تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 101 ) حتى الآية (108 )الدرس(45)

تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 101 ) حتى الآية (108 )الدرس(45)

مشاهدات: 759

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة المائدة

الدرس ( 45)

من الآية ( 101) حتى الآية ( 108 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قول الله عز وجل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)}

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ} يعني تظهر لكم {تَسُؤْكُمْ} أي لا تلائمكم، وهذا المقصود منه في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسائل التي لم يأتِ الشرع بذكرها، فيأتي ما يحرم على الناس ما هو حلال، وكذلك يدخل فيه النهي عن الأسئلة التي بها تعنت، سواء كانت تلك الأسئلة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو ما جاء بعده، أو لتعجيز المسؤول، أما ما يسأل عنه، ولو بكثرة عن أمور الدين؛ حتى يعلمها المسلم، فهذا مندوب، بل قد يجب، قال تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ} أي تظهر لكم، يعني لا تسألوا الأسئلة التي ربما يحصل منها أن يحرم الحلال، لكن لو نزل، وهذا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو نزل شيء بتحريم شيء، أو بالنهي عنه فلتسألوا عن معرفة أجزائه وتفاصيله، ولذلك قال {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} يعني عن تلك المسائل، أو أنه عفا عنها يعني أنه لم يوجبها عليكم رحمة منه عز وجل، {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} إثبات اسمي الغفور والحليم لله عز وجل، والحليم هو الذي لا يعاجل بعقوبته.

{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} لأنهم لم يمتثلوا هذه الأشياء.

{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)}

{مَا جَعَلَ اللَّهُ} أي ما شرع الله خلافا لما يفعله أهل الجاهلية، {مَا جَعَلَ اللَّهُ} يعني ما شرع الله {مِنْ بَحِيرَةٍ} البحيرة هي الناقة إذا ولدت عددا شقوا أذنها وتركوها لا يحمل عليها، وتترك للأصنام، {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ} وهي الناقة يسيبونها إذا قدم الإنسان من تجارة، أو شفي سيب له ناقة، وتركها لا يتعرض لها، ولا تذبح، تترك يقولون هذه سائبة للأصنام {وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ} هي الدابة يقولون تلد أبطنا، فإذا كان المولود ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها حتى لا يذبح، {وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} {وَلَا حَامٍ} هو البعير يقولون إذا خرج من ظهره عشرة، فانه يحمي ظهره، فلا يحمل عليه شيء، هذا أظهر التفاسير، قد تجدون تفاسير أخرى، تلك التفاسير تختلف باختلاف عادات أهل الجاهلية، من قبيلة إلى قبيلة، {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} بما شرعوه من هذه الأشياء {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} لأن هناك قلة آمنت من هؤلاء الكفار.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)}

 {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وهو القرآن، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} يعني ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم {قَالُوا حَسْبُنَا} يعني يكفينا {مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا} مما تركوه من تلك العادات القبيحة {قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا} يعني أيتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا، {وَلَا يَهْتَدُونَ} {وَلَا يَهْتَدُونَ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يعني الزموا أنفسكم {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قد يفهم منها ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا خطأ، ولذلك قام أبو بكر رضي الله عنه، وقال: إنكم تقرأون هذه الآية على غير ما أنزلت، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده) فهنا {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} المقصود من ذلك: أنكم تهتدون وتوصون الناس بهذه الهداية، من لم يستجب لكم {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ} إثبات يوم القيامة، {فَيُنَبِّئُكُمْ} يخبركم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)}

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ} يعني من كان في سفر، وحضرته الوفاة، ومعه مال، فإنه يوصي اثنين بأن يوصلوا ماله الى ورثته، ولذلك قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا} إن لم يوجد فواحد، {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي من أهل الإسلام، وهو أصح من قول من يقول: إنه {مِنْكُمْ} يعني من قبيلتكم، {أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني من غير قبيلتكم، لا، المقصود من ذلك على الأشهر: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني كافرين، وهذا يدل على أن شهادة الكافر لا تجوز إلا في السفر حال الموت كهذه الحالة، {أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} متى؟ {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} يعني سافرتم {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} هنا حتى تفهم الآيات: المسلم إذا أوصى الكافرين بأن يأخذ هذا المال، ويوصله إلى ورثته هنا إذا أوصلاه إلى الورثة، والورثة شكوا في هذين، فإنهما بأمر القاضي يوقفان بعد صلاة العصر؛ لأنها كانت معظمة عند أهل الملل، ويحلفان بالله من أنهما ما كتما، ولا أخذا، وهذا إذا حصل الشك، أما إذا لم يحصل شك، فلا، فإن عثر من أن هذين قد أخذا شيئا من مال مورثهم، هنا ما الذي يحصل؟ أن أقرب الورثة يحلفان من أن يمينهما أولى من يمين هذين، كل هذه الأحكام من أجل أنَّ من أوصي على أن يوصل المال إلى أهله أن يسلم ذلك المال بأكمله؛ حتى لا يلجأ إلى هذا اليمين، هذا مجمل الآيات، لكن نأتي الى التفصيل، قال: {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا} من؟ الشاهدان {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} قيل الصلاة مطلقة، وقيل صلاة العصر؛ لأنها كانت تعظم من باب تغليظ اليمين {مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} من؟ الشاهدان، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} لكن بشرط، ما يوقفان إلا بشرط {إِنِ ارْتَبْتُمْ} حصل منكم شك في أنهما أخذا شيئا من هذا المال فهنا يوقفان، {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} ولو كان كافرين يقسمان بالله، ولا يقسمان بشيء آخر، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} ويقولان في هذا القسم {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ} الواقعين في الإثم {فَإِنْ عُثِرَ} بعد أن حلفا سيخلى سبيلهما، لكن لو وجد ما يدل على أنهما كذبا {فَإِنْ عُثِرَ} يعني عثر الورثة، أو بعض الورثة، {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا} من؟ الشاهدان، {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} وذلك بأنهما كتما، {فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} يعني أقرب الناس إلى الميت، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا} يعني الأيمان {أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا} على هؤلاء {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} ذلك يعني الحكم السابق لماذا شرع؟ {ذَلِكَ أَدْنَى} يعني أقرب {أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} من؟ الشاهدان، {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} ترد الأيمان إلى أقرباء الميت، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في جميع أحوالكم، {وَاسْمَعُوا} الأحكام الشرعية سماع قبول، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} لأنهم لم يقبلوا على الخير، فلم يوفقوا للهدى.

نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد