تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 84 ) حتى الآية ( 96 ) الدرس (52)

تفسير سورة الأنعام ( التفسير الوجيز ) من الآية ( 84 ) حتى الآية ( 96 ) الدرس (52)

مشاهدات: 965

التفسير الوجيز ـ تفسير سورة الأنعام

الدرس ( 52 )

من الأية ( 84 ) حتى الآية ( 96 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ:  زيد بن مسفر البحري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد…

فكنا قد توقفنا عند تفسير قول الله تعإلى:

{وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإسماعيل وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)}

{وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ} الله عز وجل لما ذكر قصة إبراهيم مع قومه، وقال في آخرها {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)} قال {وَوَهَبْنَا لَهُ} أي لإبراهيم {إسحاق وَيَعْقُوبَ} إسحاق ابنه من صلبه، يعقوب هو حفيد له، قال تعالى {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} {وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ} وهذا يدل على أن أبناء الأبناء والأحفاد أنهم هبة من الله عز وجل للجد، {وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا} {كُلًّا} يعني من إسحاق ويعقوب {هَدَيْنَا} {وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} من قبل إبراهيم؛ لأنه أسبق من حيث الزمن من إبراهيم، {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} أي ذرية نوح، أو ذرية إبراهيم، قيل بهذا، وقيل بهذا، والذي يظهر من أن السياق من أول القصة في إبراهيم، إذًا الأقرب إبراهيم، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} يعني إبراهيم على القول الذي رجح، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يعني كما جزينا إبراهيم، وهؤلاء الأنبياء نجزي المحسنين من الأمة، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإسماعيل} إسماعيل بن إبراهيم {وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا} يعني كلا من هؤلاء الأنبياء {فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} {وَمِنْ آَبَائِهِمْ} أي هؤلاء الرسل السابقون {وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} يعني الأبناء {وَإِخْوَانِهِمْ} {وَمِنْ} من هنا للتبعيض، وليس الكل؛ لأن أبا إبراهيم كافر، وابن نوح كافر، {وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} يعني اصطفيناهم {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} لا اعوجاج فيه، {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا} من باب الافتراض مع علو منزلتهم {لَحَبِطَ عَنْهُمْ} أي لبطل عنهم {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فما ظنكم أنتم أيها الكفار، {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ} أي السابقون من الأنبياء {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} يعني الكتب {أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ} الفصل في القضاء {وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} يكفر بالنبوة {هَؤُلَاءِ} كفار قريش {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} وهم الأنصار والمهاجرون {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} من الأنبياء السابقين {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ} يا محمد {اقْتَدِهِ} يعني اقتد بهم فيما لا يخالف الشرع الذي جئت به، فشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه، {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ} يا محمد لقومك {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} لا أسألكم عليه عوضا دنيويا في تبليغي للرسالة {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ} يعني القرآن {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى} تذكرة {لِلْعَالَمِينَ} لجميع الخلق.

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)}

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ما عظموا الله حق تعظيمه، ومن ذلك أنهم أنكروا أن يرسل الله رسولا، فهو لم يعظم الله، فكيف يترك الله عز وجل هؤلاء البشر من غير رسول يبين لهم الأحكام؟! {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ} يا محمد لهؤلاء {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} يعني التوراة {الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} يعني في صحف {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا} أي تظهرون ما تريدون إظهاره {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} مما لا يلائمكم {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ} {قُلِ} يا محمد {اللَّهُ} يعني الذي أنزله يعني أنزل هذا القرآن {قُلِ اللَّهُ} يعني أنزل هذا القرآن {ثُمَّ ذَرْهُمْ} يعني اتركهم من باب التهديد، {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ} أي في أقوالهم الباطلة {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)}

 {وَهَذَا كِتَابٌ} لما ذكر التوراة بيَّن شرف القرآن {وَهَذَا كِتَابٌ} الذي هو القرآن، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} ومن بركته أنه يستشفى به، وإن الحرف الواحد منه إذا قرأه الإنسان بعشر حسنات إلى غير ذلك، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني يصدق الكتب السابقة التي تقدمته من التوراة والإنجيل والزبور، وما سوى ذلك، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ} يا محمد {أُمَّ الْقُرَى} يعني مكة {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} وهذا يدل على عموم رسالته؛ لأنه لم ينذر أم القرى وحدها، بل وما حولها {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} ولذلك قال تعإلى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} فهو مرسل لجميع الخلق الإنس والجن، فقال الله عز وجل هنا {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني بهذا القرآن {وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }

{وَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم من هذا الصنف، أو هؤلاء الأصناف {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} كمسيلمة، {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} كما قال بعض الكفار، {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ} يعني الكفار {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} يعني في سكرات الموت {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بالضرب يضربونهم {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} كما في سورة الأنفال {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بالضرب لهم يقولون لهم {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} فتخرج بقوة {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أي الهوان {بِمَا كُنْتُمْ} يعني بسبب {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} من الافتراءات والخوض واللعب {وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} فلا تقومون بها.

{وَلَقَدْ} ما مضى في سكرات الموت، حال فراقكم من هذه الدنيا، لكن في يوم القيامة بعد الموت إذا بعثتم، {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} كما أتيتم إلى هذه الدنيا حفاة عراة غر مختونين، {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ} يعني ما أعطيناكم من الدنيا {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} والذي يكون وراء الظهر يعتبر تافها؛ لأنه لا قيمة له في الآخرة مع أن له قيمة عندهم في الدنيا، {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ} من الأصنام، ومن غيرها التي تقولون إنها ستشفع لكم يوم القيامة، {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} يعني كل سبب من قرابة، أو مال، أو ما شابه ذلك انقطع بك، فلا تنتفعون به، {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ} يعني غاب عنكم {مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ما تزعمونه من الكذب من أن الاصنام، أو ما شابهها تنفعكم يوم القيامة {وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.

{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)}

 {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} {فَالِقُ} يعني شاق يشق {الْحَبِّ وَالنَّوَى}، {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} نواة التمر، ونواة الأشجار الأخرى {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} هذه الحبة يخرج منها عز وجل السنبل، ويخرج من هذه النواة نواة التمر النخلة، وهذا يدل على ماذا؟ على عظيم قدرة الله عز وجل، يعني حبة لو أتيت بسكين أو ما شابه ذلك؛ لتضربها في الأرض، لما ذهبت في الأرض، لكن هذه الحبة يحفر لها حفرة، ثم توضع، ثم إذا بها في السفل تتجذر، لها جذور عظيمة، ثم أيضا هي ترتفع حتى تصبح نخلة، أو تصبح شجرة، ما يفعل هذه إلا الله عز وجل، فأين عقولكم؟! {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} يخرج هذه الحبة من هذا السنبل، والنواة من هذه النخلة {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ} ذلكم الذي فعل هذه الأشياء {ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي كيف تصرفون عن الحق، وعن قبوله؟!

 {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} كما هو فالق الحبة {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} يعني شاق الإصباح بمعنى أن الصبح يأتي بعد الظلمة، فيشق الصبح ظلمة الليل، {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} تسكنون فيه {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} بحساب دقيق لا يتقدم أحدهما على الآخر {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.

 وللحديث إن شاء الله تتمة، وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد.