تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 12 ) حتى الآية (19 )الدرس(37)

تفسير سورة المائدة ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 12 ) حتى الآية (19 )الدرس(37)

مشاهدات: 750

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة المائدة

الدرس ( 37)

من الآية ( 12 ) حتى الآية ( 19 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قول الله عز وجل:

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)}

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وهي المواثيق التي بها طاعة الله عز وجل، وطاعة رسله، {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} النقيب هو الرئيس والمسؤول، وهم اثنا عشر باعتبار أن أسباط بني إسرائيل اثنا عشر، {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} كل نقيب على سبط، والسبط بمثابة القبيلة عند العرب، {وَقَالَ اللَّهُ} إثبات صفة القول لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} بالتأييد والنصرة والتوفيق والتسديد، {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي} ليس برسول دون رسول، بل جميع الرسل، { وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} يعني نصرتموهم {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} يعني الذي يكون بطيب نفس، ويكون القرض الحسن هو التطوع؛ لأنه قال قبلها {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}

{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ} الثواب: {لَأُكَفِّرَنَّ} ولذلك تفسير الآية التي في سورة البقرة {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير وهنا {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ} أي مما ذكر لكم فيما سبق {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} {سَوَاءَ السَّبِيلِ} يعني الطريق المستقيم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا} الباء هنا سببية، فبسبب {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} أي نقض المواثيق التي أتتهم من قبل الرسل {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} ما الذي جرى؟ {لَعَنَّاهُمْ} واللعن والطرد والإبعاد عن رحمة الله {لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} فلا تقبل الحق {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ولذلك قال تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أدى ذلك إلى أنهم اعتدوا على كتاب الله ، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} يعني كلام الله {عَنْ مَوَاضِعِهِ} فبدلوا كتاب الله عز وجل {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا} أي تركوا النسيان هنا الترك، {وَنَسُوا حَظًّا} أي نصيبا {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} في كتابهم {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ} يعني يا محمد فإن هؤلاء من سلالة أولئك {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} كما  فعلوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهود بن قريضة وما شابه هؤلاء مما ذكر في الآثار والسيرة،                                                                                                                          

 فقال الله عز وجل {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} يعني ممن أسلم كعبد الله بن سلام وغيره {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} {فَاعْفُ عَنْهُمْ} العفو عدم المؤاخدة، {وَاصْفَحْ} والصفح أنك لا يبقى في نفسك شيء على الآخر، هذا هو الفرق بينهما، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} وذلك لأنه لم يؤمر بالجهاد آنذاك، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وهذاd دل على أن العفو والصفح إحسان.

 

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)}

 

 {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا} لما ذكر حال اليهود ذكر حال النصارى {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} قالوا نصارى بالقول فما فعلوا ولا حققوا نصرة نبيهم عيسى عليه السلام وإنما هو قول، {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} مما أتى به عيسى عليه السلام من طاعة الله وطاعته {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا} أي تركوا {فَنَسُوا حَظًّا} أي نصيبا {مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} كحال اليهود، فما الذي جرى؟ {فَأَغْرَيْنَا} {فَأَغْرَيْنَا}  أي أنه نشر بينهم {فَأَغْرَيْنَا}  أي نشرنا بقوة {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} أي بين النصارى بعضهم البعض، وقال بعض المفسدين {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ} يعني بين اليهود بين النصارى فهم لا يتوافقون، وعلى كل حال ظاهر السياق بين النصارى، ولا مانع من دخول ذلك، من دخول القول الآخر {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ودل هذا على أن البعد عن دين الله عز وجل سبب للعداء والبغضاء بين الأمم، وبين الأمة نفسها {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وهذا تهديد لهؤلاء بما سيكون لهم يوم القيامة {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.

 

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)}

 

 {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} تذكير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ} يوضح لكم {كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} مما أخفيتموه من صدق نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما شابه ذلك {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} فلا يذكره؛ لأن الحاجة لم تدعُ إلى ذكره، فالمصلحة داعية إلى عدم ذكره {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ} وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} وهو القرآن {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ}{بِهِ} يعني بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن، وهذا جمع للقولين {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} فمن اتبع رضوان الله وأراد ذلك انتفع بالقرآن وبالسنة، {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ} أي طرق {السَّلَامِ} وهي الطرق التي توصل الإنسان إلى السلامة {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} يخرجهم من ظلمات الجهل والشكوك إلى نور الهداية والحق {بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} لا اعوجاج فيه.

 

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)}

 

 {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} هنا توضيح لما فعلته النصارى الذين تقدم ذكرهم من الجرائم {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ} يا محمد لهؤلاء {فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} يعني من يستطيع أن يدفع أمر الله عز وجل {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} يدخل فيهم أيضا مَن؟ عيسى وأمه {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} وما في الأرض من بينهم عيسى عليه السلام فهو ملك لله عز وجل، وليس هو الله، وليس ابنا لله، {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} ولذلك قال بعدها {يخْلُقُ مَا يَشَاءُ} وممن خلقه عيسى عليه السلام، {يخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من أم دون أب كعيسى عليه السلام،  من أب دون أم كحواء، من غير أم ولا أب كآدم، من أم وأب كسائر الخلق، {يخْلُقُ مَا يَشَاءُ} {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن ذلك قدرته على أن يخلق عيسى عليه السلام من غير أب، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

 

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)}

 

 {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} يعني بمنزلة الأبناء، وليس مع ذلك أنهم قالوا نحن أبناء الله، وإنما بمنزلة الأبناء {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} وأخَّروا جملة {وَأَحِبَّاؤُهُ} يعني أبناء محبوبون، ليسوا بغضين، {قُلْ} يا محمد لهؤلاء لو كنتم كما قلتم {فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} ما ظلمكم، عذبكم بذنوبكم، وهل الحبيب يعذب حبيبه؟ الجواب: لا، {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ} كسائل بشر {مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المرجع، وسيحاسبكم على هذا القول.

 

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)}

  {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} تذكير لهم بهذا النداء مرة أخرى لمن في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود والنصارى، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} على انقطاع من الرسل، أي الفترة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين عيسى، وحُدِّدت كما جاء في صيح البخاري من حديث سلمان رضي الله: “ستمائة سنة” {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا}أي لئلا تقولوا، أتاكم رسول بعد تلك المدة التي بها فترة {أَنْ تَقُولُوا} وتحتجوا وتعتذروا {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} يبشرنا بالخير {وَلَا نَذِيرٍ} يخوفنا من الشر، {فَقَدْ جَاءَكُمْ} وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم {بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

 نقف عند هذا، ونكمل إن شاء الله يوم الأحد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.