تفسير سورة البقرة الدرس ( 2 ) [ الم ]

تفسير سورة البقرة الدرس ( 2 ) [ الم ]

مشاهدات: 437

( تفسير سورة البقرة )

 الدرس الثاني

قوله تعالى : { الم {1} }

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالأمس أخذنا مقدمة عن سورة البقرة ، ونشرع في هذه الليلة بإذن الله تعالى في بيان الآية الأولى من هذه السورة ، وهي قول الله عز وجل :

{ الم{1} }

بالأمس قلت ُ :إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكث في حفظ سورة البقرة بفقهها ثنتي عشرة سنة “

لم ؟

لأن المسلم إذا أتقن سورة البقرة بما فيها من أحكام وأخبار وأوامر ونواهي ، فإنه سيفقه ما يأتي بعدها من سور .

وأضرب لكم مثلا بتفسيرنا في هذه الليلة لقوله تعالى :

{ الم{1} }

ما سأذكره من فوائد تحت هذه الآية خذ هذه الفوائد واذكرها وتذكرها عند قوله تعالى :

{ المص } الأعراف1 .

{ حم } غافر1 .

{ طه } طه .

{ يس } يس1 .

{ ق } ق1 .

فما يقال هنا يقال هناك سواء بسواء .

فقول الله عز وجل :

{ الم{1} }

يستفاد منها فوائد :

 

( الفائدة الأولى )

أن هذه تسمى عند العلماء بالحروف المُقَطَّعة “

وهذه الحروف المقطعة وردت في :

” تسع وعشرين موضعا من كلام الله عز وجل “

أولها سورة ” البقرة ” كما هنا .

وآخرها سورة ” ن ” .

 

( الفائدة الثانية )

” أن هذه الحروف المقطعة منها أحادية ، وحروف ثنائية ، وحروف ثلاثية ، وحروف رباعية ، وحروف خماسية “

أحادية “ مثل قوله تعالى :

{ق }ق1  ، {ص }ص1 ، {ن }القلم1 .

” ثنائية “ مثل /

{حم }غافر1  ، {يس }يس1 ، {طس }النمل1 .

” ثلاثية “ مثل /

{ الم } ، {طسم } الشعراء1

” رباعية “ مثل /

{المص } الأعراف1

” خماسية “  مثل /

{كهيعص } مريم1

 

( الفائدة الثالثة )

هل هذه الحروف المقطعة آية أم أنها غير آية ؟

يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في شرحه على الطحاوية : ” إن غالب من كتب القرآن ممن سبق لم يذكرها على أنها آية ، وإنما هي من ضمن الآية التي تليها  “

وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تفسيرها  .

لكن المعمول به والمعروف لدينا أنها آية ، وإذا كانت آية فهل لها معنى ، أم أنه لا معنى لها ؟

قال بعض العلماء : لا معنى لها .

ولا يمكن أن يكون هذا ، لم ؟

لأن الله عز وجل أمرنا بالتدبر ، قال تعالى

{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ } ص29 .

وهي من ضمن الآيات ، إذًا لابد أن نتدبرها ، فإذا لم يكن لها معنى ، فكيف نتدبر ها .

إذًا هذا القول يرد بهذه الآية .

إذًا / ما معناها ؟

هل هي ترمز في حروفها إلى أسماء للملائكة ؟

هل هي قَسَم ، أقسم الله عز وجل بها في أول السورة ؟

هل هي حروف هجاء لا معنى لها ، مثل ما تقول ” ط  ” ، ” ف ” هذه لا معنى لها ؟

هل لها معنى ولكن الله عز وجل استأثر بعلمها ؟

هل هي أسماء للسور ؟

أو أسماء لله عز وجل ؟

أو أسماء للرسل ؟

كل هذه أقوال ، كثير من العلماء يقول هي ” لها معنى ، لكن الله عز وجل استأثر بعلمها ، فنكل علمها إلى الله عز وجل .

ولكن هذا يشكل على أن القرآن ما نزل إلا للتدبر .

ومن ثمَّ / فإن أقرب الأقوال كما ذكر القرطبي وابن كثير رحمهما الله : ذكروا من ضمن الأقوال ” أنها حروف هجاء ” لكنهم لم يرجحوا هذا .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” إنها حروف هجاء ”

مثل ما تقول : ” ط – ف  “ لكن لها فائدة ولها معنى .

كيف ؟

إذا قلت ” ق “ فيه تحدٍ للكفار الذي زعموا أن هذا القرآن قد أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقال لهم : هذا القرآن قد أُلِّف من مثل هذه الحروف ، وأنتم بلغاء فصحاء ، فأنشئوا مثله !

تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثله ، قال تعالى :

{ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ }الطور34

فعجزوا .

تحداهم بعشر سور ، قال تعالى :

{ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }هود13

فعجزوا .

تحداهم بسورة واحدة ، قال تعالى :

{  فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }البقرة23

ومع ذلك عجزوا .

ومن ثم فإن هذا القول لو تأملت معي في غالب هذه الحروف المقطعة إذا أتت أتى بعدها ذكر القرآن .

قال تعالى :

{ الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ }

{ المص{1} كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ }

{ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ }

{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ }ص1

{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ }ق1

بمعنى / أن هذا القرآن أُلِّف من مثل هذه الحروف ، فألِّفوا مثله ، فإذا عجزتم فآمنوا به ، فإذًا هو ليس من عند محمد – صلى الله عليه وسلم – وإنما هو من عند الله عز وجل .

وقال بعض العلماء : هذه الحروف لها فائدة أخرى ، ما فائدتها ؟

” أنها تستقطب أذهان الكفار “

الكفار يتواصون فيما بينهم ألا يستمعوا لهذا القرآن { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }فصلت26 .

وقال عز وجل :

{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }

يهربون من أن يسمعوا هذا القرآن 

{ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ }

 { حُمُرٌ } جمع ” حمار “

{ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ }المدثر51

يعني فرت من أسد أو من صائل .

فلما أتت هذه الحروف { الم } { طه } {ق } حينها يتطلعون إلى ما بعدها ، وبالتالي يستمعون إلى القرآن فيؤثر فيهم .

وهذا في الغالب ، لم ؟

لأن بعض السور مدنيةكسورة البقرة – لكن في غالب السور التي نزلت في مكة هي استقطاب لأذهان الكفار .

 

( الفائدة الرابعة )

وهي فائدة لطيفة وجميلة جدا ذكرها ابن القيم رحمه الله في هذه الحروف ، وابن القيم رحمه الله معلوم عمق فهمه .

وسبحان من يمنّ على عباده بفضل منه وكرم ، كان صوفياً ، فمنَّ الله عز وجل عليه فهداه بصحبة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ستة عشر عاماً فقط أخذ هذا العلم الغزير ، حتى قال ابن حجر رحمه الله :

” لو لم يكن من حسنات ابن تيمية إلا ابن القيم لكفى “

فماذا يقول ابن القيم رحمه الله ؟

يقول رحمه الله : اعلم أن كل سور فيها حروف مقطعة للسورة ارتباط بها “

كيف ؟

قال : إذا أتتك السورة مبدوءة بـ { الم }

يقول : إن مخارج الحروف ثلاثة [ الحلق – اللسان – الشفتان ]

الألف ” من الحلق ” وهو من الآخر .

اللام ” من اللسان ” وهو من الوسط .

الميم “ من الشفتين ” وهو من الأول .

فيقول رحمه الله – وتأملوا هذا – أي سورة ابتدأت بـ { الم } فاعلموا أنها تكلمت عن ” أول الخلق ووسط الخلق وآخر الخلق “

تأمل هذا في سورة البقرة .

تأمل هذا في سورة العنكبوت :

{ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) }

تأمل ذلك في سورة الروم :

{ الم{1} غُلِبَتِ الرُّومُ{2} }

تجد أن هذه السور تحدثت عن أول الخلق ووسطه وآخره .

هذا من حيث المعنى

مثال آخر

يقول:  سورة ( ص )  تدل على ماذا ؟

لو نظر إلى هذه السورة وتؤمل فيها وجد فيها أن ” الصاد “ ارتبط بالخصام المتكرر في هذه السورة .

” خصام النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش “

{ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } ص6.

{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ }ص21

” خصام أهل النار “

{ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ }ص64

” خصام الملأ الأعلى “

{ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ }ص69.

قال رحمه الله : قد تكو ن هذه الحروف لها ارتباط ليس بالمعنى ولكن من حيث اللفظ

مثال / سورة ” ق “ فمن تأمل سورة ” ق ” وجد أن لها ارتباطا من حيث اللفظ بهذا الحرف الذي هو ” قاف ”  كيف ؟

قال :معظم كلمات هذه السورة قافية “

مثال /

{ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ }

{ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ  }

{ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ  }

{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  }

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ  }

{ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ }

{ وَقَالَ قَرِينُهُ }

فيقول  رحمه الله : لو تأملت هذه السورة وجدت أن معظم كلماتها كلمات قافية “

إذًا / هذا ما يتعلق بهذه الحروف المقطعة ، خذْ هذا الكلام كله وإذا تحدثت عن سورة الأعراف {المص }الأعراف1 ، أو سورة الرعد { المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ }

خذ هذا الكلام كله وقله هناك ، وبهذا فهمنا الحروف المقطعة .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .