التفسير الوجيز ـ تفسير سورة النساء
الدرس ( 23)
من الآية ( 36 ) حتى الآية ( 43 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ: زيد بن مسفر البحري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)}
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} يعني لا تصرف شيئاً من العبادة لغير الله عز وجل، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} يعني أحسنوا الى الأبوين الأم والأب، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} وهم قرابة الشخص، {وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} واليتيم هو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} الجار القريب منك من حيث الرحم، وأيضا من حيث البيت، أو من حيث الدار، أو من حيث المكان، {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} يعني الجار الذي هو بعيد عنك، ليس بقريبك، و أيضا هو بعيد عن منزلك، لكن يصدق عليه أنه جار، {وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} يعني المصاحب لك في عمل، المصاحب لك في سفر، وأيضاً المصاحب لك هنا يدخل الزوجة، {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وهو المسافر، {وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وهما الأرقاء والعبيد، إذن هذه الآية أمرت بالإحسان إلى هؤلاء بعد وجوب القيام بحق الله عز وجل في قوله {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ} إثبات صفة المحبة لله عز وجل بما يليق بجلاله وبعظمته، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ} فنفى المحبة عن هؤلاء؛ لأنه يحب أولياءه، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا} يعني في نفسه، يرى العظمة في نفسه {فَخُورًا} يعني أنه يفتخر على غيره.
{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} إما أن تكون هذه الآية صفة للمختال والفخور، فيكون الإعراب بدلا، وإما أن تكون مستأنفة، صنف آخر {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} جمعوا بين البخل بالمال، وأيضا بين البخل بالعلم الشرعي، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} يهينهم، ويذلهم، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}.
{وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)}
{وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} هذا صنف آخر ينفق ماله، لكنه ليس ابتغاء وجه الله، {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} يعني مراءاةً للناس {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ} يعني هذا الصنف الشيطان صار قرينا لهم، {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا} يعني مصاحبا {فَسَاءَ قَرِينًا} يعني ساء القرين من؟ هو الشيطان لهذا الإنسان، {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}
{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} يعني ما الذي يضرهم، {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم ومن أقوالهم.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)}
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} وذلك لكمال عدله {مِثْقَالَ} يعني وزن {ذَرَّةٍ} إما أن تكون هي النملة الصغيرة، أو الهباءة بمعنى أنه يأخذ الإنسان ترابا، ثم ينفثه فهذه هو الهباء، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} يعني أنه يضاعف هذه الحسنة إلى أضعاف كثيرة {يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ} قال {مِنْ لَدُنْهُ} يدل على عظم الأجر؛ لأنه من لدن رب العالمين {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}.
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} وهو الرسول رسولهم يشهد عليهم، {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}.
{يَوْمَئِذٍ} يعني في ذلك اليوم، {يَوْمَئِذٍ} في يوم القيامة {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} إما أن يكونوا كطبقة الأرض، أو أن الأرض تبتلعهم، {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} يعني حال شربكم للمسكر، {وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وهذا في أول الأمر قبل أن تحرم الخمر، ثم نزل تحريم الخمر تحريما مؤبدا، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} هذه الآية التي معنا منسوخة، وذلك لأن الله عز وجل أراد أن يبعد الناس عن الخمر فأمرهم بأن لا يقربوا شرب الخمر إلا في أوقات طويلة، يعني بعد صلاة العشاء؛ حتى لا يأتي إلى الصلاة إلا وقد حضر القلب، ومن ثم فإن فيه تضييقاً لشربهم الخمر، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} {وَلَا جُنُبًا} يعني ولا تقربوا الصلاة حالة كونكم جنباً، {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} يعني إذا كنتم مسافرين {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} إذن هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} يعني الصلاة المعروفة، وإذًا لا تقربوا الصلاة حالة كونكم جنبا إلا إذا كنتم مسافرين حتى تغتسلوا، وقول آخر يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} يعني مواضع الصلاة، وهي المساجد لا تقربوها {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} وأيضا لا تقربوا وأنتم جنب لا تقربوا المساجد، ولا تمكثوا فيها إلا أن تمروا بها مرورا، {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} يعني أنكم تعبرون المسجد، {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} {الْغَائِطِ} هو المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو المكان المنخفض، ولذلك أتى الأسلوب قال {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} الملامسة هنا على الصحيح يعني الجماع، إذا جامعتم النساء، {لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} في هذه الأحوال إذا لم تجدوا ماء، فما الذي يلزمكم؟ التيمم {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} يعني ما تصعَّد على وجه الأرض من تراب ونحوه، {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} يعني ضربة واحدة، كما جاءت بذلك السنة ضربة واحدة، ثم يمسح الوجه، ثم يمسح الكفين الأيمن والأيسر، {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} فامسحوا {طَيِّبًا} يعني أنه يكون طاهرا طيباً، {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا} يعني يتجاوز، وغفور يعني يسر الذنب؛ لأن الإنسان قد يحصل منه تقصير في مثل هذه الأمور {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.