بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ زيد البحري
تقريب شرح السنة لعامة الأمة
ـ صحيح البخاري ـ حديث (57 ـ 58) ـ
الدرس الحادي والعشرون
21/4/1446 هـ
(٤٢) – باب: قَوْلِ النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم -: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ لله وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ” وَقَوْلهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}
٥٧ – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَني قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم – عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
ثم ذكر رحمه الله بابًا فقال:
(باب: قَوْلِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ لله وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”) أورد هذا الباب لبيان أنه أراد من هذا التصنيف أن ينصح للأمة وقد نصح رحمة الله عليه
فقال: (باب: قَوْلِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ) هذا الحديث ليس على شرط البخاري ولذلك لم يخرجه هو عند مسلم
(“الدِّينُ النَّصِيحَةُ”) لفظه عند مسلم قال عليه الصلاة والسلام: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ” أوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام الدين النصيحة، لكن هم لما سألوا “قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِعَامَّتِهِمْ”، فكونه يقول: الدين النصيحة كم كلمة؟
كلمتان، فقد تضمنت كل شيء، لكن لما أرادوا توضيحها وضحها لهم، الدين النصيحة إما أن يكون المعنى معظم الدين النصيحة كقوله عليه الصلاة والسلام: “الْحَجُّ عَرَفَةَ” لكن الذي يظهر لي من أنها أي النصيحة هي الدين كله، ما دليلنا؟
لما سألوه “قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِعَامَّتِهِمْ” الدين النصيحة والنصيحة من حيث الاشتقاق المعنوي يعني لها اشتقاقات تقول العرب: نصحت العسل نقيته وصفيته
إذًا لا بد من الإخلاص والصفاء في دينك، وأيضًا مأخوذ من المِنْصَحَة ما هي المِنْصَحَة؟
الإبرة ولذلك يسمى الخيط بالنصاح والخياط بالنَّاصِح، يعني إذا مررت على خياط قل يا أيها النَّاصِحُ كيف؟
لأنها ترقع الخلل أو الفتوق التي في الثوب، ولذلك لماذا سميت التوبة بالنصوح في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم:8] لأن الذنب يخرق دين الإنسان، والتوبة ترقعه
ولذلك سميت التوبة بالنصوح لأنها تنصح صاحبها إذا كانت كاملة الشروط، تنصح صاحبها عن الذنب حتى لا يعود إليه مرة أخرى، انظروا سبحان الله عبارة منه عليه الصلاة والسلام من كلمتين يعني من العجب
ما هي النصيحة لله عز وجل؟
النصيحة لله عز وجل وصفه بما يليق به، مما ذكره في كتابه أو ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته، فنثبت ما أثبته، وننفي ما نفاه، ونسكت عما سكت عنه، هذه من ضمن النصيحة لله عز وجل، أيضًا الخضوع له ظاهرًا وباطنًا، فعل ما يحب وترك ما يكره، وأيضًا حفظ دينه في مجاهدة أعدائه “لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ ” النصيحة لكتاب الله أن يُتعلم ويُعَلِّم ويُتدبر ويُتحاكم إليه، ويُستشفى به، ويعمل بما فيه، ويذب عنه.
“وَلِرَسُولِهِ” النصيحة للنبي عليه الصلاة والسلام أن يُنصر حيًا في حياته وفي مماته، وأن تنصر سنته عليه الصلاة والسلام، وأن تحفظ وأن يذب عن سنته، وعن أن يؤتى ببدع لم يشرعها عليه الصلاة والسلام، والاقتداء بأقواله وأفعاله صلوات ربي وسلامه عليه.
“وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ” إعانتهم على ما تحملوا من أعباء، وأيضًا جمع الناس عليهم والذب عنهم وإحسان الظن بهم، لأنهم يقومون بشئون الأمة.
“وَلِعَامَّتِهِمْ” النصح للعامة أن يُعلَّموا الدين وأن يُحب لهم ما يُحب للنفس، ويُكره لهم ما يُكره للنفس، وكف الأذى عنهم.
ماذا بعد هذا صلوات ربي وسلامه عليه؟
أما ما يُروى ويذكر من حديث منسوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام:
[الدين المعاملة] فلا يصح.
(وَقَوْلهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}) البخاري كما أنه عميق الفهم في الأحاديث حتى في القرآن انظروا كيف أتى بهذه الآية التي هي توافق الحديث، إذا نصحوا لله ورسوله قلنا لمن؟
قال: لله ولكتابه ولرسوله {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} هذه الآية أتت في شأن من قعد عن القتال عن الجهاد لعذر فهو معفي عنه، لكن بشرط إذا بقي أن ينصح لله ولرسوله لماذا ذكر في الآية فقط النصح لله وللرسول عليه الصلاة والسلام؟ لأن من نصح لله ونصح لرسول الله ﷺ، فقد قام بالدين، قام بالقرآن وقام بالسنة، ومن قام بهما أتى بحقوق غيرهما.
ثم ذكر رحمه الله الحديث الذي يدل على ذلك قال:
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هذا مسدد اسمه: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل البصري رحمة الله عليه، مسدد لقب، واسمه قيل: عبد الملك، البصري
وسأذكر بعض مناقبه: ثقة حافظ، إلى درجة أن شيخه يحيى بن سعيد القطان ماذا قال؟
” لَوْ أَتَيتُ مُسَدَّدًا، فَحَدَّثْتُه فِي بَيتِهِ، لَكَانَ يَسْتَأْهِلُ ” يعني مثل ما نقول يستاهل يستحق، وهذا يدل على أنه أمير عنده ما يقول الشيخ عن طالبه هذا القول هكذا عبثًا لا، لأن شيخه هذا قال: ” لو آثرت أن أضع كتبي عند أحد إذا خرجت إلى مكة، وضعتها عند مسدد ” لأنه لو وضع الكتب عند غيره ربما زاد فيها أو نقص أو كذا.
(قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) وهو يحيى بن سعيد القطان الثقة المتقن الحافظ نعم، ما ظفر الإمام أحمد بالحديث لا هو ولا ابن معين ولا ابن المديني إلا من يحيى هذا، مع أنه محدث فقيه أثنى الإمام أحمد على حسن فقهه، صاحب دمعة إذا ذكر الحديث بكى، عابد يقول بعضهم يقول: ترددت على يحيى بن القطان عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله أبدا لا إله إلا الله، يعني علم وحفظ وإتقان وخشية، هذا شيخه ليس بأي أحد.
(عَنْ إِسْمَاعِيلَ) وهو إسماعيل بن أبي خالد الكوفي ثقة ثبت
(قَالَ: حَدَّثَني قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) ثقة يعني قيل: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام الكوفي.
(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله) رضي الله عنه اليماني أصله من اليمن، اليماني ولكنه نزل بالكوفة، وكان جميلًا حتى كان يقال: هو يوسف هذه الأمة.
(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم – عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المبايعة قد تتجدد من بعض الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام، والسنة ملأى بذلك، فهي تختلف عن المبايعة الأولى على التوحيد والدخول في الإسلام، فقد تتجدد باعتبار مضامين المبايعة
ولذا قال هنا: (بَايَعْتُ رَسُولَ الله- صلى الله عليه وسلم-) المبايعة فيها ثمن ومثمن، فيها سلعة وفيها ثمن، فيها بائع وفيها مشتري، لأن الناس من حيث طبيعتهم يحبون البيع الدنيوي، لأن به مكاسب، وهذا يدل على أن البيع النافع الباقي وأعظم البيع هوما كان في أمور الدين.
ولذلك قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} [الصف: 10]، وقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} إلى أن قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة:111]، وقال عن المنافقين:
{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة:16]، وإذا تعارضت التجارة الدينية مع الدنيوية، فالمقدم الدينية، قال عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور:36-37]، {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24] والنصوص كثيرة.
قال: (عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) وهذا يدل على عظم الصلاة وإقامتها حق القيام، فهي عبادة تتعلق بالبدن
وقال: (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) ذكرها لأهميتها وهي عبادة تتعلق بالمال
قال: (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) والنصح لكل مسلم لأن النصح لكل مسلم من كمال الإيمان، النصح له إذا استنصحك يعني إذا طلب منك النصيحة، وأيضًا النصح له ولو لم يطلب النصيحة إذا رأيت أن الخير له في هذا الطريق دون غيره، وتشمل النصح لكل مسلم فيما يتعلق بدينه ودنياه، وأعظم النصح له ما يتعلق بدينه.
قال: (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) ذُكِر المسلم من باب الغالب، وإلا فالنصح لكل كافر بدعوته إلى الدين من أعظم ما يكون، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد في دخول الكفار حتى قال الله عز وجل له: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8].
(وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) في رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام لقنه قال: فيما استطعت: ” عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي: فِيمَا اسْتَطَعْتَ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» ” سبحان الله تطبيق عملي منه عليه الصلاة والسلام في النصيحة، هو أمره بالنصح لكل مسلم، فنصح له النبي عليه الصلاة والسلام من أن هذه المبايعة فيما استطعت.
ولذلك قال: قال: “فِيمَا اسْتَطَعْتَ” وضُبِطَت “فِيمَا اسْتَطَعْتُ” فيما استطاع جرير، لأن النصوص الشرعية تؤكد من أن الأمر متعلق بالاستطاعة، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، قال عليه الصلاة والسلام: “إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ” وهذا يدل على أن الهفوة التي تحصل من الإنسان من غير قصد معذور فيها، وذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في أواخر كتاب الإيمان ليبين رحمه الله أنه نصح للأمة كيف؟
من أنه اعتمد في تصنيفه هذا على الصحيح دون الضعيف، وقد فعل، إي وربي لقد فعل نصح الأمة، ولذلك من يتصدر ويذكر أحاديث مكذوبة أو موضوعة تدغدغ العواطف حتى لو كانت نيته نية طيبة، فإنه سيىء الفعل، ولم ينصح، والنشر لهؤلاء ليس من النصيحة في دين الله، بل يجب التحذير من هؤلاء لأن بفعلهم هذا ضياع للدين.
(٥٨ – حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنّهُ كانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْته عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لنَاصِحُ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ)
ثم ذكر رحمه الله سبحان الله ذكر خطبة جرير، جرير طبق يوم أن مات المغيرة طبق هذه المبايعة.
قال البخاري رحمه الله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) وهو محمد بن الفضل السدوسي معروف بلقبه عارم
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري ثقة ثبت، طبعا السابق أيضًا ثقة ثبت، وإن كان قد تغير في آخر حياته، الله المستعان، الإنسان ضعيف ليس له قوة إلا بالله، وهذا يدل على أن الإنسان لا يغفُل قلبه عن التوكل على الله وتفويض الأمر إليه في كل لحظة من لحظاته حتى تكون قويًا، قويا في بدنك، قويا في دينك، قويا في كل أمور حياتك.
(عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) الكوفي ثقة
(قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) المغيرة بن شعبة من الصحابة الأجلاء ولاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على الكوفة
(يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ) من؟
جرير هل قام لأن المغيرة ولاه أو أن المغيرة ولى ابنه؟
قيل: بهذا، وقيل: بهذا، وعلى كل حال سواء كان ولاه أو لم يولِه، فهذا هو أوان ظهور أهل العلم حينما يتوقعون حصول فتنة، فكيف إذا وقعت فتنة؟ هذا من أوجب ما يكون أن يظهروا وأن يبينوا للناس، فهو أراد رضي الله عنه أقصد جريرًا أن هذه الخطبة تمنع ما يُتَوقع أن يحصل، وخصوصًا ممن؟
من أهل الكوفة الذين عُرفوا بعدم استقرارهم على أمير، وهذا يدل على أن موت الأمراء قد يسبب فتنًا، فعلى الناس أن يثبتوا وأن يسكنوا، ولا طريق لهم لمعرفة ذلك إلا عن طريق العلماء
(قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) لأن هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام في الخطبة وهذا أولًا، ولأن حق الله مقدم على حق أي أحد
(قَامَ) هل هو قام مجرد القيام أو أنه قام على المنبر؟
محتمل لأن قوله في آخر (وَنَزَلَ) يدل على المنبر، وهذا أوضح
(قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وذكر هاتين الكلمتين يدلان على عدم صحة من فسر الحمد بأنه الثناء، فالحمد هو وصف المحمود بما له من الصفات العظيمة وهو يختلف عن الثناء، ولذلك في صحيح مسلم في حديث أبي هريرة “قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي”.
(وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهَ) لأن تقوى الله سبب لجلب كل خير ودفع كل شر، لأن من اتقى الله من لوازم هذه التقوى سيعمل بها، لأنه عمل بالأصل
ولذلك قال: (عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهَ) نصح ولم يسكت
قال: (وَحْدَهُ) وأكد الوحدانية بقوله (لَا شَرِيكَ لَهُ) أثبت الوحدانية ونفى الشريك، لعله والعلم عند الله أراد بذلك أن تكون هذه التقوى خالصة لله عز وجل، فلا يكن فيها طريق لحظ نفس أو رغبة، أو سماع لأحد اتقاء لغضبه أو رجاء لنفعه لا، في مثل هذا المقام يُتقى الله عز وجل وحده لا شريك له، ولذلك ماذا قال بعدها؟
قال: (وَالْوَقَارِ) يعني عليكم بالوقار، الوقار: الرزانة، وهذا يدل على الهدوء من وقر الشيء يعني ثبت ثبات ورزانة، لأنه كما سلف موت الأمراء يسبب زعزعة
قال: (وَالسَّكِينَةِ) يعني السكون يعني أمرهم بالوقار فيما يتعلق بهيئتهم، فيما يتعلق بهيئتهم يعني ليس هناك غضب، وليس هناك حظ، وليس هناك تشوف لأمر دنيوي
وقال: وعليكم بالسكينة، السكينة عدم الحركة والسرعة في زعزعة الأمن، أو في التشويش لا.
ثم قال: (حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) حتى يأتيكم أمير، وفيه في الشرع مفهوم المخالفة يعني هل يُفهم أنه إذا أتاهم أمير أنهم لا يتقون الله ولا سكينة ولا وقار، لا مفهوم المخالفة في الشرع مقبول بشرط ألا يخالف مفهوم الموافقة، لا يخالف الصريح يعني عليكم بهذه حتى يأتيكم أمير، ومن باب أولى إذا أتاكم أمير، كما قال عز وجل: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] يعني الضرب من باب أولى
قال: (حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) وأهل السنة والجماعة ما ذكروا في كتبهم في العقائد حقوق الولاة إلا لأنهم يعرفون حسب النصوص الشرعية وحسب الواقع أن الأمور لا تستقر في البلدان إلا بهم بعد الله، ولذلك مر في الحديث السابق “الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ”.
(حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) ولذلك لا يصلُح أن يكون الناس فوضى، فأهل الجاهلية لما لم يكن لديهم أمير كان يسطو بعضهم على بعض، فتضيع الحقوق ويتغلب القوي، ويتعب ويعاني الضعيف.
(حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ فَإِنّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ) وبالفعل من حين ما علم معاوية أرسل أميرًا
(فَإِنّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ) هذا من باب أن يثبتهم أكثر، فالوقت ليس بطويل
(فَإِنّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ ثُمَّ قَالَ) سبحان الله يعني لما ذكر حق الله وذكر حق العامة، ومما يتعلق بحق العامة أن يكون الأمن والاستقرار ذكر حق الخاصة، لأن المغيرة مات، فلم يعد أميرًا، ولذلك عمر رضي الله عنه لما طُعِن وأراد أن يُدفن في حجرة عائشة قال: قولوا لها إن عمر يستأذن، فلست أميرًا الآن وإنما كنت أميرًا فيما مضى.
(ثُمَّ قَالَ اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ) اطلبوا العفو لأميركم، ولذلك في رواية: “اسْتَغْفِرُوا لِأَمِيرِكُمْ”، ولذلك إذا مات في مثل هذا الزمن أحد قالوا: فلان يطلب منك المغفرة أو الحل، هذا هو الأصل، لكن فيما يتعلق بالمغيرة قال جرير: (فَإِنّهُ كانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) الجزاء من جنس العمل، حرَّصَهُم على أن يسألوا الله له العفو، لأن طبيعة المغيرة يحب العفو، ومن يحب العفو يدل على سلامة قلبه، ونظافته
(ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم -قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
(قال: فَشَرَطَ عَلَيَّ) إتيانه رضي الله عنه، إتيان مقبل راغب، ولذلك أتى أُناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام يبايعونه على الإسلام ما اشترط، فهذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، بعض الناس لما يأتي مسلما يريد الإسلام، فتشترط عليه ما يتعلق بواجباتٍ في الإسلام، ربما أنه يأنف
(قال: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْته عَلَى هَذَا) ثم قال: مقسمًا مع أنه لم يُستَحلَف لأن الأمر جد خطير.
(وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ) هل هو المسجد الذي خطب فيه أو أنه أراد أن يعظم الأمر بتعظيم ما يضاف إليه عز وجل من أعظم المساجد المسجد الحرام؟
نعم، بدليل رواية: ورب الكعبة، قال: ورب الكعبة
(وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لنَاصِحُ لَكُمْ) قدم ناصح على لكم، لأن الحديث عن النصيحة، وفي هذا جواز مدح الإنسان لنفسه حالفًا بذلك -هو الآن يمدح نفسه- فيجوز للإنسان أن يمدح نفسه من أجل تحقيق مصلحة للأمة أو دفع مفسدة عن الأمة، هنا أراد دفع المفسدة.
ولذلك يوسف عليه السلام لما أراد تحصيل منفعة للأمة أثنى على نفسه {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، ومدح عثمان رضي الله عنه نفسه لما أرادوا قتله وكان أميرًا، وبقتله تحصل الفتن، إي والله لما قُتل كما قال عليه الصلاة والسلام: “إذا وُضِعَ السيفُ في أُمَّتِي؛ لم يُرْفَعْ” بعد مقتل عثمان بسبب الخوارج وعدم السكينة والوقار واتقاء الله قبل ذلك كما قال جرير؛ حصل ما حصل
(ثُمَّ اسْتَغْفَرَ) هذا يدل على ماذا؟
يدل على أنه لما استغفر من أن خطبته قد لا تسلم من الزلل والخطأ، هذا أمر، أمر آخر ما يذكره الخطباء من الاستغفار في الخطبة يدل له هذا، ويدل له أصرح ما يكون لما خطب النبي عليه الصلاة والسلام في فتح مكة قال: واستغفر الله لي ولكم.
(ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ) رضي الله عنه.
كأن البخاري رحمه الله لما ذكر حديث جرير السابق والنصح لكل مسلم قلنا: كأنه يقول نصحت للأمة، فذكرت الأحاديث الصحيحة دون الضعيفة، وكأنه لما صنف هذا التصنيف، استشف من قول جرير فإنما يأتيكم الآن أراد البخاري أن يستمر الناس على تطبيق ما في هذا المصنف من أحاديث مهما كانت الفتن، فإنه لا تزال طائفة في الأمة على الحق منصورة، كما أنه يجب على العالم يخرج وقت الفتن أو قبل أن تقع الفتن، فكذلك على الناس ألا يذهبوا إلا إلى أهل العلم المعروفين بالعلم وبالعمل وبالعقيدة الصحيحة، فلا يستمعوا إلى كل من هب ودب، وخصوصا في مثل هذا الزمن ليُحذر كل الحذر، لأن وسائل التواصل تُخرج من ليس بعالم ممن هو جاهل تخرجه كأنه عالم لكثرة من يتابع، لأنه يأتي بخُرافات، والناس تتبع ما يدغدغ العواطف للأسف، وكأنه استشف من قوله: (اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ) أن تطلبوا له المغفرة والرحمة، رحمة الله على البخاري لمَ؟
لأنه قدم عملًا فاضلًا عظيمًا للأمة، وبالاستغفار ثم استغفر من أنه لا يسلم من حصول ما يمكن أن يحصل مما هو من طبيعة البشر في التصنيف أو في غيره.
ولذلك ختم الباب بهذه الخطبة، وأتى بعدها بكتاب ماذا؟
بكتاب العلم لمَ؟
كأنه يقول: إن أعظم ما يُقدَّم فيه النصح هو تعلم العلم وتعليمه، هذا ما ذكره ابن حجر رحمه الله، هذه ليست مني، من ابن حجر، لكن الذي يظهر لي أيضًا زيادة على ما ذكر لماذا كتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، لأنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الإيمان إلا عن طريق النبوة، عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا يصل الإنسان إلى ماذا؟
إلى الإيمان، فكأن فيه إشارة إلى أن تقوِّي إيمانك، فإنه كل ما قوَّيت إيمانك دعاك إلى العلم، والعلم إنما يؤخذ من القرآن والسنة، ويؤكد ما ذكرته أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كما ثبت قالوا: “تَعَلَّمنا الإِيمانَ قَبلَ أَن نَتَعَلَّمَ القُرآنَ، ثُم تَعَلَّمنا القُرآنَ، فازدَدنا بِهِ إِيمانًا” ولا يمكن أن تعرف الإيمان إلا بالقرآن، فالمقصود من ذلك أن الإنسان لما أتاه الوحي وهو القرآن دخل قلبه الإيمان، فليحرص على هذا الإيمان يحرص على التوحيد من تعظيم الله من خشية الله من …من…
فإنه سيفتح له بابًا إلى العلم.
ولهذا ماذا قال هذا الصحابي؟
قال: ” وَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تُعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ ” انظروا إلى الحال حفاظ للقرآن والحال للأسف العدد وليس بالقليل واقعون في البدع، وليس المقصود فقط فيما هو في بيئتنا لا، انظر الحديث عن البلدان الإسلامية، من البدع، من التوسل بغير الله، من التبرك بالقبور، وبالصالحين، ودعاء غير الله، بدء الوحي إيمان علم.