التفسير الوجيز ـ تفسير سورة المائدة
الدرس ( 42)
من الآية ( 61 ) حتى الآية ( 76 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى:
{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) }
{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} {وَإِذَا جَاءُوكُمْ} يعني أهل الكتاب، {وَإِذَا جَاءُوكُمْ} أهل الكتاب الذين بهم نفاق، {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} يعني لم ينتفعوا بالمواعظ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} يعني يسرونه من الشرك.
{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} وليسوا القلة {يُسَارِعُونَ} يعني يتسابقون، {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ} فيما يتعلق بالإثم الذي يفعلونه بأنفسهم {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وهو الإثم الذي به اعتداء على الغير، {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} وهو أكل المال عن طريق الباطل من ربا، أو رشوة، أو نحو ذلك {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ذم لفعلهم هذا.
{لَوْلَا} يعني هلا {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} {الرَّبَّانِيُّونَ} العلماء المجتهدون {وَالْأَحْبَار} العلماء الذين عندهم علم لم يصلوا إلى من سبق {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} هذا ذم أشد من السابق؛ لأن الصنع هو الإتقان {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} هنا إثبات صفه اليد لله عز وجل، ولله عز وجل يدان تليقان به عز وجل، ولذلك قال عز وجل {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ففيه إثبات صفه اليدين لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} يعني أنها ممسكة عن الإنفاق وهذا من قبيح أقوالهم، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} دعاء عليهم {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا} أي طردوا من رحمة الله، {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ} وهنا فيه إثبات صفة اليدين نص على التثنية هنا، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} بالإنفاق، وبالتوبة (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار) {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} فيغني هذا، ويفقر هذا، يعطي ويمنع هذا بحكمته وعدله سبحانه، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} الطغيان هو التجاوز، الكفر هو الجحود، يعني ما ينزل عليك هم لا يؤمنون به، فما الذي يحصل؟ يزدادون طغيانًا وكفرًا {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا} أشعلوا {نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} وذلك لأن من عادتهم في الحروب أنهم يشعلون النار، {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} بالذنوب وبغيرها {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} ومع التكفير {وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} ومن ذلك هذا القرآن {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} يعني يأتيهم الخير من كل جانب، {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ} يعني جماعة {مُقْتَصِدَةٌ} يعني قائمة بأمر الله، لكنها قليلة، ولذلك قال بعدها {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} عملهم سيء.
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} هو القرآن، {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} لأنك لو تركت شيئا فكأنك ما بلغته كله، وقد قام به صلى الله عليه وآله وسلم، وبلغه على أكمل الوجوه، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي يمنعك من أن يصيبك أذى من القتل، أما الأمور الأخرى التي حصلت له من أنه جرح عليه الصلاة والسلام، فهذه لرفع درجاته، لكن {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} من القتل، ولذلك ما استطاع أحد أن يقتله، وكانوا قد فعلوا اليهود وغيرهم {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} في أول الأمر كان أصحابه يحرسونه فنزلت هذه الآية، فزالت الحراسة، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} لأنهم لم يستقبلوا هذا القرآن بقلوب منشرحة.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) }
{قُلْ} يا محمد لأهل الكتاب اليهود والنصارى، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} أي من الخير {حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ومن ذلك القرآن، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ} يعني فلا تحزن، {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا} يعني فيما مضى {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} يعني اليهود {وَالصَّابِئُونَ} هي فرقة على الصحيح لا تنتحل أي ملة، وإنما أي ملة ترى فيها الخير تتمسك بها، وهم صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} يعني من أدرك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وزمانه فآمن به، {وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيما يقدمون عليه، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ولا يصيبهم حزن فيما تركوه.
{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)}
{لَقَدْ أَخَذْنَا} هنا قسم {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} والمواثيق أخذت عليهم بكثرة، فلم يوفوا بها، {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} إلى غير ذلك من الآيات، {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا} رسل كثر، {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ} في سورة البقرة قال {اسْتَكْبَرْتُمْ} سبب ذلك الكبر، {فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} هم بين الرسل إما أن يكذبوا هؤلاء الرسل، أو أنهم يقتلون بعض هؤلاء الرسل.
{وَحَسِبُوا} يعني ظنوا {أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} يعني ابتلاء وامتحان من الله عز وجل بالمصائب لهم، {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} فما الذي جرى منهم على حسب ظنهم؟ {فَعَمُوا} عن الهدى فلم يبصروه، {فَعَمُوا وَصَمُّوا} يعني صموا آذانهم عن سماع الهدى، {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} مع ذلك كله {تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} لكنهم رجعوا، {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا} لكن ليس الكل {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} هنا قلة لم تفعل هذه الأفاعيل الخبيثة، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)}
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} لما ذكر صفات اليهود هنا بين صفات النصارى، لما بين صفات اليهود الخبيثة بيَّن هنا صفات النصارى الخبيثة {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} وهذه طائفة من النصارى، لأنهم افترقوا في ديانات متشعبة {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ} يرد علي {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} تحريما مؤبدًا، {وَمَأْوَاهُ} يعني مثواه {النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ينصرهم ويدفع عنهم العذاب.
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} هذه طائفة أخرى من النصارى، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} يعني واحد من ثلاثة؛ لأن الإله عندهم الله عز وجل وعيسى ومريم، ولذلك في آخر السورة {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} فقال الله عز وجل هنا {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ} نفي هنا {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} هو الله عز وجل، {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ} ليصيبن {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني مؤلم، ومع ذلك مع تلك الأقوال الشنيعة عرض عليهم التوبة {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)}
{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} يعني مضت {مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} كغيره من الرسل، وأما أمه فليست بإله، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} بلغت في الصدق المنتهى، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} ومن يأكل الطعام فليس بإله؛ لأنه يحتاج إلى إذا أكل الطعام إلى أنه يخرج الفضلات، وهو يدل على نقصه، {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُر} اعتبار وتعجب، {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ} ونوضح {لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} يعني كيف يُصْرَفُون عن الحق.
{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) }
{قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} ومن ذلك عيسى وأمه، ولذلك في أول السورة {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}
{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} {السَّمِيعُ} لأقوالكم والعليم بأحوالكم، وهذان اسمان من أسمائه عز وجل.
ونكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.