( فقه المعاملات )
(37)
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
( كتاب النكاح )
[ 8 ]
(باب الخلع )
مسألة :
إن كانت الكراهية منهما أو منه فلا خُلْع ، وإن كانت منها فنعم ، فتَخْلُصُ منه بلا رجعة ، ولا تحل له إلا بعقدٍ جديدٍ .
الشرح :
قال النبي r :
( أيُّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأسٍ فالجنة عليها حرام )
فإذا كرِهتِ المرأة زوجها فلها أن تفدي نفسَهَا بمالها ، هذا إذا كرِهَتْهُ ،
أما إن كانت الكراهة مشتركة أو كانت الكراهة من قِبَل الزوج ، فإنه لا يجوز أن يأخذ شيئاً . قال الله تعالى :
{ ولا تعضلوهنَّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنَّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنَةٍ }
وذلك فيما لو كانت تزني فإنّ له أن يعضلها وأن يضيق عليها حتى تفتدي منه . أمّا إن لم تكن فاعلة ًللزنا وكانت الكراهية منه أو مشتركة ٌ فلا يجوز الخُلْع . إنما يكون الخُلْع فيما لو كرهته المرأة في خِلْقَتِه أو في خُلُقِه .
ولا تحلُّ له إلا بعقدٍ جديدٍ . فإنها متى ما دفعت مالاً لتفديَ نفسَهَا فإنَّها تكون مالكةً لنفسها ،
وإذا أراد أن يتزوج بها ورضيَت فلا بد من عقدٍ جديدٍ .
مسألة :
يُسَنُّ أن يُجيبَها إلى الخًلْع ، وإن لم فتصبر كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .
الشرح :
يُسَنُّ أن يجيبها إلى الخُلْع إذا طلبت ذلك ، لكنه ليس بواجبٍ عليه ، لذا لو لم يوافق وأحبَّها ، فإن الواجب عليها أن تصبر .
مسألة :
يحرم الخُلْع من دون سبب .
الشرح :
لقوله r :
( أيما امرأةٌ سألت زوجها الطلاق من غير بأس فالجنة عليها حرامٌ ) .
مسألة :
إن كرهها وضيَّق عليها لتخالع فلا خُلْع ، وقيل : يصح ولا عِوَض . إلا إن كانت غير عفيفة .
الشرح :
إذا كرهها وضيّق عليها فإنه لا يصح الخُلْعُ عند كثيرٍ من العلماء . وشيخ الإسلام رحمه الله يقول : يُتَوَجه أن الخلع يصح ، لكن من غير أن يأخذ مالاً ، فتكون مالكةً لنفسها إلا إن كانت غير عفيفة ، فكما سلف له أن يعضُلَها وأن يضيِّقَ عليها .
مسألة :
شروط صحة الخُلْع .
أولاً :
بذل عوضٍ ممن يصح تبرعه ، فإن كان محجوراً عليها . فهل لأبيها أن يتبرَّع ؟ قولان .
الشرح : (شروط الخلع)
أولاً: بذل عوضٍ ممن يصح تبرعه . فإنها إن كانت مالكةٍ للمالِ فلها أن تتبرع ، فلها أن تُخَالِع نفسَهَا إذا كان يصح تبرعها . لكن لو كانت ممن حجر عليها ولها مالٌ . فهل لأبيها أن يتولى الخُلْع ؟ قولان لأهل العلم . والراجح أنَّ للأب أن يُخالِعَ لابنته وأن يدفع المال لكي يخلِّصَهَا من هذا الظلم ، أو من هذه الكراهية التي وقعت فيها .
مسألة :
ثانياً :
أن يصدُرَ ممن يصح طلاقه ، وهو الزوج المختار المميز الذي يعقله .
الشرح :
لا بد أن يكون الخُلع صادراً ممن يصح طلاقه ، والذي يصح طلاقه : هو الزوج المختار . يعني : غير المُكْرَهِ . المميّز فإن كان غير مميِّزٍ فإنَّ طلاقه لا يصح . ولا بد أن يكون هذا المميِّز يعقله . فلو كان يظن أن قوله : طَلَّقْتُ زوجتي . يظن أنها نكتةٌ أو حكايةٌ وهو لا يعقله – لا يظن أنَّ زوجَتَه تطلقُ بذلك – فإنَّه لا يحصلُ طلاقٌ ، فلا بد فى الطلاق . أن يكون من زوج مختارٍ مميِّزٍ ويعقل الطلاق . ولذا – كما سيأتي – الأعجمي الذي لا يعرف كلمة الطلاق ممن لا يتحدث اللغة العربية . فلو أنه لُقِّنَ أن يقول : طلَّقْتُ زوجَتي . وهو لا يعرف ما وراء هذه الكلمة فإنَّ زوجته لا تطلق .
مسألة :
ثالثاً :
لا يَعْضُلَهَا بغير حقٍ .
الشرح :
لا يعضلها بغير حق ، فإن كان بحقٍ فإنه يصح الخُلْعُ . متى يكون بحقٍ ؟ إن كانت غير عفيفة .
مسألة :
رابعاً :
أن يكون بلفظِ الخُلْع ، فإن كان بلفظ الطلاق . فهل تُحتَسَبُ طلقةً أو لا ؟ اختار شيخ الإسلام – رحمه الله – الثاني .
الشرح :
ألا يكون بلفظِ الخُلْعِ ، كأن يقول : خالَعْتُكِ . فيصحُّ الخُلْعُ ، وإن كان بلفظٍ من ألفاظِ الخُلعِ فإنَّه لا يُعَدُّ طلاقاً . بمعنى : لو عادت إليه ، فإن هذا الخُلْع لا يُعَدُّ طلقةً تُحْسَبُ عليه . وأما إن قال في مخالعته لها : طلَّقْتُكِ . وقد أخذ المال ، فتُحسب طلقةً عند الحنابلة . وشيخ الإسلام – رحمه الله – يقول : إنَّ الخُلْعَ ليس بطلاقٍ ، لأنه أخَذَ عوضاً حتى لو كان بلفظ الطلاق .
مسألة :
الصحيح أنها تعتدّ بحيضةٍ .
الشرح :
المشهور من المذهب أنّ المختلعة تعتدُّ بثلاث حِيَضٍ ، ولكنّ الصحيح أنها تعتد بحيضةٍ ، لأن النبي r كما عند ابن ماجة : أمر من اختلعت أن تعتد بحيضةٍ واحدةٍ )
والمراد من هذه الحيضة : استبراء رحِمِها ، لأن الاعتداد ليس لاستبراء الرحم فقط ، وإنما من أجل أن يعطي الشرع الزوجين فرصةً للتراجع ، لكن مع الخلع ليس هناك داعٍ يدعوا إلى التراجع . لمَ ؟ لأنها افتدت نفسها منه ، وأرادت أن تتخلص منه ، ولا تريد الرجوع إليه .
مسألة :
إذا خلعها ولم يسمِّ عوضًا . فهل يصحُّ أو لا ؟ قولان . اختار شيخ الإسلام – رحمه الله – الصحةَ وله مثل الصداق .
الشرح :
لو خالعها دون أن يحدد شيئًا . قال : خالعْتُكِ . ولم يحدد شيئًا . قال بعض العلماء : لا يصح الخُلْع . ولكنَّ شيخ الإسلام – رحمه الله – يقول : يصح . ولماذا ؟ بما أن هناك رضى بين الزوجين في الخُلْعِ ، فلماذا لا يصح ؟ بل إنه يصح ويُعْطى مثل صداقه . فما دفعه من صداقٍ يعود إليه .
مسألة :
كل ما صحَّ مهرًا صحَّ الخُلْعُ به .
الشرح :
سبق معنا أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا وأن يكون منفعةً ، فإنه يصح أن يكون مهرًا فكذلك في الخُلْعِ .
مسألة :
تكره الزيادة على الصداق فيه .
الشرح :
هذه مسألة خلافية لورود رواية : ( وأما الزيادة فلا ) وهذه اختلف في ثبوتها ويُحَسِّنُها الألباني – رحمه الله – ولذا قال الإمام مالك رحمه الله : ليست هي عادة الفضلاء أن يأخذ أكثر . كأن يقول : لا أخالعكِ إلا بمائة ألف . مع أنه لم يدفع مهرًا إلا خمسين ألفًا ، لكن لو حصل ذلك فالخلعُ صحيحٌ . لكن يكره له أن يأخذ أكثر مما دفع .
مسألة :
يصحُّ الخلعُ على مجهولٍ وعلى معدومٍ ، لأنه إسقاط .
الشرح :
فيصحُّ الخلْعُ على ما ذكر
فلو قالت : أدفع إليك أرضًا . ولم تُبَيِّن . أو : أعطيكَ عبدًا . أو : أعطيكَ سيارةً . ولم تُبيِّن هذه السيارة . فإنَّ الخلعَ صحيحٌ إذا رضيَ الزوجُ . لمَ ؟
لأنه إسقاط . فكأنه أسقط حقه . وكذلك لو على شيءٍ معدومٍ كما لو قالت : أخالعكَ على ثمار هذه الشجر . ولم يخرج شيءٌ بعد ، فيصحُّ لأنه إسقاط . رضيَ الزوجُ بذلك كأن سامحها وأسقط عنها . وليست كالبيع تفضي إلى منازعةٍ وشقاقٍ .
مسألة :
لا يسقط ما بينهما من حقوق أخرى .
الشرح :
لو أن الزوجة تطالبه بدينٍ ، وحصل خُلْعٌ فإن حقها لا يسقط ، أو كان العكس : هو يطالبها ، فإنّ الخُلْعَ لا يُسْقِطُ هذه الحقوق .