تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 1 ) حتى الآية (4 )الدرس(35)

تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 1 ) حتى الآية (4 )الدرس(35)

مشاهدات: 807

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة المائدة

الدرس ( 35)

من الآية ( 1 ) حتى الآية ( 4 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد:

فنشرع بعون من الله عز وجل في تفسير سورة المائدة، وهذا التفسير كما سبق أسميناه بالتفسير الوجيز؛ لأن عندنا تفسيرا كاملا ولله الحمد تم الانتهاء منه قبل سنة، وهو التفسير الشامل من أول سور القرآن إلى آخرها، لكن هذا التفسير هو التفسير الوجيز الذي يعتبر تفسيرا مختصرا ينتفع به بإذن الله طالب العلم وعامة الناس، وكنا فيما مضى في رمضان فسَّرنا العام الماضي سورة النساء والعام الذي قبله سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران، وسنشرع بعون من الله عز وجل في تفسير سورة المائدة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)}

 قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} بالعقود التي بينك وبين الله مما أمرك به من العبادات، وبينك وبين المخلوق من العهود والمواثيق، والأمر هنا للوجوب {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم الذكر منها والأنثى، ويدخل في ذلك ما أباحه الله عز وجل من حيوانات {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} يعني ما يُتلى عليكم مما حرَّمه الله عز وجل في مثل قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحَرَّمً،  إذن هي من حيث الأصل مباحة مباحة الأكل، أو ما حرَّمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنته {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ولذلك قلنا بهيمة الأنعام، ويدخل فيها حيوانات البر المأكولة لدلالة الآية {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يعني لا يجوز أن تصطادوا الصيد، وأنتم في الحرم، أو في حالة الإحرام؛ لأن المُحرِم لا يجوز له أن يصيد الحيوانات البرية المأكولة {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} وهنا إثبات صفة الحكم لله عز وجل، وصفة الإرادة لله عز وجل، فإذًا لا تُخالِفوا حكمه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} {لَا تُحِلُّوا} يعني لا تقعُوا في مخالفة شعائر الله {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} ومن ذلك الهدي، والشعيرة تشمل كل ما شرعه الله عز وجل، {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} يعني الأشهر الحرم الأربعة ذو القعدة، وذو الحجة، ومُحرَّم، ورجب، {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} يعني الأشهر الحرم {وَلَا الْهَدْيَ} وهو ما يُهدى إلى البيت لا يُتعرَّض له {وَلَا الْقَلَائِدَ} وهو ما يُقلَّد على البهيمة، كانوا يُقلِّدون على البهيمة القلائد من نعال وغيرها؛ لكونها مما يُهدى إلى البيت، فلا يُتعرَّض لها {وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} يعني ولا تتعرَّضوا للقاصدين البيت الله الحرام {وَلَا آَمِّينَ} يعني قاصدين {وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} من أمَّه ماذا يريدون؟ {يَبْتَغُونَ} يعني يطلبون {فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} يطلبون الفضل من الله والرضوان من الله عز وجل {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} يعني إذا تركتم الإحرام، أو خرجتم من الحرام، فلكم أن تعودوا إلى وضعكم السابق، وهو الصيد؛ لأنه في أول السورة {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} يعني لا يحملنكم {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ} يعني بغض قوم {أَنْ صَدُّوكُمْ} أي من أجل أنهم {صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} يعني لا يحملنكم بغض هؤلاء الذين صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} البر هو التقوى، لكن إذا اجتمعتا فالبر فعل الطاعة، والتقوى ترك المحرم{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} الإثم هو العدوان، والعدوان هو الإثم، لكن الإثم ما يتعلق بنفسك أنت مما حرمه الله، والعدوان أن تعتدي على الغير، {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} وأمرهم بتقوى الله {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}حذرهم من عقاب الله عز وجل.

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)}

 {حُرِّمَتْ} لما قال في أول السورة {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} يعني مما حرمه كما في هذه الآية {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} {الْمَيْتَةُ} مَا مَاتَ حَتْفَى أَنْفِهَا يُستثنى من ذلك من الميت ما أباحه الشرع مثل ماذا؟ الجراد والحوت يعني الأسماك {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} أيضا حُرِّمَ الدَم، والمقصود هنا الدم المسفوح الذي يخرج من ماذ؟  من أوداج وحُلقوم ومرئ البهيمة كما قال عز وجل {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} أما الدم الذي في العروق فإنه حلال، وكذلك يُستثنى من الدم مما أباحه الله عز وجل كما في حديث ابن عمر( أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال) {وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} والخنزير حيوان معروف وقال هنا {وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ذكر اللحم فقط مع أن الشحم والمصران وجميع أعضاء الخنزير محرمة؛ لأن الغالب الذي يأكله الإنسان من الحيوان هو اللحم، {وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} {وَمَا أُهِلَّ} يعني ما ذُكر على البهيمة اسم غير اسم الله،  أو ذُكر مع اسم الله اسم آخر {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} والإهلال هو رفع الصوت كانوا يرفعون الصوت حينما يذبحون الأصنام، فلو لم يرفع الصوت، وذُكر غير اسم الله، أو ذُكر مع اسم الله اسم آخر، فإنه لا يحب {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ} يعني المخنوقة إما بخنق غيرها، أو أنها خنقت نفسها {وَالْمُنْخَنِقَةُ} يعني محرمة {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} الموقوذة يعني التي ضُربت {وَالْمَوْقُوذَةُ} يعني المضُروبة {وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ} المتردية يعني التي سقطت بنفسها، أو بفعل غيرها، أسقطها غيرها، {وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ}يعني أنها نطحها حيوان آخر، يعني هي محرمة، {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} السبع جنس يشمل السبع من فهود وذئاب وأسود وما شابه ذلك، {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} يعني محرم يعني يكون محرما {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} يعني ما ذكيتموه مما سبق مما هو مباح، ولا يدخل في ذلك الخنزير؛ لأن الخنزير لو ذُكِّي فإنه محرم، لكن ما سبق مما أدركتموه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع أدركتموه وهو حي أو به حياة مستقرة ولو قليلة فذكيتموه، فإنه يباح، لكن لو أدركتموه وقد مات فإنه لا يكون حلالا، {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} يعني هذا يكون محرما، {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} وهي حجارة كانوا يذبحون عليها من أجل أصنامهم، {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} هذا يكون محرما، لا يجوز أكله، ولا يجوز فعله، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} أي تطلبوا القسمة بالأزلام، والأزلام هي أعواد كانوا فيما مضى يجعلون ثلاثة أعواد يكتبون على أحدها أمر، والآخر نهي، والآخر لا يكتبون عليه أي شيء، فإذا أرادوا تجارة، أو سفرا، أو زواجا استقسموا بهذه الأزلام، فإن أتى اللوح الذي به أمر فعلوا، وإن أتى اللوح يعني خرج لهم اللوح الذي به نهي أحجموا عن زواج أو عن تجارة أو ما شابه ذلك، وإن خرج الذي لا كتابة عليه أعادوا الاستقسام مرة أخرى، وهذا محرم؛ لأن به تشاؤما، وهذا هو التطير، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ} أي ما مضى {فِسْقٌ}  خروج عن طاعة الله عز وجل {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} {الْيَوْمَ} يعني يوم عرفة؛ لأن الناس دخلوا في دين الله عز وجل أفواجا، ولذلك بعدها الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لأنها نزلت بعرفة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فيئس الكفار من أن يضعفوا دينكم {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ} لأن هذه نزلت في يوم عرفة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فاكتملت الشرائع {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} الدينية والدنيوية {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} ولذلك قال تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ} يعني ألجأته الضرورة إلى أن يأكل مما حرمه الله {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} يعني في مجاعة {فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} يعني مائل {لِإِثْمٍ}  يعني هو أكل منها لا يريد الميل للأكل منها، وإنما بسبب هذه المخمصة؛ لأنه لو لم يأكل هلك {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} فإن أكل{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}ولذلك قال تعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} كما في الآية الأخرى {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

 

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)}

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} لما ذكر المحرمات في الآية السابقة {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ} يا محمد {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} كل ما طاب فهو حلال، {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} يعني التي تكسب الصيد من حيوانات كالكلاب المعلمة، أو من طيور، {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} التي تجرح الصيد أيضا مباح لكم ما صادته هذه، مباح لكم {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} أي وصيد ما علمتم من الجوارح {مُكَلِّبِينَ} يعني من أنكم كلبتم هذه البهائم بمعنى أنكم علمتموها كيفية الصيد، فالكلاب التي هي ليست معلمة لو صادت لا يجوز صيدها{مُكَلِّبِينَ} ثم أكد ذلك، وقرره وبينه {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} وذلك بأن يكون تعليم الحيوان بأنك إذا أمرته أن يسترسل للبهيمة ويذهب إليها أو للصيد ذهب إليها، وإن أحجمته انزجر هذا هو التعليم لهذا الحيوان، وإذا صاد فلا يأكل تعلمه من أنه إذا صاد لا يأكل، وهذه الشروط مشترطة أيضا في الطيور التي يصاد بها، لكن الطير مثل الصقر لو صاد فأكل فيغتفر؛ لأن منع الطير من الأكل من الصيد عادة يكون متعذرا بخلاف الحيوان كالكلب {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} أي من أجلكم من هذه الصيد، لكن لو أكلن فهن لم يصدنا لكم، وإنما صدن لأنفسهم {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} يعني واذكروا اسم الله عليه حينما ترسلون الحيوان، أو الطير للصيد يجب أن تسموا حال الإرسال، وأيضا إذا أكلتم هذا الصيد تسمون عليه، وأيضا إذا أدركتم ما به حياة مستقرة فتسمون حال التذكية على هذا الحيوان، {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} أمرهم بتقوى الله {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.