التفسير الوجيز ـ تفسير سورة النساء
الدرس ( 28)
من الآية ( 94 ) حتى الآية ( 101 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} هذه الآية نزلت في جماعة من المسلمين سافروا، ووجدوا رجلا معه غنم، فسلم عليهم، فظنوا إنما أسلم من أجل أن يسلم، فقتلوه، وأخذوا الغنم، فقال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ} يعني سافرتم، وذلك لأن المسافر يضرب برجليه الأرض، أو بدابته، أو بسيارته إذا سافر، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني لإعلاء كلمة الله، {فَتَبَيَّنُوا} يعني تبيّنوا كحال هذا الرجل، فخذوا بالظاهر بما أنه أسلم، فدلّ هذا على أن ظاهره هو الإسلام، {فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ} يعني تطلبون {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي ما معه من الغنم، {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} أعظم من ما لدى هذا الرجل {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} {كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} يعني في أول أمركم قبل أن يظهر الإسلام، كنتم تخفون الإسلام، وأيضا {كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} يعني يؤخذ منكم بالظاهر، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني أعطاكم من النعم التي بها ظهر شأنكم، وظهرت قوتكم، {فَتَبَيَّنُوا} وكرر {فَتَبَيَّنُوا} من باب أن الإنسان يأخذ غيره بالظاهر، {فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)}
{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني لا يستوي من جاهد في سبيل الله عز وجل ممن لم يجاهد، لكن مَن كان لديه عذر {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فإنه لا يكون كحال من ترك الجهاد، {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} يعني على الجهاد {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} يعني من قعد لضرر وعذر، {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} يعني فضَّل الله عز وجل من جاهد في سبيل الله عز وجل درجة على من؟ على مَن قعد لعذر، وهذا هو الظاهر مما يرجح على أظهر القولين، فقال الله عز وجل {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} ولذلك قال بعدها {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} يعني العاقبة الحسنة، وأعلى ذلك الجنة، وإنما فُضِّل المجاهدون في سبيل الله على القاعدين لعذر؛ لأن من باشر القتال ليس كمن قعد، ولو كان لديه عذر، فقال الله عز وجل {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ} لغير عذر، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} وبيَّن هذا الأجر، {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} درجات في الجنة، {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)}
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} يعني ظلموا أنفسهم بالجلوس مع الكفار مع أن لديهم قدرة على أن يهاجروا، {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} يعني ما السبب في مكثكم عندهم؟ ولماذا لم تخرجوا؟ {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ} ذم لها، كلمة ساء ذم، {وَسَاءَتْ مَصِيرًا} لأنهم جلسوا لغير عذر، ولذلك استثنى من لديه عذر {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} وهذا لا يدل على أن من ترك الهجرة من أنه يكون كافر، لا، وإنما هذا كبيرة من كبائر الذنوب، من باب التغليظ {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ} وهم الضعفاء كبار السن، وما شابه ذلك {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} يعني الأطفال، {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} ليست لديهم حيلة، وطريقه للخروج؛ لضعفهم، {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} حتى لو وجدوا القوة إلى الخروج ما يعرفون الطريق إلى مدينة الإسلام، {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} و {عَسَى} إذا كانت من الله فهي متحققة الوقوع يعين سيعفو الله عنهم { فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا } يعني يتجاوز عن الذنب، {عَفُوًّا غَفُورًا}.
{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)}
{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لإعلاء كلمة الله، وأيضاً لبقاء دينه إذ خرج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وترك وطنه وأمواله {يَجِدْ} سيعوضه الله، {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا} يعني مكاناً يراغم فيه قومه؛ لأن الإنسان إذا أخرج من أرضه ووجد مكاناً مناسباً فإنه حينها يفرح لم؟ لأنه سيغيظ قومه، {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا} يعني يراغمهم ويكبتهم في هذا المكان، {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} يعني من أنواع الرزق، سعة من أنواع الرزق من صحة وعافية وأموال وما شابه ذلك، {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} يعني لم يصل، وإنه مات في الطريق {فَقَدْ} واجبة {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)}
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} يعني سافرتم، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} يعني إثم {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} بحيث تجعلون الصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء تجعلونها ركعتين، {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} {أَنْ يَفْتِنَكُمُ} يعني أنهم يقاتلونكم، {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} وقال هنا {إِنْ خِفْتُمْ} فيفهم من ذلك أن قصر الصلاة لا يكون في حال الأمن، لا، و لذلك عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية، فقال: (هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ونكمل إن شاء الله غدا، و صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.