، فبين عز وجل أن البيع الذي بشروطه الشرعية إذا كان مؤجلا، فلا إشكال في ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ} يعني إلى زمن {مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} وهذه الكتابة الصحيح أنها على وجه الاستحباب كما جاءت السنة بذلك مبينة في بعض الأحاديث {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ} هذا أمر للوجوب {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} يعني فليكتب بالعدل بين الدائن وبين المدين {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ} يعني ولا يمتنع {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} يعني بالضوابط الشرعية، ولأن الله منَّ عليه فعلمه الكتابة، فقال عز وجل {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} وهذا يدل على وجوب الكتابة على الكاتب إلا إذا كان هناك ضرر عليه، أو إذا كان مشغولا، فإن الضرر لا يزال بضرر، فقال الله {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي} وليملل يعني الإملال يعني يقر {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} يعني أن من عليه الدين يملل الحق الذي عليه، وهذا يدل على أن الإقرار من أعظم الأدلة {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} يعني ليملل هذا الذي عليه الدين على الكاتب بما عليه لهذا الشخص الدائن

{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} لا يبخس ولا ينقص شيئا مما في ذمته {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا}  يعني لا يحسن التصرف {أَوْ ضَعِيفًا} يعني لصغر سنه، أو لكبر سنه {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} لعاهة في لسانه، أو كان أعجميا لا يعرف العربية، أو ما شابه ذلك {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} يعني ليملل وليقر{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} الذي هو قائم عليه وعلى شؤونه المالية {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا} في الأموال {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} بمعنى فيما يتعلق بالأموال فيما يتعلق ببيع أو تجارة تكون الشهادة من رجل ومن امرأتين، فقال عز وجل {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ممن ترضى شهادته للعلم بأنه من أهل الصدق وليس من أهل الكذب {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} يعني أن تنسى إحداهما يعني النساء يعني المرأة {أَنْ تَضِلَّ} يعني من أجل ألا تضل {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ} يعني لا يمتنع الشهداء إذا علموا بأن الحق لفلان لا يمتنعوا من الشهادة {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} وما هنا زائدة يعني إذا دعوا للتأكيد {وَلَا تَسْأَمُوا} يعني لا تملوا {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ} يعني الدين {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} يعني إلى زمنه {ذَلِكُمْ} يعني الكتابة {أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} يعني أعدل عند الله {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} يعني أن الإنسان إذا رأى كتابته فإنه يكون أقوم وأعدل للشهادة؛ لأن عقله يعلم ذلك، وأيضا الكتابة {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} يعني أقرب ألا تشكوا في هذه الشهادة، فهي تزيد من يقينكم بأن هناك شهادة لفلان على فلان {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} {حَاضِرَةً} يعني ليس بها أجل يعني هذا يقبض وهذا يقبض {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}  كل منكم يأخذ ما له من حق هذا يأخذ الثمن، وهذا يأخذ السلعة، فقال عز وجل {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} يعني إثم {أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} الصحيح على وجه الاستحباب لأدلة وردت في السنة، فقال الله عز وجل {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} يعني هذا الكاتب وهذا الشهيد لا يضار بهما، بمعنى أنه لا يؤتى إلى الكاتب وإلى الشهيد، فيقال الله أمرك بالشهادة، وأمرك بالكتابة، وهذا الرجل في أمر مشغول فيما يتعلق بحاجته لا يوقع عليه الضرر، وأيضا هذا الكاتب، وهذا الشاهد الذي لا شغل عنده إذا طولب منه الشهادة، أو طلبت منه الكتابة، ولم يوجد غيره فيما يتعلق بالكتابة، فإنه حينها لا يوقع الضرر بالآخرين حتى لا تضيع حقوقهم {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا} يعني في مخالفة هذه الأحكام {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)}

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} يعني من يكتب لكم الدين، وكانت هناك مبايعة في سفر {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} يعني قدم له رهنا قدم لصاحب المال رهنا ليستوثق من دينه {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} والرهن يجوز في السفر، ويجوز في الحضر كما جاءت بذلك السنة {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} يعني لم يقدم رهنا،  ولم يكتب هذا الدين، ولم يشهد عليه، كل منكم أمن الآخر {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} واجب عليه لما ائتمنه أن يؤدي هذه الأمانة التي عليه {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ} قلبه آثم، وذكر القلب هنا، وإنما المقصود الجميع ذكر القلب؛ لأن القلب هو محل الإيمان، وإذا مسخ القلب، أو جرى له ما جرى من ذنب فإنه يؤثر على البدن {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.

{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)}

{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} لما ذكر عز وجل ما يتعلق من نفقة، وما شابه ذلك بين للخلق من أن ما يملكون هو ملك لله عز وجل، بل له ملك السموات والأرض {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا} يعني تظهروا {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} يعني تضمروه {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} وهذا لا يتعارض مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) هذه خواطر لا يحاسب عليها  الإنسان، لكن الذي يحاسب عليه الإنسان فيما لو كانت هناك خواطر استقرت في قلبه {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ومع ذلك {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

{آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}

{آَمَنَ الرَّسُولُ} وهذا بخلاف أهل الكتاب الذين فرقوا بين رسول وبين رسول، ولذلك ماذا قال هنا مبينا حال النبي عليه الصلاة والسلام وحال الصحابة رضي الله عنهم مع جميع الرسل {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} وهو القرآن {وَالْمُؤْمِنُونَ} يعني آمنوا أيضا {كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} {سَمِعْنَا} قولك {وَأَطَعْنَا} أمرك بخلاف ما ذكر في هذه  السورة عن اليهود {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} لكن هنا أهل الإيمان ماذا قال عز وجل عنهم {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ} يعني نسألك غفرانك {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} أي المرجع.

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} يعني إلا طاقتها {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الخير {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من الشر {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} يعني وقع منا شيء يخالف شرعك عن طريق النسيان، أو عن طريق الخطأ من غير عمد {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} يعني عنتا ومشقة {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} كالأمم السابقة، فعلى سبيل المثال كان المقرر على اليهود من أن النجاسة إذا وقعت على ثوب أحدهم فإنه لا يغسله، بل يقطع هذا الثوب، فقال عز وجل عن هؤلاء {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}.

{رَبَّنَا} لما طلبوا من الله ألا يحملهم الآصار التي في الأمم السابقة طلبوا من الله ألا يحملهم كل شيء لا يطيقونه من الأمراض، من البلايا، من كل شيء لا يناسب الإنسان {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا} تجاوز عنا {وَاغْفِرْ لَنَا}  يعني استر الذنب {وَارْحَمْنَا}  سبحان الله! كرروا ذلك باعتبار الالتجاء إلى الله، والإلحاح على الله في الدعاء {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا} وهذا هو زوال الذنوب {وَارْحَمْنَا} هذا حصول المطلوب والخير والجنة {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا} الولاية الخاصة ولاية التوفيق والتسديد والنصرة والعناية والرزق الطيب، وما شابه ذلك {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ولذلك ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال المؤمنون هذا القول {رَبَّنَا} {رَبَّنَا} {رَبَّنَا} في كل ما قالوه قال الله: قد فعلت، وفي رواية قال: نعم، ولذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام، قال عن الآيتين الآخيرتين من سورة البقرة: (من قرأ بهما في ليلة كفتاه) يعني من الشر ومن البلايا، فدل على عظيم هاتين الآيتين، وعلى عظيم هذه السورة…

وبهذا ينتهي تفسير سورة البقرة.