الشيخ زيد البحري تقريب شرح السنة لعامة الأمة ـ صحيح البخاري ـ حديث ( 50 ) ـ الدرس (17)

الشيخ زيد البحري تقريب شرح السنة لعامة الأمة ـ صحيح البخاري ـ حديث ( 50 ) ـ الدرس (17)

مشاهدات: 151

 بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ زيد البحري

تقريب شرح السنة لعامة الأمة

 ـ صحيح البخاري ـ حديث (50) ـ

الدرس السابع عشر

17/4/1446 هـ

(٣٧) – بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ

وَبَيَانِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – لَهُ، ثُمَّ قَالَ: “جَاءَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ”؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: ٨٥]

(٥٠ – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رجل فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: “الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ”. قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: “الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ”. قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: “مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ”. ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية [لقمان: ٣٤]. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: “رُدُّوهُ”. فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: “هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين أما بعد:

فقد ذكر الإمام البخاري في كتاب الإيمان فقال:

(بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – لَهُ) فالسؤال أتى من جبريل عن هذه الأشياء المذكورة، فالإيمان والإسلام والإحسان هذه تسمى بمراتب الدين، فمراتب الدين ثلاثة: إسلام، وإيمان، وإحسان

ومن ضمن ما سُئل عنه هنا في هذا الحديث (وَعِلْمِ السَّاعَةِ)

 قال: (وَبَيَانِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – لَهُ) قد يُعترض على هذا فهو لم يبين السؤال عن الساعة، فالجواب أن المقصود بالبيان هنا، بيان معظم الشيء فأكثر الشيء يطلق عليه في اللغة الكل، والأولى أن يقال من أنه بيَّن عليه الصلاة والسلام كل شيء، وأما ما يتعلق بالساعة فإنه بيَّن عليه الصلاة والسلام أن علمها عند الله، فهذا بيان لها

(ثُمَّ قَالَ) يعني عليه الصلاة والسلام

(“جَاءَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ”) وهذه الجملة ستأتي من ضمن الحديث ونتحدث عنها بإذن الله

قال البخاري رحمه الله: (فَجَعَلَ ذَلِكَ) ما هو؟

المسئول عنه في الحديث

(فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا) إذًا من أراد الدين بمعرفة كُلِّياته وأحكامه وعقائده وكل شيء فيه، فعليه بهذا الحديث، ولذلك هذا الحديث أصل جامع لكل ما يُسأل عنه في أمور الدين

(وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ) هو رحمه الله كما سبق يرى أن الإيمان هو الإسلام فهما مترادفان، فهو لما خشي أن يُعترَض عليه لأن الحديث فرق بين الإيمان وبين الإسلام، فأراد أن يقرر ماذا؟

من أن الإسلام هو الإيمان كيف؟

لوفد عبد القيس كما سيأتي معنا لما سألوه عن الإيمان أجابهم بأركان الإسلام، وأضاف إلى ذلك وذكر الحديث أولًا لمَ؟

لأن الحديث واضح في أن الإسلام هو الإيمان، إذا جمع حديث وفد عبد القيس مع هذا الحديث يكون واضحًا؛ إذ فُسر الإيمان بأركان الإسلام، ثم أتى بالآية المبينة ماذا؟ ({وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: ٨٥]) في الآية توضيح من أن الإسلام هو الدين، وفي هذا الحديث قال: (“جَاءَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ”) لكن الصحيح لأن الإمام أحمد رحمة الله عليه وغيره يخالفون، فالقاعدة على الصواب من أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا؛ يعني إذا أتت كلمة الإسلام في النصوص الشرعية، فيدخل فيها الإيمان، وإذا أتت كلمة الإيمان في النصوص الشرعية، فيدخل فيها الإسلام

وإذا اجتمعا في نص، كان الإسلام للظاهر، والإيمان للباطن والدليل حديث جبريل.

 ثم ذكر البخاري رحمه الله حديث أبي هريرة:

 قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) وهو مسدد بن مسرهد البصري ثقة حافظ -مسدد لقب له، واسمه عبد الملك-

(قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البصري ثقة حافظ المعروف بابن عُلَيَّة، وهذا إشكال حقيقة مع أن المصنفين في بعض الأسانيد يذكرونه منسوبًا إلى عُلَيَّة، وقد قال كما ذكر الذهبي في الميزان: ” من قال: ابن علية فقد اغتابني” لكن ما الذي جعل هؤلاء وهم حفاظ وأئمة، ما الذي جعلهم يذكرونه منسوبًا إلى علية؟ المصلحة الشرعية، للتفريق بينه وبين غيره، فهو حافظ ومتقن، فللمصلحة الشرعية لم ينظروا إلى كلامه الذي قال: ” من قال: ابن علية فقد اغتابني” وعُلَيَّة قيل: هي أمه، وقيل: هي أم أمه، واختار ابن حجر كما في التهذيب اختار الثاني من أنها جدة له

ولذلك الأنسب يعني خروجًا من عهدة ما لا يرغب فيه أن يقال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الذي يكره أن يُقال: إنه ابن عُلَيَّة ولذلك لما قال سعيد بن المُسَيَّب: ” سيَّبَ اللهُ مَنْ سيَّبَنيْ” -هذا إن ثبت عنه- يعني سعيد بن المُسَيَّب يقول: لا تقولوا المُسيَّب وقولوا المُسيِّب، والأشهر الفتح، فللمصلحة الشرعية يُقدَّم ما أتت به المصلحة الشرعية.

ابن عُلَيَّة بالنسبة إليه هو كوفي من حيث الأصل، من حيث الأصل كوفي، وأحيانًا يقولون مثلا كوفي مدني أو مصري بصري، أو كوفي، لأنه انتقل

(أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ) وهو يحيي بن سعيد التيمي الكوفي ثقة عابد

(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) الكوفي قيل: اسمه عبد الله، وقيل: غير ذلك أيضًا من الثقات

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ) ليُعلم أن ما سأل عنه جبريل لم يُقْصَر فيه على ما ذكره أبو هريرة وقد جاء من حديث عمر في صحيح مسلم، وإنما لم يخرجه البخاري للاختلاف في بعض رواته، ومن ضمن ذلك أن بعضهم أسند الحديث إلى عمر من رواية ابنه عبد الله، وبعضهم جعله من مسند ابن عمر

الشاهد من هذا أريد بذلك أنه ورد من حديث عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وابن عباس وغيرهم، لكن لما أذكر -حتى ما نطيل- لأن المقصود هنا الاختصار فإذا قلت: في رواية؛ قد تكون رواية في حديث، وقد تكون رواية أُرِيدُ بها أنها رواية بقطع النظر عن الراوي -الصحابي-.

قال: (كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم –بَارِزًا) أي ظاهرًا

(يَوْمًا لِلنَّاسِ) والبروز هو الظهور، وهذا يدل على أن العالم يخصص بعض الأوقات لظهوره للناس، لإفادتهم، والبروز في هذا الزمن متيسر ولله الحمد، إما عن طريق الاتصال، أو عن طريق المشاهدة، أو من أي طريق ثان

ولذلك جاء في صحيح مسلم من أن مجيء جبريل بسبب ماذا؟

وهو أن النبي ﷺ قال: ” سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ “، فأتى جبريل وهذا يدل على أن الإنسان كلما كثر علمه، كلما هيب أكثر، وليس معنى ذلك الخوف أو الذعر لا، هيبة، ولذلك في قصة نسيانه عليه الصلاة والسلام، في قصة نقصانه من الصلاة لما قال ذو اليدين: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ ؟ ” “وَفِي النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ” مع عظم الصحبة والملازمة ألا أن الهيبة موجودة.

(كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم –بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ) وبروزه هنا من أن الرجل كما جاء في رواية: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ” أي مكانًا مرتفعًا ” فَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ ” وهذا يدل على أن العالم له أن يخصص مكانًا، وليكن مرتفعًا بحيث يبرز للناس ويظهر، فكان الآتي له قبل اتخاذ الدكان لا يعرف النبي عليه الصلاة والسلام، فبنوا له دكانًا وهذا يدل على ما يسمى عندنا بالدكة، الدكة مكان مرتفع من طين، فأتاه جبريل العجيب طبعا في حديث عمر يعني معظم ما يذكر هو حديث عمر

قالوا:  ” إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي “

(فَأَتَاهُ رجل) أنا عندي جبريل، على كل حال (فَأَتَاهُ رجل) وهو يعني الأوضح، (فَأَتَاهُ رجل) يعني هو جبريل، ولذلك ” إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي ”  وفي رواية: “شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعْرِ ما نَرى عليه أثرَ السَّفرِ، ولا يَعرفُه مِنَّا أحدٌ”

 وفي رواية: ” شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ” ، وفي رواية: ” أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا وَأَنْقَى النَّاسِ ثَوْبًا كَأَنَّ ثِيَابَهُ، لَمْ يُصِبْهَا دَنَسٌ ” وليس من أهل البلد كيف وفي ذلك الزمن؟

رائحة طيبة عطر، وشديد سواد الشعر واللحية إلى آخره مما ذكرنا، فهذا أمر مستغرب بالنسبة إليهم

(فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟) طبعا في رواية: ” فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا مُحَمَّدُ” حتى يُعمِّي يعني يزيد في تعمية أمره حتى لا يعرفه أحد، وهذه من طبيعة الأعراب

وفي رواية: “فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: أَأَدْنُو يَا رَسُولَ اللهِ؟” يعني أنه قال: ” يَا مُحَمَّدُ” تعمية لأمره، ثم قال: يا رسول الله “أأدنو” يعني أأقترب وفي رواية “قال: ادنه” فقرب من النبي عليه الصلاة والسلام، وفي رواية: ” حَتَّى وَرَّكَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ” وفي رواية: ” حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” وهذه تبين رواية:  “وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ” فخذي من؟ فخذي نفسه أم فخذي رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

فخذي رسول الله ﷺ وهذه تعمية أيضًا لحاله، لأن مثل هذا الأمر ما يفعله إلا من جفاة الأعراب، لكنه أراد عليه السلام أن يُعَمِّي أمره، وأن يخفي أمره

(فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟) كيف يقدم الإيمان على الإسلام؟

هنا اختصار أو تصرف من بعض الرواة، لأنه ورد تقديم الإسلام، ثم الإحسان، ثم الإيمان، فهناك تقديمات

إذًا لا يُنظَر إلى تقديم أحدهم على الآخر باعتبار أن هذا التصرف من تصرف الرواة

(فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: “الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله: الإيمان بتفرده بالربوبية والألوهية، وبما له من الأسماء والصفات التي تليق بجلاله وبعظمته،  وبوجوده وبما أخبر به عز وجل

(وَمَلَائِكَتِهِ) أين الكتب؟ موجودة في رواية: ” وَكُتُبِهِ”

(وَمَلَائِكَتِهِ) الإيمان بالملائكة على وجه الإجمال من أنهم موجودون، وأنهم عباد مكرمون وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، والإيمان بما ذُكر لنا من بعض أسمائهم وما أمروا به

(وَبِلِقَائِهِ) كيف وبلقائه؟

وقال بعد ذلك : (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ”) هل هو تكرار للتأكيد؟

 الصحيح أنه ليس بتكرار، لأن لقاءه هو خروج الإنسان من هذه الدنيا بعد أن يأتيه الموت، والبعث هو يوم القيامة

 ما الدليل على هذا؟

في رواية: “وبالْمَوتِ، وبِالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ المَوتِ” ومما يؤكد ذلك ورود رواية: “وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ ” وأيضًا تتضمن كلمة اللقيا تتضمن رؤية الله، فمُعتَقد أهل السنة والجماعة من أن الله يراه المؤمنون في عرصات القيامة، وفي الجنة، والنصوص كثيرة

ومن أدلة الرؤية اللقيا {فَمَن كانَ يَرجو لِقاءَ رَبِّهِ } [الكهف: ١١٠] يتضمن أنه يرى الله عز وجل.

(وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ) والرسل يدخل فيه من؟

النبيون نؤمن بهم على وجه الإجمال والتفصيل مَن علِمنا، ومن لم نعلم، وجاء في رواية: “وَالنَّبِيِّينَ” (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) لما فسر الإيمان قال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) أتى بالفعل (وَتُؤْمِنَ) مع البعث لمَ؟

تأكيدًا على أهميته مع أن ما مضى مهم، لكن لكثرة منكريه مما ذُكر في القرآن من كفار قريش أتى بالفعل، ولذلك هنا أركان الإيمان ستة، أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، أين القدر؟

في رواية: “وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ” وأعاد الفعل مع القدر.

 سبحان الله هذا يدل على أنه سيقع إنكارٌ للقدر وإنكارٌ مستمر مع تفاوت الأزمنة،

ولذلك أول ما وقع إنكارُ القدر كما في صحيح مسلم من معبد الجُهني فأتوا ابن عمر وسألوه قال: “الذي يَحْلِفُ به عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ لو أنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فأنْفَقَهُ ما قَبِلَ اللَّهُ منه حتَّى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ” ولذلك إنكار القدر قد يسري في بعض الأزمنة وينتشر ويختفي، فلا عجب أن ترى في مثل هذا الزمن من ينكر القدر.

“وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِه وَشَرِّه” وفي رواية: “حُلْوِهِ وَمُرِّهِ” ثم قال: “مِنَ اللَّهِ” وإذا كان من الله، فإنه خير كله، وإن كنا نرى من أن الشر الذي لا يوافقنا ولا يلائمنا من أنه شر لكن في عواقبه الخير في الدنيا وفي الآخرة، ولو لم يكن من عواقبه وآثاره إلا الأجر لكفى، لكن لقصور فهمنا وعلمنا وضعف إيماننا قد يخرج الإنسان من هذا إلى سُخْطٍ وجَزَع، وسيأتي له حديث إن شاء الله تعالى.

(قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: “الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) أليست الصلاة والزكاة والصوم المذكورة هنا من العبادة؟

بلى، يعني هل ما ذكر من باب عطف الخاص على العام؟

في رواية: “فسر الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله” فدل على أن المقصود من العبادة هنا: التوحيد (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) يعني الشهادتين بدليل أنه قال بعدها لما أمر بالعبادة التي هي التوحيد نهى عن الشرك (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ) كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] سبحان الله هذا يدل على أن التوحيد لا بد فيه من إفراد العبادة لله عز وجل، ولذلك كفار قريش لما علموا أن لا إله إلا الله مقتضاها أن تكون العبادة كلها لله ما قالوها، وإلا هي كلمة، فدل على أن من قال: إنني موحد ولم يعبد الله، فهو كاذب في توحيده.

(قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) الأكثر طبعا أتى بالفعل مع أن المصدرية لأنها تدل على الزمن، الزمن في المستقبل، يعني مع أنه ورد في رواية شهادة بالمصدر “شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ” لكن لو تأملتم في هذا الحديث، وفي الأحاديث الأخرى حديث عمر أو حديث غيره تجدون وجود الفعل مع أن المصدرية لمَ؟

يعني أن هذا الإيمان، وأن هذه العبادة يجب أن تكون في حاضرك وفي مستقبلك، وهذا يدل على ماذا؟

يدل على أن الموفق من حسنت عبادته إلى أن يتوفاه الله.

(الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) في رواية: “وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ” كما قال عز وجل: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] ولذلك لما ذكر الزكاة قال: المفروضة

(وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) أي الواجبة من باب التفنن في العبارة، وإلا فالفرض هو المكتوب.

(وَتَصُومَ رَمَضَانَ”) أين الحج؟ كما قلت الحديث هذا اختصره بعض الرواة، ورد في رواية “وَتَحُجَّ الْبَيْتِ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”.

(قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟) والإحسان هو الإتقان من حيث المعنى هو الإتقان، ومن أتقن فقد أحسن وأخلص حتى إن بعض العلماء يفسر الإحسان هو الإخلاص، لكن الذي يظهر أن ثمرة الإخلاص الإحسان، فمن أخلص أحسن وكذلك من أحسن أخلص كلاهما متلازمان.

(قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”) لما فسر الإيمان ذكر ستة أصول من هذا الحديث ومن غيره، ولما فسر الإسلام ذكر خمسة أركان من هذا الحديث ومن غيره، وأُسقط من هذا الحديث فيما يتعلق بالإيمان الإيمان بالقدر، وفيما يتعلق بالإسلام الحج.

الإحسان ركن واحد، هذا الركن مكون من مرتبتين أو من درجتين إحداهما أعلى من الأخرى، الأولى أن تعبد الله كأنك تراه، أن تعبد الله كأنك تراه، كأنك تراه بقلبك، فإذا عَظُم الإيمان في القلب، فكأنه يرى الله عز وجل، وإلا فالله لا يُرى في الدنيا كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا” فدل هذا على أن الرؤية هنا رؤية قلبية، كما قال أنس بن النضر “يَا سعد إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ مِنْ دُونِ أُحُدٍ ” وجدها بقلبه.

ولذلك مما يؤكد هذا حتى لا تذهب العقول مذاهب أخرى، أو ترد الأسئلة في رواية مسلم لما سأله عن الإحسان قال: “أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ” والخشية أين؟ في القلب، وهي متضمنة للعلم، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] فإذا عظم علم التوحيد في قلب الإنسان بما له عز وجل من الأسماء والصفات، وأنه هو الحي، وأنه هو المدبر، وأنه في قبضة الله….

(قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ) إذا لم تصل لهذه الدرجة

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”) يعني راقبه فهو يراك، إذا أنت لم تصل إلى هذه الدرجة أن تعبد الله وأن تخشى الله كأنك تراه فاستشعر أنه يراك ويراقبك من أجل أن يَحسُن عملك لأن الحديث عن الإحسان

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”) ما أجهل وقبح الصوفية لجهلهم بالنصوص الشرعية ولسفاهة عقولهم، ولجهلهم باللغة العربية

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”) يعني الصوفية ماذا يقولون؟

[فإن لم تكن] يعني لم تصر شيئا فنِيتَ وكأنك غير موجود، حينها ستصل أنك ترى الله، لأنهم عندهم ما يسمى بالفناء يعني كأنه غير موجود (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أي صرت غير موجود النتيجة عندهم: (فَإِنَّهُ يَرَاكَ”) !!

أولًا لو كان كما قالوا لكان النطق في اللغة العربية، فإن لم تكن ترَ، يُجزَم فيُحذَف حرف العلة الألف، ولذلك لم يأتِ في الروايات أبدا [ترَ] حتى من يُجوِّز إبقاء حرف العلة عند أهل اللغة في حالة الجزم إنما يقولونه عند الضرورة ولا ضرورة، ويبطل كلامهم رواية مسلم: ” فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ” ليس فيها تكن، النفي هنا منصب على الكينونة، في رواية مسلم النفي منصب على الرؤية ” فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ” ثم لو قيل بكلامهم [ فإن لم تكن ترَ] على كلامهم، تكون جملة [فإنه يراك]

 ما لها معنى!!

 تُربط بأي جملة؟ بالجملة السابقة أم بالجملة اللاحقة، فانظروا سبحان الله الذي لا يمشي على النصوص الشرعية يصيبه الخبل والخلل في عقله وفي قلبه.

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”) في رواية في كل الأسئلة السابقة لما سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان كان يقول جبريل: ” قَالَ : صَدَقْتَ. قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ” والعجب منهم لأنهم يعلمون أن مثل هذا العلم ما يمكن أن يأتي من رجل بهذا الجفاء، مع النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هذا العلم يؤخذ من النبي عليه الصلاة والسلام.

ولذلك في رواية كانوا يقولون: “انْظُرُوا هُوَ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، كَأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ”

(قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟) قال: متى الساعة من خلال تأملي لماذا ذكر جبريل الساعة بعد تلك الأسئلة الإيمان والإسلام والإحسان؟

ذكرها لبيان أن من أراد النجاة في يوم الساعة، فعليه بما مضى، ومن لم يأتِ بما مضى أو فرط فيها، فالويل له في الساعة.

(قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟) هنا لا بد من حذف متى وقت الساعة، وجاءت به الرواية أيضًا.

(قَالَ عليه الصلاة والسلام: “مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ) وأتى بالباء في أعلم لتأكيد النفي (بِأَعْلَم مِنَ السَّائِلِ) لم يقل أنا لست أعلم منك بها، لأن المسئول هو النبي عليه الصلاة والسلام، والسائل هو جبريل من أجل أن يغلق الباب، فلا أحد يستطيع من المخلوقين أن يعرف متى تقوم الساعة، لا المسئول ولا السائل في أي مكان وفي أي زمان مهما كان هذا المخلوق من العلم ما يكون، ومهما كان هذا المخلوق من الله من حيث القرب والمكانة.

إذًا قال: (“مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) ولذلك على المسلم أن يبحث وأن يسأل عن العلم الذي ينتفع منه في عبادته، ولذلك لما كثر السؤال في القرآن {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} [النازعات:42] أتى هنا قال: (“مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) سبحان الله!!

 النبي عليه الصلاة والسلام هو لم يعرفه، ولذلك يقول: ” مَا جَاءَنِى قَطُّ إِلَاّ وَأَنَا أَعْرِفُهُ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ” ما خفي علي إلا هذه المرة مع ما مضى من تلك الأسئلة، ومع جفائه، ومع وضع يديه على ركبتي وفخذي النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أنه تحمَّل عليه الصلاة والسلام في أسئلته لأن أسئلته كانت مهمة، نعم!

بعض الأسئلة مهمة، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رِفاعة عند مسلم لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يخطب أتاه فقال:” يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ” أمر خطير، سؤال لا بد أن يجاب عنه ” قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا قَالَ فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا ” ولذلك كان يأتيه بعض القوم والمؤذن قد أقام، فيأتيه السائل لعظم السؤال، فيسأله حتى إن القوم يصيبهم النعاس، لكن بعض الأسئلة ما كان يلتفت لها النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي معنا عليه الصلاة والسلام لما كان يُحَدِّث أصحابه أتاه رجل فقال: “مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقالَ بَعْضُ القَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قالَ: «أيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قال: هَا أنا يَا رسُولَ اللهِ. قال: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»”

فقال: (مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ “مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) وكلمة بأعلم ليس فيما يتعلق بالساعة، لكن من حيث الأسئلة يدل على أن الناس يتفاوتون في العلم، ولذلك قال عز وجل: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]، وقال عز جل: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام:83] أي بالعلم.

(قَالَ “مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) وفي هذا تواضع النبي ﷺ من أنه لم يجب بما لم يعلم، فليت من في هذا الزمن ينتفع من أنه إذا سُئِل عن شيء يجهله وهو من أهل العلم أن يقول: لا أعلم، وأقول لو كان من أهل العلم ما تجرأ، لكن في الغالب أن أمثال هؤلاء يتلبسون بلباس أهل العلم.

قال: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) في رواية قال جبريل: “فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَشْرَاطِهَا” وليس ثمة تعارض، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا فقال جبريل: أخبرني عن أشراطها، وفي رواية: “لَهَا عَلَامَاتٌ” فدل هذا على أن معنى الأشراط هنا العلامات، فذكر عليه الصلاة والسلام علامتين، مع أنه قال: وسأخبرك عن أشراطها، فهل أقل الجمع اثنان؟

يُستدل بظاهر هذا على هذا، والصحيح أن أقل الجمع ثلاثة، أما هذا الحديث فقد اُختُصِر فيه، فهناك ثالثة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: ” وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ وَالْعُرَاةَ مُلُوكَ الْأَرْضِ” وفي رواية “إذا رَأَيْتَ الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوكَ الأرْضِ” والصم البكم لأنهم لم ينتفعوا من هذه الحواس في طاعة الله عز وجل.

فقال هنا: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا) المذكور هنا من العلامات هي العلامات المألوفة التي لا تُستنكر، ولم يذكر العلامات التي هي غير مألوفة، كطلوع الشمس من مغربها، فذكر هنا العلامات الصغرى

قال: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا) وفي رواية: “رَبَّتَهَا” وفي رواية: “بَعْلَهَا ” يعني زوجها وقال: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا) خلاف بين أهل العلم ما معنى ذلك؟

قيل: أنه يكثر السبي فإذا بالمسلم يطأ أمته، فتلد منه، فهذا المولود يكون سيدًا لها، لكن يُشكِل عليه أنه قال: ” إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا ” فتُحْمَل على أن البعل

بمعنى المالك، وقيل: من أن الرجل يكون من أَمَةٍ وتسبى أو تباع، ثم يكون غنيًا أو ملكًا فيشتري أُمَّهُ من حيث لا يشعر، أو مع ضعف الدين في آخر الزمن أنه ولو كان يشعر، فزوجها من؟

الذي ولدته، لكن السبي والإماء إنما هو في أول الأمة، والحديث هنا عن آخر الزمن، ولذلك أظهر ما قيل: هو ما استصوبه ابن حجر رحمه الله من أن الدين يضعف في آخر الزمن، فإذا بالأم عند ولدها بمنزلة الأمة عند سيدها من حيث إهانتها وعدم احترامها لأن الزمن تغير، فيكثر العقوق، وبالتالي يكون رواية مسلم أن تلد بعلها يعني مالكها، لأن البعل يملك منافع المرأة من حيث الجملة.

(إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا) إذا ولدت الأمة ربها قال هنا: ربها، مع أنه قال عليه الصلاة والسلام: “لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وضِّئْ رَبَّكَ” يعني سيدك فالجواب عن هذا من أن النهي عن كلمة الرب إنما هو من باب الكراهة، ولذلك قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل: { اذكُرني عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: ٤٢] فأراد عليه الصلاة والسلام هنا بذكر  كلمة ربها ولم يقل سيدها من أجل تَمَكُّن هذا الشخص -سواء ربها أو ربتها ذكر أو أنثى- تمكنه من ماذا؟ من الملكية على الأقوال السابقة، أو بمثابة عظم العقوق، فيكون من باب المبالغة.

الثانية:(وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ) إذا تطاول: التطاول هو التعالي والتفاخر وهذا من تغير الأحوال.

(وَإِذَا تَطَاوَلَ) يقول القرطبي رحمه الله يقول: ومن نظر في زماننا وجد أن هذه العلامة قد تحققت، فعظم أمر أهل البادية في التفاخر في البنيان وفي رفعه هذا في زمن القرطبي، ولذلك في رواية لما سئل من هؤلاء؟

قال: العُرَيب بالتصغير يعني أهل البادية.

(وَإِذَا تَطَاوَلَ) وهذا لا شك أنه ذم؛ يعني سواء كان من أهل البادية أو من غيرهم، ولذلك جاء في رواية:” إذا تطاول الناس” فدل هذا على أن التطاول والتفاخر في البنيان في آخر الزمن سيقع من جميع الناس، وأفظع ما يكون من التفاخر والتطاول من أهل البادية -الانشغال بالدنيا عن الدين- وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام لما مر على بعض الصحابة وهو يصلح جدارًا أو بيتا له، قال: “الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ” فما يكون من تطاول إلا لأن الاهتمام بأمر الآخرة ضعف، والاهتمام بأمر الدنيا عَظُم

(وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ) إذا قلنا: رعاة الإبل البهم، فالبُهم صفة للرعاة، والبُهم يعني السود لأن العرب يغلب عليهم الأُدمة، وقيل: البهم من الشيء المبهم يعني من لا يعرف له نسب وهذا لو كان، لكان صادقًا على الرعاة، لا على ملاك الإبل، وأيضًا يكون معنى البهم يعني أنهم ليس معهم شيء من المال، هذا يؤيد أن المقصود من؟

الرعاة وليس المقصود من يملك الإبل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ” يَحْشُرُ اللَّه عز وجل النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُراةً غُرْلًا بُهْمًا ” يعني ليس معهم شيء، فإذًا كلمة البهم هي صفة للرعاة.

 هل السادة والأثرياء والأغنياء يرعون بأنفسهم؟ الجواب: لا، فدل على أن الأقرب من أن البهم وصف للرعاة الذين هم خدام لأصحاب الإبل.

(وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ) قُرئت وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمِ: البُهْمِ صفة للإبل يعني رعاة الإبل السود، والسود ليست في قيمتها كالحمر “فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم” (فِي البُنْيَانِ)

ثم قال: (فِي خَمْسٍ) أي في جملة خمس كما قال عز وجل: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل: 12] يعني في جملة تسع (فِي خَمْسٍ) يعني أن الساعة من ضمن خمسة أمور لا يعلم بها إلا الله

قال: (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ”) ثم استدل على أن الساعة لا يُعرَفُ متى وقتها لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه ({إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية [لقمان:34]) يعني أكمل الآية، وقد ورد في آية قراءتها إلى قوله: {خَبِيرٌ} [لقمان:34].

{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} واحدة {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الثانية

 {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} الثالثة {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} رابعة

{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} خمس. ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]

(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرجل يعني انصرف

(فَقَالَ )عليه الصلاة والسلام: (“رُدُّوهُ”. فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) ولذلك في رواية: ” ثُمَّ انْصَرَفَ فَالتَفَتَ النَّبىُّ ﷺ لطلب الرَّجُلِ، فلَمْ يَقْدِر عَلَيْه”

(فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: “هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) قال هذا جبريل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ” مَا جَاءَنِى قَطُّ إِلَاّ وَأَنَا أَعْرِفُهُ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ” لكن يشكل عليه ما جاء عند النسائي من أنه جبريل جاء في صورة دحية

قال ابن حجر رحمه الله: هذا وهم، لأن دحية معروف لديهم، لكن إسناده صحيح، فيمكن أن يُجاب عنها من أنه أتى في صورة دحية لكن في صورة خفية فيما يتعلق بصفاتٍ لدحية، أخفى شيء من صفاته فلم يدروا من هو.

(“هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ ) هو ما عَلَّم هو سأل، دل هذا على أن حسن السؤال نصف العلم، وأن العلم يؤخذ عن طريق السؤال هل جبريل علمهم؟

الجواب: لا، سأل فقط، ولذلك قيل لابن عباس: كيف أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول.

 (“هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ ) ماذا؟

(دِينَهُمْ) ما هو هذا الدين؟

مراتب الدين التي ذُكِرَت في هذا الحديث، الإسلام والإيمان والإحسان، ولذلك في رواية قال عليه الصلاة والسلام: “هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لَيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ، خُذُوا عَنْهُ” فهو إرشاد منه عليه الصلاة والسلام لمن لديه علم أن يقول لطلابه خذوا عن فلان، إذا كان عالمًا، وقد فعلت ذلك عائشة رضي الله عنها لما قَدِمَ عبد الله بن عمرو بن العاص قالت لعروة: “يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ فَالْقَهُ فَسَائِلْهُ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا ” فيُنصَح -نصيحة للدين وللمسلمين- يُنصح بأخذ العلم، لكن عمن هو ثقة في علمه وفي ديانته ليس لكل أحد، يعني أنت لو سألتني وأنت تعلم الجواب، فأجبتك من أجل أن تفيد غيرك، فأنت ممن علَّمته ولست أنا.

في رواية قال عمر رضي الله عنه: ” فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ” هو عليه الصلاة والسلام قال: “رُدُّوهُ ” في رواية قال عمر: ” فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا ” يعني تأخر جواب النبي عليه الصلاة والسلام لعمر، فبعضهم قال: إن بها تصحيف لأن الميم صُغِّرَت فأصبحت كأنها ثلاثًا، لكنه ورد: ” فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ” فدل هذا على أنهم لما طلبوه أخبرهم عليه الصلاة والسلام في وقتها، وعمر انصرف لأمر ما، فلم يقابل النبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد ثلاث فأخبره وهذا يدل على ماذا؟

يدل على أن جبريل كما حرص على أن يعلم الصحابة رضي الله عنهم، كذلك حرص النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم عمر لما لم يره ولو بعد أيام.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) من؟ يعني البخاري (جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) يعني من الدين لأنه يرى أن الإسلام والإيمان واحد وأنهما دين.