تفسير سورة النساء ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 58 ) حتى الآية( 70 )الدرس(25)

تفسير سورة النساء ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 58 ) حتى الآية( 70 )الدرس(25)

مشاهدات: 1134

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة النساء

الدرس ( 25)

من الآية ( 58 ) حتى الآية ( 70 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) }

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} يعني إلى أصحابها، {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} وهذا شامل لكل من حكم بين قبيلتين، أو بين شخصين، أو بين جماعتين، {أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} يعني ما أمركم به مما سبق فهو نعم الحكم، {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)}

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} أولاة الأمر يشمل الأمراء الذين هم أئمة التنفيذ، ويشمل العلماء الذين هم أئمة التبيين، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} يعني اختلفتم {فِي شَيْءٍ} نكَّره، يعني أي شيء تنازعتم فيه، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وذلك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد وفاته يرد هذا الأمر إلى سنته، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} وهذا حثٌّ لهم على الرد إلى الكتاب وإلى السنة متى ما حصل تنازع، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}  {ذَلِكَ خَيْرٌ} لكم في الدنيا وفي الآخرة، {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} يعني أحسن عاقبة ومآلا لكم.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)}

 {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} وهم أهل النفاق، وهذه الآية نزلت بسبب أن هناك خصومة بين يهودي، وبين منافق، فقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه بأنهم يأخذون الرشوة، وأن اليهودي قال: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه يعلم أنه لا يأخذ الرشوة، فأنكر الله عز وجل على هذا المنافق، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} يعني من الكتب السابقة، {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} والطاغوت هو كل ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ، أو القول الآخر وهو ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع، وهذا أشمل، {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} كما فعل هذا المنافق أراد أن يتحاكم إلى اليهودي، {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أن يكفروا بالطاغوت، {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} يعني عميقا في الضلالة.

 {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا} يعني هؤلاء المنافقون، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ} يعرضون عنك {صُدُودًا} وأكده من باب أنهم لا يقبلون عليك يا محمد، {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}.

 {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ} أي ما حالهم {إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بسبب أعمالهم {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا} يعني ما أردنا التحاكم إلى اليهودي {إِلَّا إِحْسَانًا} بين المتخاصمين {إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} يعني توفيقا بين المتخاصمين {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}.

 {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} مثل هؤلاء يُغلَظ عليهم الأمر {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} يعني قولاً يصل إلى أعماق قلوبهم.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)}

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} هذا هو الواجب على الناس متى ما أتى الرسول أن يطيعوه {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بذنوب {جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} استغفر لهم الرسول في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وأما بعد وفاته فلا يجوز لأحد أن يأتي إلى قبره ويقول يا رسول الله استغفر لي، هذا مخالف للتوحيد، ولذلك ماذا قال عز وجل {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ} لم يقل “إذا” [إذ] للماضي يعني في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}.

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}

 {فَلَا وَرَبِّكَ} {فَلَا وَرَبِّكَ} هنا قسم {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} يعني فيما حصل بينهم من اختلاف، {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} يعني ضيقا وشكا {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} يعني أنهم ينقادون لحكمك تمام الانقياد.

{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)}

 {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} ما يفعل ذلك إلا أهل الإيمان، لكن الله عز وجل رحمهم، فلم يأمرهم بهذه الأشياء، {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} مما أمر الله عز وجل به {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} في الدنيا والآخرة {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} يعني هذا يثبتهم على الدين، العمل بالدين يثبتهم، وهذا سبب يثبتهم ويبقيهم على الدين.

 {وَإِذًا} لو فعلوا ما أمروا به {وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)}.

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)}

 {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} بنعمة الدين {مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} والصديق هو المبالغ في الصدق، الذي بلغ في الصدق منتهاه، {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ} الذين قتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، {وَالصَّالِحِينَ} الذين قاموا بحق الله، وقاموا بحق المخلوقين {مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} ما أحسن رفقة هؤلاء. {ذَلِكَ الْفَضْلُ} أي ما مضى من نعمة التوفيق للدين ومصاحبة هؤلاء {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} فهو عليم بمن يستحق هذا التوفيق، وهو عليم عز وجل بمن لا يستحقه، فيصيبه الخذلان، ونكمل إن شاء الله غداً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.