التفسير الوجيز ـ تفسير سورة النساء
الدرس ( 21)
من الآية ( 15 ) حتى الآية ( 24 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)}
{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} هذا هو حكم الثيب، المرأة الثيب التي إذا زنت فإن هذا الحكم هو حكمها في أول الإسلام، { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ } يعني فاحشة الزنا { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} فإذا شهد عليها أربعة رجال، وصفوا الزنا وصفاً دقيقاً فإنها والحالة هذه كما قال تعالى {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} يعني لتحبس في البيت، فقال عز وجل {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} وقد جعل الله عز وجل لهن سبيلا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الثيب بالثيب الرجم) يعني جعل الحكم الرجم (والبكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام) فقال الله عز وجل {فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}.
{وَاللَّذَانِ} يعني البكر من النساء ومن الرجال {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا} يعني الفاحشة {مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا} بالقول وبالفعل {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا}.
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)}
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} يعني أوجب الله عز وجل على نفسه التوبة لمن تاب تفضلا منه عز وجل {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} يعني عن تعمد { بِجَهَالَةٍ } لأن كل من عصى الله فهو جاهل؛ لأنه جهل عظمة الله عز وجل {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} يعني أنه متى ما أذنب فإنه يسارع بالتوبة عن قريب، ويدخل فيه أيضا من أنهم يتوبون قبل أن تحضر آجالهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)
{فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} يعني بلغت الروح الحلقوم {إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} إذًا لا توبة لهم { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} يعني على وجه الإكراه، وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل أتى قريبه، ووضع ثوباً على هذه المرأة، أو وضع شيئا وملكها، فإن شاء تزوجها من غير مهر، وإن شاء عضلها ومنعها من الزواج حتى تفتدي له من إرثها، فقال الله عز وجل مبينا لهم أن الحكم السابق أنه من عادة أهل الجاهلية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} هذا خطاب للأزواج {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} يعني لا تمنعونهن حقهن {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} يعني من أنكم تضيقون عليهن {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ} يعني من أنكم إذا كرهتم المرأة، فلا يجوز أن تكرهها، وأن تضيق عليها حتى تفتدي من مالها حتى تطلقها، فقال عز وجل {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} كأن تكون المرأة قد زنت، أو أنها ذات لسان قبيح عليه وعلى أهله، فإنه له أن يعضلها من أجل أن تفتدي بمالها، وإلا فلا يجوز {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} وذلك من أنه إذا كرهها فليصبر عليها لربما أن هذا الكره ينقلب إلى مودة، أو أن هذه المرأة تأتي له بولد فتنقلب هذه البغضاء إلى مودة { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)}
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} يعني زوجة {مَكَانَ زَوْجٍ} يعني إذا أردتم أن تطلقوا المرأة، وأن تأخذوا غيرها { وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } والقِنطار هو المال الكثير، { فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } يعني إذا أردتم أن تطلقوها، وقد أعطيتموها المهر الكثير، فلا يجوز أن تأخذوا منها شيئا، { وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا }.
{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} يعني من أنكم جامعتموهن، واستحللتم فروجهن، { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } والميثاق الغليظ الذي أخذ على الأزواج هو ما أمر الله عز وجل به من إعطائهن حقوقهن؛ لأنه عز وجل أباح لهم استحلال فروجهن، فقال عز وجل بعدها:
{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)}
{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} كانوا في الجاهلية الرجل يأتي بعد وفاة أبيه، ويأخذ زوجة أبيه، ويتزوج بها، وهذا لا يجوز، ولذلك قال تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ} والآباء يشمل الآباء الأقرباء، ويشمل من هو أعلى منهم وهم الأجداد من جهة أبيك، أو من جهة أمك، ولذا بمجرد العقد ولو لم يدخل أبوك، أو لم يدخل جدك بهذه المرأة يعني عقد عليها فقط مجرد عقد فإنها تكون محرمة عليك لا يجوز لك أن تتزوج بها، ولو لم يدخل بها، {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} يعني في الجاهلية {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} إلا ما قد سلف في الجاهلية، ولذلك لو أسلم شخص وتحته زوجة أبيه، فإن الواجب عليه أن يطلقها، فقال الله عز وجل { إِنَّهُ } يعني زواج الرجل من زوجة أبيه {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} يعني يمقته الله عز وجل ويبغضه الله، ويبغضه الناس {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} يعني أن هذا الطريق سيء، وأنه مذموم.
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)}
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} وهذه الآية والتي تأتي بعدها وكذلك {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ} بيّن الله عز وجل المحرمات على المسلم من النساء { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } الأُمْ مَنْ لَهَ عَلَيْكَ وِلَادَة، وَإِنْ عَلَتْ، وَلِذَٰلِكَ الأُمْ وَالْجَدَّةِ وَإِنْ عَلَتْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تتَزَوَّجَ بِهَا { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } مَنْ لَكَ عَلَيْهَ وِلَادَة، بناتك وبنات بناتك وبنات أبنائك وإن نزلوا، { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ } شقيقات، أو لأب أو لأم {وَعَمَّاتُكُمْ} وهي أخت الأب، وكذلك أخت الجد { وَخَالَاتُكُمْ } وهي أخت أمك، وأخت جدتك { وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ } وإن نزلوا {وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} أم زوجتك، وكذلك من علا ولو كانت جدة زوجتك فإنها تكون محرمة عليك بمجرد العقد، بمجرد العقد، ولذلك لو أن الإنسان تزوج بامرأة، عقد عليها قبل أن يدخل بها، فإنه لا يجوز له أن يتزوج بأمها، ولا بجدتها، {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} يعني أنهن تربين عندكم في بيتكم والربيبة هي بنت الزوجة، وذلك بأن تتزوج امرأة، ولهذه المرأة بنت من زوج سابق، هذه البنت هي ربيبة لك، فلا يجوز أن تتزوج بها، {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} هنا به قيد لما ذكرنا من أن الإنسان لو عقد على امرأة، فإنه لا يجوز له أن يتزوج بمجرد العقد لا يجوز له أن يتزوج أمها، ولا جدتها، لكنه لو عقد على امرأة، ولم يدخل بها، وأراد أن يتزوج ابنتها فلا إشكال في ذلك، فلا إشكال في ذلك، ولذلك قال {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} يعني النساء {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} يعني هؤلاء النساء اللواتي لهن بنات يعني قبل الدخول لك أن تتزوج بابنتها، لكن بعد الدخول لا، {مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعني لا إثم عليكم {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} وإن نزلوا {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} بمجرد ما يعقد ابنك على امرأة، ولو لم يدخل بها فإنها تكون محرمة عليك أنت أيها الأب، أو أنت أيها الجد لهذا الرجل، {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} أخرج ماذا؟ ولد التبني؛ لأنهم كانوا يتبنون الأولاد، وهذا الولد يرثه، فقال عز وجل {مِنْ أَصْلَابِكُمْ} ولذلك أبطل الله عز وجل التبني {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} يعني لا يجوز لأحد أن يجمع بين أختين، يعني فاطمة وعائشة وهم أختان، فلا يجوز أن يتزوج بهما جميعا حتى يطلق الأخرى، وتنتهي عدة تلك المرأة، ويتزوج بأختها، {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وذلك لأنه القطيعة تحصل، والنزاع يحصل والشقاق يحصل بين الأختين، {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} في الجاهلية لكن من أسلم ولذلك لما أسلم رجل وتحته أختان، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (طلق إحداهما) {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}
{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)}
{وَالْمُحْصَنَاتُ} هذه تابعة للمحرمات {وَالْمُحْصَنَاتُ} يعني المتزوجات لا يجوز لك أن تتزوج بامرأة تحت رجل؛ لأنها تحت رجل، {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وذلك من أن المسلمين كما في السابق إذا جاهدوا، ووقعت امرأة لها زوج كافر، ووقعت امرأة كافرة، ولها زوج كافر، فإن هذه المرأة حينما تسبى فإنها إذا سبيت تترك حيضة واحدة حتى يستبرأ ما في رحمها، ثم تكون حلالا، ولذلك قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يعني كتب وفرض عليكم هذه الأشياء كتابا، أو الزموا كتاب الله {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} يعني ما سوى ما ذكر من هؤلاء النسوة، فإنهن مباحات لكم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} دلّ هذا على أن الزواج لابد له من مهر، {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} بأن تتزوجوا النساء من غير المذكورات {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ} يعني تريدون الإعفاف {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} يعني غير مريدين السفاح الذي هو الزنى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ} الاستمتاع استمتاع الرجل بزوجته، واستمتاعه بفرجها وبجسدها {فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} الذي هو المهر {فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} يعني واجبة كما قال تعالى {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا إثم عليكم {فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} إما أن تسقط المرأة لك عن طيب نفس من مهرها، أو أنك تزيد المرأة فلا اشكال في ذلك، {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} فهو شرع عز وجل تلك الشرائع، وهو حكيم إذ إنه شرع هذه الشرائع التي بها منفعة وخير لكم، ونكتفي بهذا القدر، ونكمل غدا إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.